Top
Image Alt

حكم الإيمان بالملائكة, ودليله

  /  حكم الإيمان بالملائكة, ودليله

حكم الإيمان بالملائكة, ودليله

أما حكم الإيمان بالملائكة فهو واجب، وهو كذلك ركن من أركان الإيمان، ومن أنكر الإيمان بالملائكة فقد كفر.

ما دليل وجوب الإيمان؟ ما الدليل الذي يعطينا من القرآن أو من السنة هذه الدلالة -دلالة الوجوب- وأن من لم يؤمن بهم فقد كفر؟

الدليل من القرآن الكريم ما ورد في قوله تعالى: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] فالشاهد هنا في هذه الآية قوله: {وَمَلآئِكَتِهِ} إذ نحن بموضع الاستدلال على وجوب الإيمان بالملائكة.

ودليل آخر من القرآن الكريم في قوله تعالى: {لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ} [البقرة: 177] وكذلك هنا موضع الشاهد قوله: {وَالْمَلآئِكَةِ} فنلاحظ من التأمل في الآيتين السابقتين أن الله سبحانه وتعالى جعل الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وهي الإيمان بالله، ثم الإيمان بملائكته وباليوم الآخر وبكتبه وبرسله وأنبيائه، وسمى من آمن بهذه الجملة من الأشياء هذه بمؤمنين، وأن من كفر بهذه الجملة وهي أن يكفر بالله ويكفر بملائكته ويكفر باليوم الآخر وبكتبه وبرسله وأنبيائه؛ فقد جعله الله من الكافرين.

وقد ورد في ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 136] وعليه فيجب على المؤمن أن يعتقد ويوقن بهذه الجملة؛ إذ هي من أصول الدين، وهي الواردة في الآيتين السابقتين، وقد ورد في الآيتين: {آمَنَ الرّسُولُ} إلى آخر سورة “البقرة” ما ورد عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة؛ كفتاه)).

هذا هو الاستدلال الأول الذي ورد في إثبات عالم الملائكة، ووجوب الإيمان بهم من القرآن الكريم، وعلينا أن ننتقل الآن ونبحث في السنة النبوية عن وجود أدلة تدل على وجوب الإيمان بالملائكة، وأن من أنكر الإيمان بهم فقد كفر، فنجد ونلاحظ ما ورد في حديث جبريل, وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره)). فهذه هي الأصول التي اتفقت عليها جميع الأنبياء والرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وهذه هي الأركان الستة للإيمان، ونريد أن ننبه إلى أن هذا الحديث الذي نستدل به على أركان الإيمان -هو هذا الحديث نفسه الذي جاء فيه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي, يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.

ولكن موضع استشهادنا هنا “أركان الإيمان”، وعليه فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه شك، ومن هنا كان إنكار وجودهم كفرًا بإجماع المسلمين وبالنص القرآني العظيم؛ فقد قال عز وجل: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً}.

هذه هي الأدلة السمعية في إثبات وجود الملائكة، وأنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم، وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة, ولا نقصان ولا تحريف.

وعلينا أن نبحث من خلال النصوص القرآنية، وما ورد في السنة عن صفات هذا العالم الغيبي، صفات الملائكة الخَلقية، فإن الذي يستقصي ويتتبع الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، التي تكلمت عن الملائكة وأوصافهم وأعمالهم وأحوالهم، يلاحظ أنها تناولت في الغالب ما يبين علاقتهم بالله سبحانه وتعالى, وكذلك علاقتهم بالكون وعلاقتهم بالإنسان.

ويعبر صاحب (العقيدة الطحاوية) عن علاقتهم بالكون, في قوله: “وأما الملائكة فهم الموكّلون بالسموات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة كما قال تعالى: {فَالْمُدَبّرَاتِ أَمْراً} [النازعات: 5].

وقد عرفنا سبحانه وتعالى عن عالَمِ الملائكة بما ينفعنا في تطهير عقيدتنا، وتزكية قلوبنا، وتصحيح أعمالنا، أما حقيقة الملائكة وكيف خلقهم وتفصيلات أحوالهم؛ فقد استأثر سبحانه بها، وهذه خصيصة من خصائص العقيدة الإسلامية؛ فقد تناولت العقيدة الإسلامية الحقائق الكونية والتعريف بها، في حدود ما يحتاج إليه البشر وما تطيقه عقولهم، فلم يطلعنا الله سبحانه وتعالى على جميع الغيبيات فيما يتعلق بجلاله، أو ما يتعلق بمخلوقاته الغيبية كالملائكة، والمؤمن الصادق يُقر بكل ما أخبر به الخالق سبحانه وتعالى, سواء ورد مجملًا أو مفصلًا، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، ولا يتكلف البحث عما لم يطلعنا عليه منه سبحانه وتعالى، ولا كذلك يخوض فيه؛ وبناء على ذلك فإن الخالق عز وجل لم يخبرنا من صفات الملائكة إلا النزر القليل، ثم أتت السنة النبوية فوضحت بعضًا من صفاتهم”.

ونقول عن صفاتهم: إنهم خُلقوا قبل آدم عليه السلام, وإن الله أخبرهم بأنه سيخلق الإنسان ويجعله خليفة في الأرض, قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

وأما المادة التي خُلقوا منها؛ فإننا نجد أن القرآن الكريم قد تعرض لخلق الإنسان فقال: إنه من تراب، وإلى خلق الجن فذكر أنه من نار، ولم يتعرض لخلق الملائكة؛ غير أنه ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله خلقهم من نور، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)).

فتدل النصوص في مجموعها على أن الملائكة مخلوقات نورانية، ليس لها جسم مادي يدرك بالحواس الإنسانية، وأن الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- لم يبين أي نور هذا الذي خُلقوا منه، وأن ما ورد من أحاديث تخوض في بيان حقيقة هذا النور، أو تخصيصه بشيء بذاته؛ فهي أحاديث لا يجوز الأخذ بها، وقد روي من بعض هذه الأحاديث عن عكرمة أنه قال: “خلقت الملائكة من نور العزة، وخلق إبليس من نار العزة”, وروي في حديث آخر أنه قال: “خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر”.

error: النص محمي !!