Top
Image Alt

حكم الاحتساب

  /  حكم الاحتساب

حكم الاحتساب

هل الحسبة مشروعة أم غير مشروعة؟

شرعت الحسبة طريقًا للإرشاد والهداية، والتوجيه إلى ما فيه الخير، وشرعت من أجل منع الضرر، وقد حبَّب الله إلى عباده الخير وأمرهم بكلِّ ما فيه مصالحهم، ونهاهم عن كل منكر يضرهم؛ ولذلك قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [آل عمران: 104] ووصف المؤمنين والمؤمنات بأنَّ من صفاتهم أنَّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71], وقال عن المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة: 67].

وفي كثير من آيات القرآن الكريم امتدح الله مَنْ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، حتى لو كانوا من أهل الكتاب، وحذَّر من ترك الناس دون القيام بهذه الوظيفة، وجاء في الحديث الصحيح أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لتأمرن بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا))، أي: تدفعونه إلى ذلك دفعًا.

فالواقع أنَّ الحسبة أمر مشروع بالكتاب والسنة، وفي ترك الحسبة خطورة على المجتمع؛ لدرجة أنَّ الله ذكر: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون} [المائدة: 78، 79]

الحكم التكليفي للحسبة:

الحسبة واجبة بوجه عام من حيث هي، لا بالنظر إلى متعلقها؛ إذ إنها قد تتعلق بواجب يؤمر به، أو مندوب يطلب عمله، أو حرام ينهى عنه، فإذا تعلّقت بواجب أو حرام فوجوبها حينئذ على القادر عليها ظاهر، وإذا تعلقت بمندوب أو مكروه فلا تكون حينئذ واجبة، بل تكون أمرًا مستحبًّا مندوبًا إليه، تبعًا لمتعلقها؛ إذ الغرض منها الطاعة والامتثال، والامتثال في ذلك ليس واجبًا، بل أمرًا مستحبًّا، فتكون الوسيلة إليه كذلك أمرًا مستحبًّا، وقد يترتب عليها من المفسدة ما يجعل الإقدام عليها داخلًا في المحظور المنهي عنه، فتكون حينئذ حرامًا.

وقد استدل العلماء على وجوب الحسبة, بالأدلة التي وردت جملة وتفصيلًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال النووي: “وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الكتاب والسنة وإجماع الأمة”، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين: ((الدين النصيحة)).

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحسبة فرض على الكفاية، وقد تكون فرض عين في بعض الحالات، ففرض على الكفاية أي: إذا قام بها البعض سقط الطلب والتكليف عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحد أثم الجميع.

وتكون الحسبة فرض عين في الحالات الآتية:

الحالة الأولى: الأئمة والولاة ومن ينتدبهم أو يستنيبهم ولي الأمر عنه؛ لأن هؤلاء متمكنون بالولاية ووجوب الطاعة لهم، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} [الحج: 41].

الحالة الثانية: من يكون في موضع لا يعلم بالمعروف والمنكر إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته غيره؛ كالزوج والأب، وكذلك كل من علم أنه يُقبل منه ويؤتمَر بأمره، أو عرف من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال؛ فإنه يتعين عليه الأمر والنهي.

الحالة الثالثة: أنَّ الحسبة قد تجب على غير المنصوب لها بعقد آخر –أي: الموظف الذي اتفق معه الإمام على القيام بهذه الوظيفة- وعلى المنصوب لها تجب ابتداء؛ كما إذا رأى المودَع سارقًا يسرق الوديعة، فلم يمنعه وهو يقدر على منعه، وكذلك إذا صال فحل -أي: جمل خطير- على مسلم؛ فإنه يلزمه أن يدفعه عنه، وإن أدى إلى قتله.

الحالة الرابعة: الإنكار بالقلب فرض عين على كل مكلَّف، ولا يسقط أصلًا؛ لأن هذا أدنى مراتب الحسبة, وقال الإمام أحمد: “إن ترك الإنكار بالقلب كفر” وهو أضعف الإيمان الذي يدل على إنكار المنكر, بحسب الإمكان والقدرة عليه.

والجمهور استدلوا على أنها فرض كفاية بقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } [آل عمران: 104], ووجه الاستدلال: أنَّ الخطاب موجّه إلى الكل، مع إسناد الدعوة إلى البعض، ولتكن منكم أي: بعض المخاطبين، إذًا: هي فرض كفاية، بما يحقق معنى فرضيتها على الكفاية.

ويكون الاحتساب حرامًا في حالتين:

  1. في حق الجاهل بالمعروف والمنكر, الذي لا يميز موضوع أحدهما من الآخر؛ لأن هذا يضر ولا ينفع.
  2. أن يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أعظم منه، مثل: أن ينهى عن شرب الخمر؛ فيؤدي نهيه عن ذلك إلى قتل النفس، هذا يحرم في حقه.

وقد يكون الاحتساب مكروهًا: وذلك إذا أدَّى إلى الوقوع في المكروه.

ويكون الاحتساب مندوبًا في حالتين:

الأولى: إذا ترك المندوب أو فعل المكروه؛ فإن الاحتساب فيهما مستحب أو مندوب إليه.

واستُثْنِيَ من هذه الحالة وجوب الأمر بصلاة العيد، وإن كانت سنة؛ لأنها من الشعائر والظواهر التي تدل على وجود الإسلام والقيام بأوامره، وإظهار شعائره، وحملوا كون الأمر في المستحب مستحبًّا على غير المحتسب، وقالوا: إن الإمام إذا أمر بنحو صلاة الاستسقاء، أو صومٍ صار واجبًا، ولو أمر به بعض الآحاد لم يصر واجبًا.

الثانية: إذا سقط وجوب الاحتساب، كما إذا خاف على نفسه ويئس من السلامة، وأدَّى الإنكار إلى تلفها، فيكون في هذه الحالة مندوبًا وليس فرض كفاية.

ويكون حكم الاحتساب التوقف: وذلك إذا تساوت المصلحة والمفسدة.

وهكذا, فإن الحسبة تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة، لكنَّها بوجه عام هي فرض كفاية، وهي فرض كفاية على غير من وُظِّفَ فيها، أما بالنسبة إليه فهي فرض عين، كما سبق في حالات خاصة.

الحكمة في مشروعية الحسبة:

ما برح الناس في مختلف العصور في حاجة إلى مَنْ يعلمهم إذا جهلوا، ويذكرهم إذا نسوا، ويجادلهم إذا ضلوا، ويكف بأسهم إذا أضلوا، ولمنع الضلال والإضلال شرعت الديانات كلها، وقامت النبوات، وظهرت الرسالات، ومن هذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل النبيين والمرسلين، ولا أحد يقول: ما دامت الأمور بعيدة عني فلست بمسئول عنها، فقد روي أن أبا بكررضي الله عنه خطب الناس، فقال: “يا أيها الناس؛ إنكم تقرءون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] فتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه؛ أوشك الله أن يعمهم بعقابه))” وورد ما يصدق ذلك في كثير من الآثار والأحاديث.

أنواع الحسبة:

بالتدبر والتأمل, ومراجعة ما كتبه العلماء في هذه النقطة نجد أن الحسبة نوعان:

– ولاية أصلية مستحدثة من الشارع، وهي الولاية التي اقتضاها التكليف بها؛ لتثبت لكل من طلبت منه.

– وولاية مستمدة، وهي الولاية التي يستمدها من عُهِدَ إليه في ذلك من الخليفة أو الأمير -وهو المحتسب- وعلى ذلك فإنَّه يَجمع بين الولايتين؛ أي: من كلفه الأمير فقد جمع بين الولايتين؛ لأنه مكلَّف بها شخصيًّا من جهة الشارع، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومكلَّف بها أيضًا من قِبَل رئيس الدولة، أو من يعيِّن الموظفين لهذه الوظيفة الدينية الشرعية؛ فهو إذًا مكلَّف بها كذلك من قِبَل من له الأمر، أمَّا غيره من الناس فليس له من ذلك إلا الولاية التي أضفاها الشارع عليه، وهي الولاية الأصلية.

وهذه الولاية كما تتضمَّن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه الطلب مباشرة، تتضمَّن كذلك القيام بما يؤدي إلى اجتناب المنكر، لا على وجه الطلب؛ بل على وجه الادِّعاء والاستعداء, وذلك يكون بالتقدم إلى القاضي بالدعوى، وبالشهادة لديه، أو باستعداء المحتسب، وتسمى الدعوى لدى القاضي بطلب الحكم بإزالة المنكر دعوى حسبة، ولا تكون إلّا فيما هو حق للهسبحانه وتعالى ، وعندئذ يكون مدعيًا بالحق وشاهدًا به في وقت واحد.

ويطلق الفقهاء على من يقوم بالاحتساب دون انتداب لها من الإمام أو نائبه, المتطوع، أمَّا من انتدبه الإمام وعَهِدَ إليه النظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم، فهو المحتسب، أي: إذا أطلق لفظ المحتسب فإنما يطلق على الثاني دون الأول، أي: على النوع المكلف القائم بهذه الوظيفة.

والفرق بين النوع الأول والنوع الثاني من عدة أوجه، كما بَيّنَ ذلك أيضًا الماوردي -رحمه الله- فقال:

الفرق بينهما يظهر فيما يلي:

الفارق الأول: أنَّ قيام المحتسب بالولاية صار من الحقوق التي لا يسوغ أن يشتغل عنها بغيرها، أمَّا قيام المتطوع بها من نوافل عمله, فيجوز أن يشتغل عنها بغيرها.

الفارق الثاني: أنَّه منصوب للاستعداء فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء، والمراد: أن الوالي المحتسب المعين في هذا من قِبَل الإمام، هو منصوب للاستعداء، أي: استعداء الشرطة واستعداء قوة السلطان فيما يجب إنكاره، أمَّا المتطوع فليس منصوبًا للاستعداء، أي: ليس هذا من شأنه.

الفارق الثالث: أن على المحتسب بالولاية إجابة من استعداه، وليس على المتطوع إجابته؛ أي: لو طُلِب المحتسب لأمر فيه معروف لا يظهر، أو منكر ظاهر, فطلب منه أحد الناس أن يأتي ليقوم بوظيفته في هذا الجزء أو هذه المشكلة؛ وجب عليه أن يسير معه إلى هذا المشكل ويحله، أمَّا المتطوع فلا يجب؛ إن شاء ذهب، وإن شاء لم يذهب.

الفارق الرابع: أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة؛ ليصل إلى إنكارها، ويفحص عمَّا ترك من المعروف الظاهر؛ ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحثٌ ولا فحص.

الفارق الخامس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانًا؛ ليكون عليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانًا.

الفارق السادس: أنَّ له أن يعزِّر في المنكرات الظاهرة، أي: يعاقب عقوبات يقدرها هو، في المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوز إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعزّر على منكر، وإلا صارت الأمور فوضى.

الفارق السابع: أنَّ له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر؛ لأنه يقوم بذلك متطوعًا من باب ما فرض الله وفرض الشرع بوجه عام, من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفارق الثامن: أنَّ له اجتهاد رأيه فيما يتعلّق بالعرف دون الشرع، وضرب العلماء على ذلك مثلًا بالمقاعد في الأسواق، فهو له أن يجتهد في هذا إخراج الأجنحة -أي: البلكونات والترسانات، كما كان يسمى- فما يتعارفه الناس فهو عرف، وما ينكره الناس فهو منكر، فيقر وينكر من ذلك ما أداه إليه اجتهاده، وليس هذا للمتطوع.

error: النص محمي !!