Top
Image Alt

حكم العمل بخبر الآحاد

  /  حكم العمل بخبر الآحاد

حكم العمل بخبر الآحاد

تحدثنا -سابقًا- عن تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد، والآن نتحدث عن حكم العمل بحديث الآحاد أو خبر الآحاد.

وعلمتَ مما سبق أن حديث الآحاد أو خبر الآحاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الغريب.

القسم الثاني: الحديث العزيز.

القسم الثالث: الحديث المشهور.

وكلُّ قسم من هذه الأقسام الثلاثة ينقسم إلى الصحيح، والحسن، والضعيف.

وحديثنا هنا عن حكم العمل بالحديث المقبول بقسميه: الصحيح والحسن؛ أما الحديث الضعيف فله حكم يخصه.

وقبل الحديث عن أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد، لا بد من الحديث عن ثلاثة نِقاط لصلتهم الوثيقة بالموضوع، وهم:

القضية الأولى: القرآن الكريم والسنة المطهرة مصدرهما واحد.

القضية الثانية: عَلاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم.

القضية الثالثة: السنة المطهرة محفوظة بحفظ الله تعالى لها.

القضية الأولى: القرآن الكريم والسنة المطهرة مصدرهما واحد:

لقد أمَرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ القرآن الكريم إلى الناس، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [المائدة: 67]، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المهمة على خير وجه، فبلَّغَ كل ما أنزل إليه من ربه، ثم وكل الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تبيينَ القرآن الكريم.

وتبيين القرآن الكريم إنما هو في السنة المطهرة قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]، فقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المهمة على خير وجه؛ استجابةً لأمر الله تعالى، فبلغ القرآن الكريم، وبينه غايةَ البيان، ولقد أقر الله تعالى هذا البيان، فسكوت الوحي على بيانه صلى الله عليه وسلم إنما هو إقرار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على تبيين ما بينه، وأنه بيان حق وصدق صدَرَ عن رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم وأقره الله تعالى على هذا البيان.

لذلك فالمسلمون ملزمون بالسنة المطهرة كما هم ملزمون بالقرآن الكريم، لا فرقَ بينهما بحال من الأحوال، فمصدرهما واحد، وهو الله تعالى. قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]،فالمراد بالكتاب هو القرآن الكريم، والمراد بالحكمة هي السنة المطهرة.

ولقد كان الوحي يرقبه صلى الله عليه وسلم فيما يجتهد فيه، ويصوِّب له ما يحتاج إلى تصويب، فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم بالوحي الذي لا يخطئ، ولا أدل على ذلك مما ورد في القرآن الكريم من عتاب له صلى الله عليه وسلم وتصويبٍ لبعض ما اجتهد فيه، وكذلك في السنة، فمن ذلك:

أولًا: ما جاء بشأن أسرى بدر، لما قبل النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من المشركين في مقابل أن يرد عليهم أسراهم، عاتبه الله في ذلك، ثم أباح له الغنائم التي لم يحلها الله لأحد من الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]،

ثانيًا: ما جاء بشأن إذن النبي صلى الله عليه وسلم للذين اعتذروا عن الخروج معه صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تَبوك، مدعين أن لهم أعذارًا تَحُولُ بينهم وبين الغزو، ولم تكن لهم أعذار، وكان على النبي صلى الله عليه وسلم ألا يأذن لهم؛ حتى يتبين له الصادق من الكاذب؛ لأنهم عزموا على عدم الغزو أذِنَ لهم الرسول أو لم يأذن، فعاتبه الله هذا العتابِ الرقيقِ المصدَّرِ بعفو الله عنه صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِين} [التوبة: 43].

ثالثًا: ما جاء بشأن تحريمه صلى الله عليه وسلم على نفسه ما أباحه الله تعالى له، بغض النظر عن كون ما حرمه صلى الله عليه وسلم على نفسه الجارية أو العسل، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم} [التحريم: 1].

رابعًا: ما جاء بشأن عبد الله بن أم مكتوم حين أعرَضَ عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم لانشغاله ببعض عظماء قريش، وكان يطمع في إسلامهم، فأنزل الله تعالى قرآنًا يعاتبه فيه، قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ } [عبس: 1- 10].

وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة، أنه سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم، فذكر لهم: أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: «يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله تكفَّرُ عني خطاياي؟ فقال له رسول الله  صلى الله عليه وسلم : نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت. قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدَّيْن، فإن جبريلَ عليه السلام قال لي ذلك». أخرجه مالك في (الموطأ) ومسلم في صحيحه.

في هذا الحديث أفتى النبي صلى الله عليه وسلم هذا السائل بأن القتل في سبيل الله تعالى، مع الإخلاص لله رب العالمين، والإقبال من غير إدبار، يُكفِّر الذنوب، دون تفرقةٍ بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد. ولما كان القتل في سبيل الله تعالى، مع الإخلاص لله رب العالمين، والإقبال، يكفر الخطايا المتعلقة بحقوق الله تعالى فقط، أما حقوق العباد فهي موكولة إليهم، ولا بد من ردها إلى أصحابها، صوَّب جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم هذه الفتوى، وأخبر الرسولَ صلى الله عليه وسلم أن القتل في سبيل الله بشرطه المذكور في الحديث يكفر الخطاياي المتعلقة بالله تعالى دون المتعلقة بالبشر. وهكذا كان جبريل عليه السلام يرقب النبيَّ صلى الله عليه وسلم في كل أحواله.

قال الإمام النووي: وأما قوله  صلى الله عليه وسلم : «نعم»ثم قال بعد ذلك: «إلا الدين»فمحمول على أنه أُوحي إليه به في الحال، ولهذا قال  صلى الله عليه وسلم : «إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك».

ونستطيع بعد هذا العرض السريع -بتوفيق الله تعالى- أن نقسم به ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قسمين:

القسم الأول: ما أَتَى به الوحي إلى الرسول، فهو معصوم فيه من الخطأ، سواء كان ذلك قرآنًا كريمًا أو سنةً مطهرةً.

القسم الثاني: ما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو نوعان:

النوع الأول: ما سَكَتَ الوحي عليه، فهذا إقرار من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم على ما اجتهد فيه، وهو صواب لا يحتمل الخطأ؛ لأن الله تعالى لا يقر رسوله صلى الله عليه وسلم على الخطأ.

النوع الثاني: ما صَوَّبه الوحي فهو كما صُوِّب.

مما سبق يتضح ما يأتي:

أولًا: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو إقرار، إما عن وحي أو اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه من قِبل الله، عز وجل.

ثانيًا: هذا التصويب لبعض ما اجتهد به النبي صلى الله عليه وسلم دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدر عن رأيه المطلق، بل إن الوحي كان يرقبه فيما اجتهد فيه، وهو في نفس الوقت من أدلة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه بَلَّغ عن الله كل ما أُمِرَ بتبليغه، ولو كان كاتمًا شيئًا لكتم آيات العتاب، ومراجعات جبريل عليه السلام له صلى الله عليه وسلم وذلك لأن الإنسان مهما سمت نفسه وتجرد، لا يصل إلى هذه الدرجة من الإنصاف والتجرد المطلق، حتى إنه ينتقد نفسه ويصوب اجتهاده.

لذلك نقول: إن الحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم حجة برأسه عُمِلَ به أم لم يعمل، ويلزم مَن بَلَغَهُ العمل به، وأنه لا حجة لقول أحدٍ من البشر مع قوله صلى الله عليه وسلم فهو الذي أوجب الله علينا طاعتَه، وليس هذا لأحد غيره من البشر  صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام الشافعي  رحمه الله : فكل مَن قبِلَ عن الله فرائضه في كتابه قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننَه بفرض الله طاعة رسول صلى الله عليه وسلم على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبِلَ عن رسول صلى الله عليه وسلم فعن الله قَبِل؛ لِمَا افترض الله من طاعته  صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام الشافعي  رحمه الله : ففرض الله على الناس اتباعَ وحيه، وسننَ رسوله. ثم ذكر الإمام الشافعي الآياتِ التي قرَنَ الله فيها الحكمة بالقرآن الكريم، ثم قال  رحمه الله : فذكر الله الكتاب وهو القرآن الكريم، وذكر الحكمة، فسمعتُ من أرضَى من أهل العلم بالقرآن، يقول: الحكمةُ سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.

لأن القرآن الكريم ذُكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله فضله على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلا يجوز -والله أعلم- أن يقال: الحكمة ها هنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّمَ على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لِمَا وصفنا من أن الله جعل الإيمانَ برسوله مقرونًا بالإيمان به.

وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة عن الله معنَى ما أراد، دليلًا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بكتابه، فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله  صلى الله عليه وسلم .

قال الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية الكريمة: {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].  الكتاب: هو القرآن الكريم، والحكمة هي السنة المطهرة.

القضية الثانية: عَلاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم:

لما كان القرآن الكريم والسنة المطهرة مصدرهما واحد، وهو الله تعالى -كما سبق- وجب علينا أن نبين علاقة السنة بالقرآن. وسوف نوجز العلاقة بين السنة المطهرة والقرآن الكريم؛ لنبين أنه لا غِنى للمسلم عن أحدهما، وأن المسلم كما هو مخاطب بالقرآن الكريم ملزمٌ بالعمل به، فهو أيضًا مخاطب بالسنة المطهرة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ملزم بالعمل بها؛ لأن مصدرهما واحد، وأن العلاقة بينهما إنما هي علاقة تكامل.

ونوجز هذه العلاقة فيما يأتي:

أولًا: تأكيد ما ورد في القرآن الكريم:

ورد في السنة المطهرة أحاديث كثيرة تؤكد ما جاء في القرآن الكريم من الأوامر التي أمر الله بها، والنواهي التي نَهَى الله المسلمين عنها، وذلك كثير. كتأكيد الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، وغير ذلك مما ورد في القرآن الكريم، وأكدته السنة المطهرة، وهو كثير.

ثانيًا: السنة المطهرة هي المبينة والشارحة لِمَا أجمل في القرآن الكريم:

وذلك لأن الله تعالى وكَلَ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم تبيين القرآن الكريم بنص القرآن الكريم، وتبيينُ القرآن إنما هو في السنة المطهرة، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44].  مثال ذلك: أمر الله تعالى بالصلاة في كتابه الكريم، وتكرر ذلك كثيرًا، غير أن الله تعالى لم يبين في كتابه الكريم عدد الصلوات في اليوم والليلة، ولا عدد الركعات لكل صلاة، ولا كيفية الصلاة، إلى غير ذلك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبيين هذا الأمر غايةَ البيان بسنته العملية والقولية، وقال  صلى الله عليه وسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي». وبتوجيهاته القولية أيضًا وهذا من الظهور والبيان بحيث لا يخفَى على أحد، وكذلك بالنسبة للزكاة والصيام والحج، إلى غير ذلك مما فصلته السنة وبينته غايةَ البيان.

ثالثًا: السنة المطهرة تخصص عام القرآن الكريم:

تعريف العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه لجميع الأفراد التي يصدق عليها معناه، من غير حصر في كمية معينة منها، مثل لفظ: كل، ولفظ: جميع، وكذلك المفرد المعرف بـ”أل” تعريف الجنس، كالسارق، والزاني، وغير ذلك.

تخصيص العام في اصطلاح الأصوليين: هو تبيين أن مراد الشارع من العام ابتداءً بعض أفراده لا جميعها. مثال ذلك:

قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} [المائدة: 38]  هذا العموم الوارد في الآية الكريمة خصصته السنة المطهرة، حيث جعلت القطع خاصًّا بمن سرَقَ نصابًا قيمته ربع دينار فصاعدًا، وأن يكون المسروق من حِرز مثله، وألا يكون السارق مضطرًّا ليحفظَ نفسه من الهلاك، فليس كل سارق تُقطع يدُه، عن عائشة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقطع اليد في ربع دينار، فصاعدًا» أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

قال الإمام النووي -بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في قدر نِصاب السرقة-: والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه، أي: أن قدر نصاب السرقة ربع دينار ذهبًا، أو ما قيمته ربع دينار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرَّح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه، وأنه ربع دينار. وأما باقي التقديرات فمردودةٌ لا أصلَ لها مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث. قال الإمام الشافعي: ولولا الاستدلالُ بالسنة وحُكْمُنا بالظاهر، قطعنا من لزِمَه اسم سرقة… إلى آخر كلام، رحمه الله تعالى.

رابعًا: السنة المطهرة تقيد مطلقَ القرآن الكريم:

تعريف اللفظ المطلق: هو ما دَلَّ على فرد غير مقيد لفظًا بأي قَيْد مثل: مِصري.

تعريف اللفظ المقيد: هو ما دل على فرد مقيد لفظًا بأي قيد مثل: مصري مسلم.

فالمطلق يُفهم على إطلاقه إلا إذا قام دليل على تقييده، فإن قام الدليل على تقييده كان هذا الدليل صارفًا له عن إطلاقه، ومبينًا المرادَ منه. مثال ذلك:

قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} [المائدة: 38]  فالآية الكريمة ورَدَ فيها قطع يد السارق بدون قيد، فهل تقطع اليد اليمنى أم اليسرى؟ وما القَدْرُ المقطوع؟ فلفظ اليد تطلق على الجارحة من رءوس الأصابع حتى الرسغ، وتطلق أيضًا على الجارحة من رءوس الأصابع حتى المِرفق، كما تطلق أيضًا على الجارحة من رءوس الأصابع حتى المنكب. فمن أي مكان تقطع؟

وقد استدل جمهور المجتهدين بالسنة العملية على تعيين المراد منها في الآية الكريمة من رءوس الأصابع إلى الرسغ في اليمنى.

قال الإمام النووي: وأجمعوا على أنه إذا سرق -أولًا- قطعت يده اليمنى، فإذا سرق -ثانيًا- قطعت رجله اليسرى، فإذا سرق -ثالثًا- قطعت يده اليسرى، فإن سرق -رابعًا- قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عُذِّر، ثم كلما سرق عذر.

قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والجماهير: تقطع اليد من الرسغ -وهو المِفصل بين الكف والذراع- وتقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم.

خامسًا: السنة المطهرة تفسر القرآن الكريم، وتبينه:

فسرت السنة المطهرة كثيرًا من آيات القرآن الكريم وبينته. فمن ذلك بينت السنة المطهرة المراد بالمغضوب عليهم والضالين في قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين} [الفاتحة: 7]. فبينت السنة المطهرة أن المراد بالمغضوب عليهم: هم اليهود، والمراد بالضالين: هم النصارى. عن علي بن حاتم، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى». أخرجه الإمام أحمد والترمذي.

سادسًا: توضيح المشكل:

أوضحت السنة المطهرة مشكل القرآن الكريم، فإن كان للفظ أكثر من مدلول في لغة العرب، فإن السنة ترفع الإشكال وتبين المراد. مثال ذلك:

عن علي بن حاتم   رضي الله عنه   قال: «لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ} [البقرة: 187] عمدت إلى عِقالٍ أسودَ، وإلى عقالٍ أبيضَ، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار». الحديث أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم.

فهذا الصحابي الجليل ظن أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل أو العقال، وهذا هو الذي يتبادر إلى الفَهم، واللفظ يحتمل هذا، فأعلمَه النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد هو سواد الليل وبياض النهار.

سابعًا: تبيين المُبهم:

السنة المطهرة بينت بعضَ ما أبهم في القرآن الكريم إن كان الأمر يحتاج إلى بيان.

ثامنًا: السنة المطهرة تؤسس الأحكامَ فيما ليس لله تعالى فيه نص كتاب:

مثال ذلك: حرمت السنة المطهرة الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في نكاحٍ واحدٍ، وهذا أمرٌ استقلت به السنة المطهرة، وليس له ذِكرٌ في القرآن الكريم. فإن القرآن الكريم حَرَّمَ بسبب المصاهرة أمَّ الزوجة إن عقِدَ على ابنتها، وبنتَ الزوجة إن دُخِلَ بأمها، وزوجةَ الابن الصلبي، والجمع بين الأختين في نكاح واحد، فألحقت السنة المطهرة بذلك الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في نكاحٍ واحدٍ. عن جابر بن عبد الله   رضي الله عنه   قال: «نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها». الحديث أخرجه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي: هذا دليلٌ لمذاهب العلماء كافةً أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقية: هي أخت الأب وأخت الأم، أو مجازية: وهي أخت أبي الأب، وأبي الجد وإن علَا، وأخت أم الأم، وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهن- بإجماع العلماء- يحرم الجمع بينها وبينهم.

أيضًا: حرمت السنة بسبب الرضاع كلَّ ما حَرُم بسبب النسب:

لم يحرم القرآن الكريم بسبب الرضاع إلا الأم المرضعة، والأختَ من الرضاع، غير أن القرآن الكريم حرم -بسبب النسب- سبعًا، وهن: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت. قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] فألحقت السنة المطهرة بالأم المرضعة والأخت من الرضاعة كلَّ ما حرم بسبب النسب، وهن المذكورات في الآية الكريمة: البنت من الرضاعة، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت من الرضاعة.

عن عروة، عن عائشة رضي الله عنهما أنها أخبرته: «أن عمها من الرضاعة يسمى “أفلح” استأذن عليها، فحجبته، فأخبرتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

أيضًا: حرمت السنة المطهرة أكل لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور. تشريع زكاة الفطر. ميراث الجدة عند عدم الأم، إلى غير ذلك مما استقلت السنة المطهرة بحكمه.

ولَمَّا كانت السنة المطهرة هي المبينة والشارحة للقرآن الكريم، والمخصصة لعامه، والمقيدة لمطلقه، لَزَِم أن يحفظ الله تعالى -رحمةً منه، وفضلًا- السنةَ المطهرةَ، وأن يصونها من عبث العابثين، وكيد المغرضين، الذين يكيدون للإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان.

لذلك، فإن الله تعالى قد هيأ للسنة المطهرة في كل عصر ومِصر رجالًا أطهارًا أبرارًا صالحين، أنار الله بصائرهم، ورزقهم الفهم الصائب، والحكمة، فبذلوا جهدًا عظيمًا يعجز عن وصفه، بذلوا النفس والنفيس، وضحوا بكل شيء من أجل المحافظة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وردِّ كيد أعداء الإسلام عنه.

قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبًا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله». الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم.

عن ثوبانَ قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».

قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديثُ -أي: حديث معاوية- مشتملٌ على ثلاثة أحكام:

الأول: فضل التفقه في الدين.

الثاني: المعطي في الحقيقة هو الله تعالى.

الثالث: أن بعضَ هذه الأمة يبقَى على الحق أبدًا، والمراد بأمر الله تعالى هنا: الريح تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان، ويبقى شرار الناس، فَعَلَيْهِمْ تقومُ الساعةُ.

إثبات الخير من تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله.

والمراد بقوله: «ولن تزال هذه الأمة قائمة…»الحديث، قال الحافظ ابن حجر: قال البخاري: المراد بهم أهل العلم بالآثار.

وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف ما زال -بحمد الله تعالى- من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث.

المسألة الثالثة: السنة المطهرة محفوظة بحفظ الله تعالى لها:

أولًا: القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله تعالى له:

إذا كان القرآن الكريم هو المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه؛ لينظم حياتهم من أولها إلى آخرها، وليحتكموا إليه في كل كبيرة وصغيرة، فهو في نفس الوقت المعجزة الكبرى لنبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وكما يتكفل الله عز وجل بحفظ معجزات الرسل السابقين، فلقد تكفل بحفظ القرآن الكريم باعتباره المعجزة الكبرى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتي تتناسب وعموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعًا إلى أن يرِثَ الله الأرض ومن عليها.

وتحقق وعد الله عز وجل بحفظ القرآن الكريم، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر: 9]، فلم تمتد إليه يدٌ بتحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان، بل هو بحروفه وكلماته، بل وبضبط حروفه كما تلقاه الرسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام بل إن عوامل حفظ القرآن الكريم تتزايد من يوم لآخر، فلم يتأثر حفظ القرآن الكريم بضعف المسلمين أو قوتهم؛ وذلك لأن الذي حفظه إنما هو الغالب على أمره وهو الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا كان كما أراد، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. قال الله تعالى: {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون} [يوسف: 21]. فلم يكِل الله تعالى حفظ القرآن الكريم إلى المسلمين كما حدث بالنسبة للكتب السابقة، حيث وكل إلى أصحابها حفظها، فلم يقوموا بواجبهم، بل حرفوها وبدلوها كما أخبر الله بذلك في كتابه الكريم، وكما يشهد بذلك واقع هذه الكتب، وما كانت أي قوة مهما عظمت تستطيع حفظ القرآن الكريم وصيانته، كما حفظه الله تعالى الغالب على أمره، وإنما كانت معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم العظمى هي القرآن الكريم، معجزة عقلية؛ لأن هذا ما يتناسب مع عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك لأن المعجزة العقلية غير مرتبطة بشخص الرسول، فتظل بعد وفاته شاهدة على صدقه.

error: النص محمي !!