Top
Image Alt

حكم إعارة العارية أو إجارتها

  /  حكم إعارة العارية أو إجارتها

حكم إعارة العارية أو إجارتها

أولًا: حكم إعارة العارية:

معنى هذا: لو أن شخصًا استعار شيئًا, فله أن يستوفي المنفعة من هذه العارية بنفسه أو بوكيل عنه؛ لأن وكيله نائب عنه، ويد الوكيل كيد الأصيل تمامًا، لكن السؤال هنا: هل للمستعير أن يعير الشيء الذي استعاره لشخص آخر غيره؟

اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين:

أولهما: ذهب إليه الحنفية في المختار عندهم والمالكية، وهو المرويّ عن بعض التابعين مثل الحسن البصري وغيره من التابعين، ومعهم عمر بن عبد العزيز والأوزاعي من أهل أو علماء الفقه, حيث قالوا: للمستعير أن يعير غيره؛ لأن مالك العين لما أعار العين إلى غيره، كأنه ملّكه منفعتها أو سلّطه على تحصيل المنفعة من الشيء المستعار على وجه زالت به يد المعير عنه، ومعنى عبارة التصريف التي قالوها: أنه كأنه ترك له الحرية الكاملة أن ينتفع بنفسه وبغيره, فيستوفي المنفعة بنفسه أو يملكها لغيره، فليس مجرد إباحة فقط بأن ينتفع ثم يعيدها إلى مالكها، وهو المعير.

الرأي الثاني: ذهب إليه الشافعية وجمهور الحنابلة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة، وهو أن الإعارة تفيد إباحة المنفعة فقط، فالحنابلة والشافعية يقولون: إن العارية تفيد الإباحة، والإباحة فقط؛ فلا يملِّكها المستعير لغيره.

والدليل على ذلك: أن العارية يجوز أن تعقد من غير تحديد أجل -هذه وجهة نظرهم العقلية- فيجوز لشخص أن يعير شيئًا من غير أن يحدد أجلًا للانتفاع، ولو كانت العارية فيها تمليك المنفعة؛ بمعنى أن المستعير يملك أن ينتفع بنفسه، وأن يملك المنفعة لغيره، فلو كانت العارية تفيد هذا المعنى لم تجز من غير تحديد أجل كالإجارة، وبناء عليه ما دام يجوز عقدها من غير تحديد أجل لا تفيد إلا الإباحة فقط؛ أي: ينتفع المستعير بنفسه فقط.

وثمرة الخلاف بين الرأيين المذكورين تظهر فيما لو أعار المستعير الشيء المستعار إلى من يستعمله على الوجه الذي استعاره له المستعير؛ فلو أعار شخص دابة لشخص ليركبها، ثم هذا المستعير أعارها لشخص آخر ليستعملها على هذا الوجه, فيركبها فقط على الوجه الذي حدده له مالك الدابة، هل تصح هذه الإعارة من المستعير، أم لا تصح؟

ثمرة الخلاف بين الرأيين تظهر في هذه الصورة، وبناء على الرأي الأول القائل بتمليك المنفعة، وهو مذهب الحنفية في المختار عندهم والمالكية, تكون إعارة المستعير صحيحة، حتى لو قيد المعير الإعارة بألا يستعملها إلا المستعير نفسه؛ لأنه لو قيدها بأنه لا يستعملها إلا المستعير نفسه، فهذا التقييد أو القيد لا يفيد؛ لأن الاستعمال من الشخص الثالث ليس فيه شيء مختلف، وعليه يجوز له أن يعيرها ما دامت بنفس الاستعمال.

لكن على الرأي الثاني القائل بأن المستعير لا يملك إلا أن يستعملها هو فقط، وهو القائل بالإباحة له هو وحده، وهو رأي الشافعية والحنابلة, فقد قالوا: لا تجوز إعارة المستعير، ويترتب على عدم الجواز أنه لو أعار المستعير الشيء يكون هنا لمالك العارية أجر المثل، وله -أي للمالك- أن يطالب بهذا الأجر المستعير الأول أو الثاني، كأنه ينظر إلى أن المستعير استعمل غير حقه، وما دام قد أعاره لشخص تنقلب الإعارة في حق الشخص الثالث إلى إجارة، ويكون من حق صاحب أو مالك العارية أن يطالب من أعاره أولًا، وهو المستعير الأول, أو من صارت تحت يده بأجرة المثل؛ أيهما شاء.

وتعليلهم لهذا أن المستعير الأول، وهو الذي تسلم الإعارة كأنه تصرف في مال الغير بدون إذنه، فإذا رجع المالك على المستعير الأول وأخذ الأجرة منه، كان لهذا المستعير الأول أن يرجع على المستعير الثاني بما دفعه للمعير؛ لأن الشخص الثالث هو الذي استوفى المنفعة، فثبت الأجر عليه. وإن رجع المعير على المستعير الثاني فذهب إليه رأسًا وأخذ الأجرة منه, لم يرجع على الأول؛ لأنه هو الذي استوفى المنفعة، إلا إذا كان هذا الثاني لم يعلم بحقيقة الحال، أي: لم يعلم بأن العين التي ينتفع بها ليست ملكًا للأول، وإنما هي عارية، فهنا يكون له الرجوع على الأول؛ لأنه غرّه, حيث بيّن له أنها مملوكة له ملكًا وليست إعارة، ودفع إليه العين على أن يستوفي منافعها بدون عوض. هذا ما يترتب على رأي القائلين بأنها إباحة، وهم الشافعية والحنابلة.

وعلى افتراض أن العين هلكت في يد الثاني، قالوا: عليه الضمان؛ لأنه قبضها من الأول على أنها مضمونة عليه، فإن رجع المالك بالضمان على الأول وأخذ ثمن العارية رجع على الثاني؛ لأنها هلكت تحت يده، وإن رجع على الثاني لا يكون لهذا الثاني الرجوع على أحد؛ لأنه كان ضامنًا على أية حال.

ثانيًا: حكم إجارة العارية:

لما كانت تختلف العارية عن الإجارة في حكم اللزوم وعدمه، فالفقهاء الذين تكلموا في حكم إجارة العارية استندوا إلى مسألة اللزوم وعدم اللزوم، فعند القائلين بأن العارية عقد غير لازم -وهم الجمهور؛ الحنفية والشافعية والحنابلة- يقولون بعدم جواز إجارة العارية؛ لأن العارية عندهم عقد غير لازم, والإجارة عقد لازم، وعليه يقولون بعدم جواز إجارة العارية؛ لأن هنا عقدين أحدهما غير لازم وهو العارية, والآخر لازم وهو الإجارة, وعليه لا يجوز إجارتها لأن الإجارة عقد لازم.

أما المالكية فيقولون: إن العارية عقد يلزم بالتقييد بأجل أو عمل، ولا يجوز فيها الرجوع قبل الانتفاع، وعليه قالوا بجواز إجارة العارية، وقد قلنا: إن الجمهور عندما ردوا على المالكية وقالوا: إنه إذا حددت العارية بأجل أو عمل، كأنها انقلبت إلى إجارة.

فالمالكية قالوا: الإجارة عقد يلزم بالتقييد بأجل أو عمل، ولا يجوز فيها الرجوع قبل الانتفاع، وما دام لا يجوز فيها الرجوع قبل الانتفاع؛ إذًا يجوز إجارة العارية.

error: النص محمي !!