Top
Image Alt

حقّ الدولة في التدخل في الملكية الفردية، والتكييف الفقهي

  /  حقّ الدولة في التدخل في الملكية الفردية، والتكييف الفقهي

حقّ الدولة في التدخل في الملكية الفردية، والتكييف الفقهي

نختتم كلامنا في هذه المسائل المتعلّقة بالزكاة والضرائب ببيان حق الدولة في التدخل في الملكية الفردية، وهذه مسألة أخرى أشير إليها باعتبارها ملمحًا مهمًّا في النظام المالي الإسلامي يحتاج إلى شيء من الفقه، فضلًا عن بعض الضوابط التي تحكم هذا التدخل، إذا كان لا بد منه.

لعلّنا جميعًا قد ظهر لنا بوضوح: أنّ الإسلام قد أعطى للدولة -في سبيل استكمال مواجهة حاجاتها الضرورية ومصالحها العامة على أتم وجْه وأحسنه- أن تتدخّل في الملكية الفردية على النحو الذي يوفِّر لها إيرادًا يُعينها على أداء واجب الدفاع كاملًا ضدّ الأعداء في الخارج، واستتباب الأمن ضد المنتقدين عليها في الداخل، والتزام جادّة الصواب في خط سير الحياة الاقتصادية للمجتمع الإسلامي في نطاق تعاليم الإسلام الرشيدة، سواء بالنسبة للوسائل أو الأهداف.

ولما كان من الأصول المقرّرة والمعمول بها: أنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، وكان قيام الدولة بكلّ ذلك واجبًا عليها، وكان قيامها أيضًا به يحتاج إلى المال الذي يُعينها عليه، فإنّ كلّ ما من شأنه أن يوفِّر لها هذا المال يكون واجبًا عليها أن تلجأ إليه، باعتباره ضرورة من ضرورات أدائها لواجبها.

ومن ثَمّ يكون تدخّل الدولة في ثروات الأفراد وملكياتهم الخاصة، على النحو الذي يساعدها على أداء واجبها، من قبيل الواجب عليها؛ وبالتالي يُعتبر عدم قيامها به تخليًا منها عن مهمّتها الأساسية في تحقيق الكفاية والأمن لمجتمعها. فإذا أضفنا إلى هذا: أنّ استعمال هذا الحق أحيانًا قد يكون لدفع الضرر الأكبر بضرر أقلّ -وهو: أصل من الأصول المقررة والمعمول بها أيضًا- لكان تدخُّلها حينئذ من قبيل استعمال سلطة السيادة أو الولاية العامة في نطاقها المشروع لغرض مشروع. ومورد هذا الحق أو وعاؤه هو: ما زاد على حاجة من سيُفرض عليه، تطبيقًا لقول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219].

و{الْعَفْوَ} هو: الزائد على الحاجة، أو هو الفاضل عن حاجاته الضرورية. على أن كون هذا الحق نابعًا من الضرورة يوجب أن يظلّ في نطاقها ويقدّر بقدرها؛ فلا جوْر ولا ظلم ولا بغْي ولا حيف، وإنما يكون فقط بقدْر ما يدفع الحاجة، دون زيادة أو نقصان، في ضوء قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، والنقصان إساءة إحسان، والزيادة ظلم لا عدل، وكلاهما لا يجوز في الإسلام؛ حيث إنّ الله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وهو لا يحب الظالمين.

في ذلك يقول القرطبي: “واتفق العلماء على: أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة، يجب صرف المال إليها”. وقد أبرز الغزالي هذا الرأي وأصّلَه ودعّمه بما يشهد لصحته، وخلاصة ما قاله في هذا الشأن: أنه إذا خيف دخول العدو بلاد المسلمين، أو خيف قيام فتنة داخلية تهدّد الأوضاع وتعصف بالأمن، ولم يكن في خزينة الدولة ما يكفي نفقات الجيش لينهض بمهمّته في دفع أيّ من هذيْن الخطَرين إذا أحدق بالبلاد؛ فإنّ للإمام أن يقرِّر في أموال الأغنياء ضريبة بما يكفي تلك النفقات، تأمينًا للبلاد خارجيًّا وداخليًّا”. وقد استند الغزالي في رأيه هذا إلى قاعدة أصولية، مؤدّاها أو مضمونها: أنه إذا تعارض شرّان، دُفع أعلاهما بأدناهما، أو أشدّهما بأخفِّهما. ثم وضح انطباق هذه القاعدة على موضوعنا هذا، بأنّ أيّ مقدار من المال يأخذه الإمام من أموال الأغنياء لهذا الغرض، إنما هو قليل بالنسبة لِمَا يحتمل أن يحدث لهم لو أنه قُدِّر لأيّ من هذيْن الخطريْن أن يأخذ مجراه ويصل إلى مداه؛ إذ ربّما ترتّب على ذلك حينئذ: أن يتمّ الاستيلاء على جميع أموالهم إن لم تُزهق من قبل ذلك أرواحهم. وهذا أمر بديهي؛ لأنه إذا ضاعت البلاد ضاع معها كل شيء.

ثم استأنس الغزالي لدعم رأيه هذا بما هو متّفق عليه من: أنّ لوليّ الصغير أن يدفع من مال الصغير أُجرة تطهير القنوات الموصلة للمياه إلى أرض الصغير، أو أجرة الطبيب وثمن الدواء اللازم لعلاج الصغير، على أساس أنّ ذلك -وإن كان خسارة عاجلة- فإنه لدفع ما يُتوقّع من خسارة أكبر آجلة إذا لم تُطهّر القنوات وبالتالي لم تصل المياه إلى الأرض، أو لم يتولَّ الطبيب علاج الصغير أو لم يستحضر له الدواء، حيث قد تبور الأرض؛ فلا تنبت، كما قد يشتدّ المرض على الصغير فيحتاج إلى نفقات علاج أكثر، وربما مات.

قد أشرنا من قبل إلى ما قرّره الشاطبي في هذا الصدد حين قال: “إنا إذا قررنا إمامًا مُطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسدّ حاجة الثغور وحماية الملك المتّسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند -أي: نفقات الجيش- إلى ما لا يكفيهم، فللإمام -إذا كان عادلًا- أن يُوظّف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم، -أي: للجنود- إلى أن يظهر -أي: يوجد- مال لبيت المال. ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك… وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأوّلين -يقصد: العصور الإسلامية الأولى- لاتّساع بيت المال في زمانهم، بخلاف زماننا فإن القضية فيه أخرى، ووجه المصلحة هنا ظاهرة. فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك، بطلت شوكة الإمام، وصارت دياره عرضة لاستيلاء الكفار. وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام؛ فالذين يحذرون أو يحذرون من الدواعي لو تنقطع عنهم الشوكة، -أي: لو ضعف الجيش عن الدفاع- يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلّها فضلًا عن اليسير منها. فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق بهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يتساوى في ترجيح الثاني على الأوّل، وهو ما يُعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد”.

وقال أيضًا: “إذا كان الأمر يتعلّق بالعامة، فإن الضرر حينئذ يكون عامًا. ومهما كان مقدار النازل بصاحب الحق، فإنه قليل بالنسبة لِما يصيب العامة؛ ولذا قدّم حق العامة؛ ولكن يجب تعويض صاحب الحق عمّا ناله من ضرر بسبب فوات جلب المنفعة الشرعية له.

ونختم هذه المسألة أو هذا العنصر بالتأكيد على شرائط أو ضوابط الضرائب العادلة، كما قرّرها الدكتور عبد الوهاب خلَّاف، عندما قال تحت عنوان: “شرائط الضريبة العادلة”: “جباية الضرائب من الأفراد فيها استيلاء على جزء من مالِهم، وحرمان لهم من التمتع به، وهذا الحرمان إنما رُخِّص فيه لأنّ الضرورة قضت به؛ إذ لا يمكن القيام بالمصالح العامة بدونه. وبما أنّ الضرورات تُقدّر بقَدْرها، فيجب ألاّ يتجاوز بالضريبة القَدْر الضروري، وأن يُراعى في تقديرها وطرائق تحصيلها ما يُخفِّف وقْعها”.

ولهذا ذكر علماء الاقتصاد: أنه لا بد أن يتوفّر في كل ضريبة شرائط أربعة:

الأوّل: العدل والمساواة، بحيث تُفرض الضرائب على جميع الأفراد بطريق واحدة تناسب مقدرتهم المالية.

الثاني: الاقتصاد، بحيث لا يُفرض إلاّ القَدْر الضروري.

الثالث: النظام المبين الذي يعلم به كل فرد ما يجب عليه أداؤه، وموعده، وطريقة أدائه.

الرابع: مراعاة مصلحة الأفراد في تعيين مواعيد الأداء وطرائقه.

وأضاف يقول: وذكروا كذلك أنه لا يجوز فرض الضريبة إلاّ في مال نامٍ متجدّد، حتى تكون الضريبة من ثمرة المال ولا تكون من عوامل نقص أصله، حتى قال بعضهم: ما يؤخذ من الثمرة ضريبة، وما يؤخذ من الأصل نهب وسلب. ولا يجوز أن تستنفد الضريبة كلّ الثمرة، حتى لا يشعر الفرد بأنه إنما يعمل لغيره فيذهب نشاطه أو تضعف همّته ويقلّ أو يتلاشى حافزه.

والناظر في الضرائب الإسلامية، يتبيّن أنها مشروطة بعدّة شرائط اقتصادية مراعىً فيها: العدل، والتوفيق بين مصالح الأفراد والمصالح العامة. فنماء المال الواجبة فيه الضريبة شرْط مراعى في كلِّ الموارد الإسلامية. ففي الزكاة: لا تجب إلاّ في مال نامٍ حال عليه الحوْل الذي هو مظنة إنتاجه وإثماره، ومظنّة لأن يكون أداء الزكاة من ثمرته لا من أصله. ففي الخراج: لا يُجبى إلاّ من أرض أمكن زرعها، بل قال مالك بن أنس: “لا يُجبى إلاّ من أرض مزروعة”. وإنما شرَط زرعها أو إمكان زرعها، لتكون الضريبة من ثمرتها ونمائها. وفي العُشر أو نصف العُشر الواجب من نفس الثمرة، وجوبه مشروط بأن يكون الزرع قد بدا صلاحُه.

والمقصود من هذه الشرائط: ألاّ يُرهَق ذو المال، وأن تكون الضريبة من ثمرة مالِه لا من أصله.

وأمّا تناسب الضريبة الواجبة مع الحالة المالية لِمَن تجب عليه، فهو مراعىً في الموارد الإسلامية كذلك؛ ففي الزكاة والعُشر ونصف العُشر والعشور: الواجب مقدار نسبيّ لا يفترق فيه مال عن مال، ولا فرد عن فرد. فما دون النصاب عفْو، وما بلغ النصاب يؤخَذ منه الواجب بنسبة معيّنة. وفي الجزية: لا تؤخَذ إلاّ من الغنيّ القادر، ولا يُؤخذ من أحد إلاّ ما يناسب ماليّته ودرجة يساره. وفي الخراج: يجب أن يراعَى ما تُخرجه الأرض، وما يطيقه أهلوها. روى القاضي أبو يوسف عن عمرو بن ميمون قال: بعث عمر رضي الله عنه حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة، وبعث عثمان بن حنيف على ما دونه، فأتياه فسألهما: “كيف وضعتما على الأرض؟ لعلكما كلّفتما أهل عملكما ما لا يطيقون؟”. قال حذيفة: لقد تركت فضلًا. وقال عثمان: لقد تركتُ الضّعف، ولو شئت لأخذتُه. فقال عمر عند ذلك: “أما والله لئن بقيتُ لأرامل أهل العراق، لأدعنّهم لا يفترقون إلى أمير بعدي”.

وأمّا مقدار الواجب، وموعد أدائه، وطريقته، فقد روعي فيها أيضًا: الاقتصاد والرفق بذوي الأموال، من غير تفويت حقّ المصلحة العامة. فجعل موعد أداء الواجب حين يحول الحوْل على المال. وجعل الأداء موكولًا إلى ربّ المال في الأموال الباطنة كالنقود؛ لأنّ في عدِّها على صاحبها واستقصائها حرجًا وإضرارًا به، فوُكل إليه أداؤها بوازع من دِينه. وسائر الأموال جعل لولاة الأمور تحصيلها لِصرْفها في مصارفها، على أن يُراعوا في هذا التحصيل ما يقضى به الرفق والعدل. قال القاضي أبو يوسف في خطابه إلى أمير المؤمنين الرشيد في كتاب “الخراج”: “وتقدم إلى من وَلّيت ألاّ يكون عسوفًا لأهل عمله، ولا محتقِرًا لهم، ولا مستخفًا بهم؛ ولكن يلبس لهم جلبابًا من اللين، يشوبه بطرف من الشدة، والاستقصاء من غير أن يظلموا أن يُحمّلوا ما لا يجب عليهم”.

وقد كان العدل في الضرائب الإسلامية وإحاطتها بالشرائط الاقتصادية من أقوى الأسباب التي ساعدت المسلمين على فتح البلدان. وثبتت أقدامهم فيما فتحوه؛ لأن الفرس والرومان كانوا قد أرهقوا الناس بالضرائب الفادحة، وحمّلوهم فوق ما يطيقون، ولم ينصفوا مالِكًا ولا زارعًا.

وفيما دارت بين أبي عبيدة وأهل الشام لمّا أمر أن يُردّ عليهم ما جبي منهم من جزية، دليل على ما كانت تُكنّه صدورهم وما كانت ترهقهم به الإمبراطورية الرومانية.

error: النص محمي !!