Top
Image Alt

حكم الأشياء المنتفع بها قبل الشرع؟

  /  حكم الأشياء المنتفع بها قبل الشرع؟

حكم الأشياء المنتفع بها قبل الشرع؟

أقوال العلماء في المسألة: قبْل ذِكْر أقوال العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة، ينبغي التّنبُّه لما يأتي:

  • أنّ هذه المسألة مفرّعة على مسألة التّحسين والتّقبيح العَقْلِيَّيْن.
  • أنّ هذه المسألة تكلّم فيها الجمهور على سبيل التّنزّل مع المعتزلة، لإبطالها.
  • مسألة الأعيان قبل البعثة عند المعتزلة هي في الأعيان التي لم يُدْرِك فيها العقلُ جهةً محسِّنة أو مقبِّحة.

وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

الأول: أنّ حكم الأشياء قبل ورود الشّرع: الإباحة. وهذا مذهب أكثر الحنفيّة، وبعض المالكيّة، وبعض الشافعيّة، وبعض الحنابلة، والمعتزلة.

الثاني: أنّها على الحَظْر؛ وقال به بعض العلماء.

الثالث: أنها على الوقف؛ وقال به جمهور العلماء.

اختلاف العلماء في تفسير “الوقْف”:

  • فقالت طائفة منهم: لا حُكْم لها أصلًا؛ فنقف حتى يَرِد الحُكم فيها مِن الشّرع. فمعنى “الحُكم”: الخطاب، ولا خطاب قبْل ورود الشّرع.
  • وقال آخرون: المراد: أنّ هناك حُكمًا ولكنّنا لا نَعْلمه؛ وهذا قول ضعيف.

من أدلّة القائلين بالإباحة:

الأول: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]؛ فقد خَلَق الله لعباده ما في الأرض جميعًا لينتفعوا به.

الثاني: قوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]؛ فقد أنكر الله على مَن حرّم زينته التي أخرج لعباده، ممّا يدلّ على أنّها مباحة.

وأجيب عن وجْه الاستدلال بهاتيْن الآيتيْن: بأنّ هذا محمول على ما بعْد ورود الشّرع.

الثالث: أن الفِعْل يقتضي إباحتها؛ إذ إننا ننتفع بها مِن غيْر ضرر علينا ولا على غيْرنا.

وأجيب: بأنّ كوْنه منفعة لا يُلغي احتمال أنْ تكون هناك مفسدةٌ، وحينئذٍ فيلزم العمَل بالحظْر احتياطًا.

الردّ على القائلين بالإباحة:

  • أنّهم إنْ قصدوا أنّ العقل يقتضي ويَحكُم بإباحتها، فهذا يلزم منه استحالةُ ورود الشّرع بحظْرها؛ وذلك محال.

وإن أرادوا بلفظ الإباحة: أنّه لا حظْر فيها ولا حُكْم، فذلك صحيح.

  • أنّ المباح يستدعي مُبيحًا، والمبيح هو الله سبحانه وتعالى، وتُعْلم إباحته إذا وَرَدَ خطابه بالتخيير بيْن الفِعْل والتّرْك. فإذا لم يَرِدْ خطاب، لم يكن هناك تخيير؛ فلا يكون هناك إباحة.

من أدلة القائلين بالحظْر:

أولًا: قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } [المائدة: 1]؛ فقد دلّت الآية بمفهومها على أنّها كانت مُحرَّمة.

ثانيًا: أنّ هذه الأعيان ملْك لله سبحانه وتعالى، ولا يجوز لنا أنْ نتصرّف في ملكه تعالى إلاّ بإذنه، فإذا لم يَرِد إذنُه في التّصرّف فيها، كانت محظورة كأملاك الآدميِّين.

الردّ على القائلين بالحظر:

  • أنّ هناك فَرْقًا: فأملاك الآدميِّين عَلِمْنا حظْر الانتفاع بها إلا بإذْن مالكها مِن الشَّرع، وكلامنا إنّما هو فيما قبْل الشّرع.
  • على فرْض التسليم بذلك، فإنّ النّهْي عن الانتفاع بملْك الآدمي إنّما هو إذا لَحِقه ضرَر، والله سبحانه وتعالى مُنزَّه عن كلِّ ذلك؛ فلا ضرر يلحق في الانتفاع بملكه.
  • أنه لو كان العقل مقتضيًا لحَظْر سائر الأفعال قبْل ورود الشّرع، لاستحال أنْ يَرِدَ الشّرع بإيجابها أوْ إباحتها.

أدلّة القائلين بالوقف، وهم الجمهور:

واستدلّ الجمهور لمذهبهم بأدلّة، منها:

أولًا: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } [يونس: 59].

وجه الدلالة:

أن الله قد أنكر على مَن حرّم أو حلّل شيئًا بغيْر إذْنه، وقبل البعثة لا نَعْلم إذْنَ الله في شيءٍ مِن ذلك؛ فيجب التّوقّف.

ثانيًا: أنّ الأعيان لله سبحانه وتعالى، فله أنْ يَمْنع وأنْ يُبيح الانتفاع، وأنْ يوجب ذلك، وقبْل ورود الشّرع لا مَزيَّة لأحد هذه الوجوه على الثّاني؛ فيجب التّوقّف في الجميع.

الراجح: هو قول الجمهور.

تنبيه: ذكَر بعض العلماء أنّ مسألة الأعيان قبْل البعثة يُستصحب حُكْمها لِمَا بعْد البعثة. وجعلوا ذلك فائدة الخلاف؛ وهذا خطأ، لما يأتي:

  • أنّ هذه المسألة ذَكَرها الجمهور على سبيل التّنزّل مع المعتزلة، لإبطالها.
  • أنّ قول الجمهور في مسألة الأعيان قبْل البعثة هو: الوقف، فكيف يُستصحب ذلك فيما بعْد الشّرع، مع أن قول الجمهور فيما بعْد البعثة هو الإباحة؟
  • أن هذه المسألة وهي: (الأعيان قبْل البعثة) لا فائدة فيها، ولا ثمرة فقهيّة مترتّبة عليها.

ولعلّ الذي دعا بعض العلماء لذكر تلك الفائدة غيْر المسلّمة هو: الخلط الذي حصَل بيْن هذه المسألة ومسألة: “الأصل في الأشياء”، للتّشابه الكبير بينهما.

مسألة الأعيان قبْل البعثة تتشابه مع مسألة “الأصل في الأشياء”:

أقوال العلماء في مسألة “الأصل في الأشياء”:

اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنّ الأصل في المنافع: الإباحة، وفي المضارّ: التحريم؛ وهذا هو قول جمهور العلماء.

فالأشياء لها ثلاث حالات:

  • أنْ يكون فيها ضَرَر محْض، ولا نفع فيها البتَّةَ، كأكْل الأعشاب السّامّة القاتلة؛ فهذا القِسْم الأصْل فيه: التحريم.
  • أنْ يكون فيها نفْع محْض، ولا ضرر فيها أصلًا؛ فالأصل فيها: الجواز.
  • أنْ يكون فيها نفْع مِن جِهة، وضرَر مِن جهة أخرى. فإنْ كان ضرَرها أرجح مِن نَفْعها أو مُساويًا له، فهي حرام. وإنْ كان نَفْعها أرجح مِن ضَرَرها، فهي مُباحة.

القول الثاني: الأصل في الأشياء: التحريم؛ وقال به بعْض الشافعية، وبعْض المالكيّة.

القول الثالث: الوقف؛ فلا يُعلم حُكْم شيء إلاّ بِوُرود دليل خاصٍّ يُبيِّن حُكْمه.

أدلّة الجمهور:

استدلّ الجمهور لمذهبهم بأدلّة، منها:

أولًا: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13].

وجْه الدّلالة: أنّ الله خَلَق وسخّر لنا ما في الأرض جميعًا لينتفع النّاس به، وذَكر ذلك في سبيل الامتنان، ولا يَمْتنّ الله سبحانه وتعالى إلا بِمُباح.

ثمّ إنّه تعالى أضاف ما خلَق للنّاس بـ”اللاّم”، و”اللاّم”: حرف الإضافة، وهي تُوحي اختصاص المضاف بالمضاف إليه، واستحقاقه إيّاه مِن الوجه الذي يصلح له؛ وهذا المعنى يَعُمّ موارد استعمالها.

ثانيًا: قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] الآيات، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف: 33] الآية، وقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145] الآية.

وجْه الدلالة: أنّ الله قد حصَر المُحرَّمات، فما لَمْ يُوجَد تحريمه فليس بِمُحرَّم؛ وما ليس مُحرَّمًا فهو مُباح.

ثالثًا: قوله صلى الله عليه  وسلم في الحديث المتّفَق عليه: ((إنّ أعْظَمَ المُسلِمِين جُرْمًا: مَن سأل عن شيء لَمْ يُحرَّم؛ فَحُرِّم مِن أجْل مَسْألته)).

وجْه الدلالة: أنّ الحديث دلّ على أنّ الأشياء لا تَحْرُم إلاّ بتحريم خاصّ، لقوله: ((لم يُحرَّم))، ودلَّ هذا على أنّ التحريم قد يكون لأجْل المسألة؛ فبيَّن بذلك أنّها بدون ذلك ليست مُحرَّمة.

رابعًا: أنّ هذه الأشياء إمّا أنْ يكون لها حُكْم أوْ لا؟ والثّاني -وهو: أنّه لا حُكْم لها- باطل.

فإذا كان لها حُكْم: فالوجوب، والكراهة، والاستحباب، معلومة البطلان بالكُلّيّة، ولا قائل بها؛ فلم يبقَ إلاّ الحِلّ أو التحريم.

والتحريم باطل، لانتفاء دليله نصًّا استنباطًا؛ فلم يبقَ إلاّ الحِلّ، وهو المطلوب.

خامسًا: وممّا يدلّ على أنّ الأصل في المضارّ التحريم: قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا ضرَر ولا ضِرار)).

أدلة أصحاب القول الثاني:

استدلَّ أصحاب القول الثّاني -الذين قالوا: إنّ الأصل في الأشياء التحريم-، بأدلّة، منها:

أولًا: قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116].

وجْه الدّلالة: أنّ الله تعالى قد أخبر أنّ التّحليل والتّحريم ليسا إلينا، وإنّما إليه سبحانه وتعالى؛ فلا نعلم الحلال والحرام إلاّ بإذنه.

وأجيب: إنّ القائلين بالإباحة لم يقولوا ذلك مِن تلقاء أنفسهم، بل بدليل من كتاب أو سُنّة.

ثانيًا: قوله صلى الله عليه  وسلم في الحديث المتّفق عليه: ((الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ، وبيْنهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير مِن الناس؛ فمَن اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضه)).

وجْه الدّلالة: أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم جعَل ما كان بيْن الحلال البيِّن والحرام البيِّن مِن المشتبهات، وأرشد إلى تَرْكها. ولو كانت مُباحة لمَا أرشد إلى تَرْكها.

وأجيب: المراد بـ”المشتبهات” في الحديث: ما تنازعه دليلان؛ أحدهما: يدلّ على إلحاقه بالحلال، والآخر: يدلّ على إلحاقه بالحرام، أمّا ما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه.

واستدلّ أصحاب القول الثّالث بنفس أدلّة القول الثّاني.

والراجح هو: قول الجمهور.

ومِن الأمثلة الفقهيّة على هذه المسألة -بناءً على قول الجمهور- ما يأتي:

  1. الأصل في جميع العقود والمعاملات والشروط: الجواز، إلاّ ما ورَدَ الدّليل بتحريمه.
  2. الأصل في الأشياء: الطّهارة.
  3. حِلّ الأعيان التي لم يَنصّ الشّارع على حِلّها؛ وذلك لأنّ الأصل فيها: الإباحة، حتى يأتي ما يرفع ذلك.
error: النص محمي !!