Top
Image Alt

حكم الطلاق المعلق، أو اليمين بالطلاق

  /  حكم الطلاق المعلق، أو اليمين بالطلاق

حكم الطلاق المعلق، أو اليمين بالطلاق

اختلف الفقهاء في اليمين بالطلاق، أو الطلاق المعلق على ثلاثة أقوال؛ كأن يعلق طلاق زوجته على أمر في المستقبل، ويوجد المعلق عليه مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو كلمت زيدًا، أو إن قدم فلان من سفره فأنت طالق، أو يقول لها في العرف الشائع اليوم: علي الطلاق إن ذهبت لبيت أهلك، أو سافرت، أو ولدت أنثى، أو علي الطلاق إن لم أتزوج زوجة أخرى، ونحوه:

القول الأول: قال أئمة المذاهب الأربعة: “يقع الطلاق المعلق عليه متى وجد المعلق عليه سواء أكان فعلًا لأحد الزوجين، أو كان أمرًا سماويًّا، وسواء أكان التعليق قسميًّا، وهو الحث على فعل شيء، أو تركه، أو تأكيد الخبر، أو شرطيًّا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط”.

المذهب الثاني: وقال الظاهرية، والشيعة الإمامية: “اليمين بالطلاق، أو الطلاق المعلق إذا وجد المعلق عليه لا يقع أصلًا سواء أكان على وجه اليمين، وهو ما قصد به الحث على فعل شيء، أو تركه، أو تأكيد الخبر، أو لم يكن على وجه اليمين، وهو ما قصد به وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه”.

المذهب الثالث: وقال ابن تيمية، وابن القيم بالتفصيل: “إن كان التعليق قسميًّا، أو على وجه اليمين، ووجد المعلق عليه لا يقع”، ويجزيه عند ابن تيمية كفارة اليمين إن حنث في يمينه، ولا كفارة عليه عند ابن القيم، وأما إن كان التعليق شرطيًّا، أو على وجه اليمين فيقع الطلاق عند حصول الشرط.

الأدلة: أدلة الجمهور: استدل أصحاب القول الأول، وهم أئمة المذاهب الأربعة بالكتاب، والسنة، والمعقول فمن الكتاب استدلوا بإطلاق الآيات الدالة على مشروعية الطلاق، وتفويض الأمر فيه إلى الزوج مثل قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]،  فهي لم تفرق بين منجز، ومعلق، ولم تقيد وقوعه بشيء، والمطلق يعمل به على إطلاقه فيكون للزوج إيقاع الطلاق حسبما يشاء منجزًا، أو مضافًا، أو معلقًا على وجه اليمين أو غيره.

ثانيًا: السنة: استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون عند شروطهم))، وبوقائع كثيرة حدثت في عصر النبي والصحابة، منها: ما أخرجه البخاري عند ابن عمر، قال: “طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فلا شيء عليه”.

ومنها ما رواه البيهقي عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: “إن فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته، فقال: هي واحدة، وهو أحق بها”، ومنها ما صح عن أبي ذر الغفاري، أن امرأته لما ألحت عليه في السؤال عن الساعة التي يستجيب الله فيها الدعاء يوم الجمعة، قال لها: “إن عدت سألتيني فأنت طالق”، ومنها ما رواه البيهقي عن ابن عباس، في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يستمتع بها إلى سنة، وهذا الأثر في التعليق الشرطي، وكل ما سبقه قبله في التعليق القسمي.

ومنها ما أسنده ابن عبد البر عن عائشة < قالت: “كل يمين، وإن عظمت ففيها الكفارة إلا العتق، والطلاق”، وعن الحسن البصري فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أضرب غلامي فأبق الغلام -يعني: هرب- قال: هي امرأته يستمتع بها، ويتوارثان حتى يفعل ما قال، فإن مات الغلام قبل أن يفعل ما قاله فقد ذهبت منه امرأته.

وروى البيهقي عن أبي الزناد عن فقهاء أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: “أيما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت حتى الليل، فخرجت امرأته قبل الليل بغير علمه طلقت امرأته”، فكل هذه الآثار تدل على وقوع الطلاق المعلق عند حدوث الشرط المعلق عليه.

الدليل من المعقول: قد تدعو الحاجة إلى تعليق الطلاق كما تدعو إلى تنجيزه زجرًا للمرأة، فإن خالفت كانت هي الجانية على نفسها، ويقاس الطلاق القسمي على المداينة إلى أجل، والعتق إلى أجل فهذه هي أدلة الأئمة الأربعة على وقوع الطلاق المعلق على شرط عند حدوث الشرط.

أدلة القول الثاني: استدل الظاهرية، والإمامية على قولهم بأن تعليق الطلاق يمين، واليمين بغير الله لا تجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله))، ثم قالوا: “ولا طلاق إلا ما أمر الله عز وجل، ولا يمين إلا كما أمر الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، واليمين بالطلاق ليس مما سماه الله تعالى يمينًا، والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، ولم يأت قرآن، ولا سنة بوقوع الطلاق المعلق”، ورد هذا بأن تسمية الطلاق المعلق يمينًا إنما هو على سبيل المجاز من حيث إنه يفيد ما يفيده اليمين بالله، وهو الحث على الفعل، أو المنع، أو تأكيد الخبر فلا يكون الحديث المذكور متنًا، ولا الطلاق المعلق ثم إن السنة وردت بوقوع الطلاق المعلق.

واستدلوا أيضًا بما رواه ابن حزم، وابن القيم عن علي، وشريح أنهم كانوا يقولون: “الحلف بالطلاق ليس بشيء”، ورد عليه بأن المروي عن علي في حال الاضطهاد، والمروي عن شريح في حالة عدم، وقوع الأمر المعلق عليه، والمروي عن طاوس مؤول بأنه ليس شيئًا مستقيمًا في السنة بمعنى لا ينبغي أن يحصل، واستدلوا كذلك بأن كل طلاق لا يقع حين إيقاعه دون تقييد بشرط، أو صفة لا يقع بعدئذ، ورد هذا بأن المعلق ليس موقعًا للطلاق حين التلفظ، وإنما عند تحقق الشرط، وقاسوا الطلاق على النكاح؛ فكما لا يصح تعليق النكاح لا يصح تعليق الطلاق، ورد عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن تعليق النكاح مناف للمقصود منه، أما الطلاق فإنه لا ينافيه، فهذه أدلة ابن حزم، والشيعة الإمامية القائلون بعدم وقوع الطلاق المعلق على شرط مطلقًا، أو على صفة مع الرد عليهم.

أدلة أصحاب القول الثالث: استدل ابن تيمية، وابن القيم على رأيهم التفصيلي، بما يأتي:

1. بأن الطلاق المعلق القسمي إذا كان المقصود منه الحث على الفعل، أو المنع منه، أو تأكيد الخبر كان في معنى اليمين، فيكون داخلًا في أحكام اليمين في قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، وقوله سبحانه: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]، وإن لم تكن يمينًا شرعية كانت لغوًا، ورد عليهما بأن الطلاق المعلق لا يسمى يمينًا لا شرعًا، ولا لغة، وإنما هو يمين على سبيل المجاز لمشابهته اليمين الشرعية في إفادة الحث على الفعل، أو المنع منه، أو تأكيد الخبر؛ فلا يكون له حكم اليمين الحقيقي، وهو الحلف بالله تعالى، أو صفة من صفاته فليس له حكم آخر بل له حكم آخر، وهو وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه.

2. بأن عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وابن عباس أفتوا ليلى بنت العجماء بأن تكفر عن يمينها حينما حلفت بالعتق، فقالت: كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية، وهي نصرانية إن لم يطلق مولاها أبو رافع امرأته، أو يفرق بينه، وبينها فيكون الحلف بالطلاق مثله، وهو أولى، ورد عليهما: بأن الآثار المروية عن الصحابة في الاعتداد بالتطليق أقوى من هذا؛ لأن رواتها من رجال الصحيح.

3. بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه: الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله، أي: إن الطلاق إنما يقع ممن غرضه إيقاعه لا ممن يكره، وقوعه كالحالف المكره، وأجيب بأن معنى الوطر ليس هو كما ذكرتم بل معناه لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز.

وفي تقديري أن القول الأول هو الأصح دليلًا لكن يلاحظ أن الشبان غالبًا يستخدمون اليمين بالطلاق؛ للتهديد لا بقصد الإيقاع، وهذا يجعلنا نميل إلى القول الثالث.

error: النص محمي !!