Top
Image Alt

حكم القصر، وتحديد مسافته

  /  حكم القصر، وتحديد مسافته

حكم القصر، وتحديد مسافته

صلاة السّفر: القصْر:

قسَّم ابن رشد هذا الباب باب: صلاة السفر إلى فصليْن:

الفصل الأوَّل: في القصْر أي: قصر الصلاة من أربع ركعات إلى ركعتيْن.

والفصل الثَّاني: في الجمْع أي: جمع التقديم، أو جمْع التأخير كالجمع بين الظهر والعصر تقديمًا أو تأخيرًا، والجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا أو تأخيرًا.

أمَّا القصْر: فمتَّفق عليه في الجملة. ونقول في الجملة؛ لأن هناك مواضع ومسائل سنرى فيها بين العلماء اختلافًا، بل اختلافًا كثيرًا. ولذلك نقول: أمّا القصْر، فمتّفق عليه في الجملة، وفيه مسائل مختلف فيها.

وأما الجمْع: فمختلَف فيه كلُّه. ولبيان ذلك، نعودُ إلى ابن رشد -رحمه الله- لننظر ماذا قال في هذه القضية، وبالذَّات في الفصل الأوَّل منها، وبالذَّات في الموضع الأوَّل من الفصل الأوّل.

الفصل الأول: في القصر:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: إنَّ السفر له تأثير في القصْر باتّفاق؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} [النساء: 101]. والضّرب في الأرض هو: السّفر. أمَّا الجمْع: ففيه اختلاف.

يقول: وأمّا القصر: فإنه اتفق العلماء على: جواز قصْر الصلاة للمسافر؛ إلّا قولًا شاذًّ -يعني: مخالف في ذلك ولا يُجيز القصْر إلَّا في حالات الحرب، عملًا ببقيّة الآية الكريمة: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} [النساء: 101]- وهو قول عائشة رضي الله عنها وهو: أنّ القصر لا يجوز إلَّا للخائف، لقول الله سبحانه وتعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ [النساء: 101].

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني): باب صلاة المسافر:

الأصل في قصر الصلاة: الكتاب، والسُّنّة، والإجماع. الأصل يعني: الدَّليل على أنَّ قصر الصلاة مشروع. الدليل على ذلك: القرآن الكريم، والسُّنة النبوية، وإجماع الأمَّة.

أمّا الكتاب: فقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} [النساء: 101]. قال يعني: ابن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} [النساء: 101]، وقد أمِن الناس؟ فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((صدقة تصدَّق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقَتَه))، أخرجه مسلم.

فسواء كان هناك خوف أو أمْن، فهذه صدَقة من الله سبحانه وتعالى تصدّق بها على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وعلينا أن نَقبل هذه الصّدقة، ونشكر الله سبحانه وتعالى عليها.

وأما السُّنّة: فقد تواترت الأخبار أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجًّا ومُعتمرًا وغازيًا –أي: مجاهدًا في سبيل الله. وقال ابن عمر: “صحبتُ رسول اللهصلى الله عليه وسلم حتى قُبض يعني: صحِبتُه في السَّفر وكان لا يزيد على ركعتيْن، وأبا بكر أي: وصحبتُ أبا بكر حتى قُبض، وكان لا يزيد على ركعتيْن، وعمر، وعثمان، كذلك”. أي: كان كلّ منهم لا يزيد على ركعتيْن.

وقال ابن مسعود: ((صلّيتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتيْن، ومع أبي بكر ركعتيْن، ومع عمر ركعتيْن، ثم تفرّقت بكم الطّرُق. ووددتُ أنّ لي من أربعٍ ركعتيْن متقبّلتيْن)). وقال أنس: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فصلَّى ركعتيْن حتى رجع. وأقمنا بمكة عشرًا نقصُر الصلاة، حتى رجَع)). متفق عليهما.

ولذلك قال ابن قدمة في المقدمة: “فقد تواترت الأخبار”. ثم قال: وأجمع أهل العلْم على: أنَّ مَن سافر سفرًا تُقصر في مثله الصَّلاة، في حجٍّ أو عمرةٍ أو جهادٍ، أنّ له أن يقصر الرباعية فيصلِّيها ركعتيْن.

ومن هذا، يتبيّن لنا: مشروعية القصر، قصْر الصلوات الرباعية في السفر؛ لأن دليل ذلك مذكورٌ في القرآن الكريم، وفي السُّنة النبوية المتواترة، وبإجماع أهل العلْم. وليكن معلومًا: أنّ الصلاة التي تُقصر هي الصلاة الرباعية، أي: الظهر، والعصر، والعشاء. أمّا الصبح، فلا قصر فيها؛ لأن طبيعتها مقصورة.

وأمّا المغرب، فلا قصر فيها أيضًا؛ لأنها وتر؛ ولذلك لو قصرت، لكانت الصلوات كلها شفعية، فأين الوتر؟ فتركت صلاة المغرب وترًا.

ج. اختلف العلماء في عدَّة مواضع من القصر:

حصر ابن رشد هذه المواضع في خمسة مواضع. قال: واختلفوا من ذلك بعد الاتفاق على جواز قصْر الصلوات الرباعية في السفر في خمسة مواضع:

الموضع الأول: حُكم القصر، يعني: هل قصْر الصلاة واجب على المسافر؟ بمعنى: أنه إذا أتمَّ الصلاة، وصلّى الصلاة الرباعية أربع ركعات، لا تُقبل؟ هذا هو معنى: الحُكم. أمْ أنَّ الحُكم على الخيار: له أن يقصر، وله أن يتمَّ؟ أم أنَّ هذه سُنَّة؟ أم أنَّ هذا القصر رخصة ينبغي الأخذ بها؛ لأن السفر مظنة المشقّة؛ فكان ذلك تخفيفًا من الله سبحانه وتعالى.

الموضع الثاني: المسافة التي يجب فيها القصر. هل الإنسان يقصر الصلاة في أيِّ سفر؟ أم لا بد أن يبلغ مسافة معيَّنة؟

الموضع الثالث: من مواضع الاختلاف السَّفر الذي يجب فيه القصر، هل هو مطلق السفر، أم سفر معيّن؟ هل يشترط، أن يكون سفَر طاعة؟ أم يجوز القصر في سفر غير طاعة؟

الموضع الرابع: الموضع الذي يبدأ منه المسافر قصر الصلاة. هل يبدأ من البيت؟ أو يبدأ بعد الخروج من حدود محلّ الإقامة؟ أو إذا كان في طائرة، يبدأ من المطار؟ أو موضع الحافلة؟ أو غير ذلك من الأمور؟ من أين يبدأ؟ من الميناء إذا كان مسافر بحرًا؟ من أين يبدأ؟ هذا موضع من المواضع التي اختلف الفقهاء فيها.

الموضع الخامس: في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة.

هذه كلّها أمور فيها اختلاف بين العلماء كما ذكر ابن رشد، وكما سنجد أيضًا عند ابن قدامة.

الموضع الأول: حُكم القصر:

هل هو واجب؟ بمعنى: أن من صلّى صلاة تامة وهو مسافر، كانت صلاته باطلة؟ هل هو سُنّة ينبغي الأخذ بها؟ هل هو رخصة خفّف الله سبحانه وتعالى بها عن هذه الأمّة؛ لأن السفر مظنة المشقة؟ أم أن المرء مُخيّر بين الأمريْن: بين الأخذ بالرخصة، أو عدم الأخذ بها، أو بين إتمام الصلاة، أو قصرها، أو نحو ذلك؟

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: إن الفقهاء اختلفوا في حُكم القصر على أربعة أقوال:

القول الأوّل: من العلماء من رأى: أنّ القصر هو فرض المسافر المتعيّن عليه؛ فلا يجوز له غيره. وهذا القول قول أبي حنيفة، وأصحابه، والكوفيِّين بأسرهم. قال أبو حنيفة، وأصحابه، وجميع علماء الكوفة موطن إقامة الإمام أبي حنيفة قالوا جميعًا: إن الفرض على المسافر هو قصر الصلاة؛ ولا يجوز له أن يُتمّ الصلاة. وإذا صلَّاها تامّة كانت باطلة.

القول الثاني: من العلماء من رأى أنَّ القصر والإتمام كلاهما فرْض مخيَّرٌ له، كالخيار في واجب الكفَّارة. يعني: المسافر مُخيّر بين أن يقصر الصلاة فيصلّي الرباعية اثنتيْن، وبين الإتمام فيصلّيها تامة، وكلاهما صحيح. وذلك مثل الخيار في واجب الكفارة أي: كفارة اليمين فإنها على التخيير أوَّلًا، ثم الإجبار ثانيًا: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة:89] هذا هو التخيير.

ثم بعد ذلك الإلزام بحَلٍّ واحد: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوَاْ أَيْمَانَكُمْ} [المائدة:89]. وبهذا القول القائم على التخيير، تخيير المسافر بين قصر الصلاة الرباعية أو إتمامها قال بعض أصحاب الشافعي.

القول الثالث: فمن العلماء من رأى أنَّ القصر سُنَّة. وبهذا القول قال الإمام مالك، وكذلك يريد أنها سُنَّة مؤكَّدة في أشهر الروايات عنه. يعني: معنى ذلك: أن هناك روايات أخرى بغير ذلك.

ومعنى أنها سنَّة مؤكَّدة يعني: ينبغي للإنسان المسلم أن يحافظ على أدائها حتى ينال ثوابها.

القول الرابع: فهو القول بأن قصر الصلاة في السفر الصلاة الرباعية رخصة، والإتمام أفضل. هذا الرأي هو الرأي الرابع، قال به الإمام الشافعي، وكذلك الإمام أحمد في أشهر الروايات؛ وهو المنصور أي: المعتمَد عند أصحاب الإمام الشافعي.

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة في مسألة الخرقي: “وللمسافر أن يتمّ ويقصر، كما له أن يصوم ويفطر”.

ابن قدامة في كتابه: (المغني)، يقول: المشهور عن أحمد: أنَّ المسافر إن شاء صلّى ركعتيْن، وإن شاء أتمَّ. وهذا هو القول الثاني عند ابن رشد. وممن روي عنه الإتمام في السَّفر: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم وبه قال الأوزاعي، والشافعي. وهو المشهور عن مالك. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الإتمام في السفر. وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وأوجب حماد الإعادة على من أتمّ.

وقال أصحاب الرأي: إن كان جلس بعد الركعتيْن قَدْر التشهد، فصلاته صحيحة، وإلا لم تصح. وقال عمر بن عبد العزيز: “الصلاة في السفر ركعتيْن حتمٌ لا يصلح غيرهما”. وروي عن ابن عباس أنه قال: “من صلّى في السفر أربعًا، فهو كمن صلى في الحضر ركعتيْن”.

يعني: لا تصحّ صلاته. واحتجوا بأن صلاة السفر ركعتان، بدليل قول عمر، وعائشة، وابن عباس، كما ذكرْنا. وروي عن صفوان بن محرز أنه سأل ابن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: “ركعتان؛ فمَن خالف السُّنة كفر”.

ولأن الركعتيْن الأخرييْن يجوز ترْكهما إلى غير بدل، فلم تجز زيادتهما على الركعتيْن المفروضتيْن، كما لو زادوهما على صلاة الفجر.

يردُّ ابن قدامة على هذا الاستدلال الذي يوجب على المسافر قصر الصلاة، ويرى أن الإتمام باطل؛ لأنه زيادة عن المطلوب والمفروض، كما لو زاد على ركعتي الفجر. يقول: لنا: قوله سبحانه وتعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} [النساء: 101] هذا يدل على: أنّ القصر رخصة، مخيّر بين فعْله وترْكه، كسائر الرّخص؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ} [النساء: 101] فكأنَّ القصر هو الذي لا لوم عليه؛ لأن الأصل هو الإتمام. وهذا يدل على أن القصر رخصة مخيّر بين فعْله وترْكه، كسائر الرُّخص. وقال يعلى بن أمية: قلتُ لعمر بن الخطاب: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} [النساء: 101] فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((صدقَة تصدَّق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدَقَته))، رواه مسلم. وهذا يدلُّ على أنه رخصة، وليس بعزيمة، وأنها مقصورة.

وروى الأسود عن عائشة أنها قالت: ((خرجتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان، فأفطرَ وصمتُ، وقصرَ وأتممتُ. فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! أفطرتَ، وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ؟ فقال: أحسنتِ))، رواه أبو داود الطيالسي في “مسنده”. وهذا صريح في الحُكم. ولأنه لو ائتمَّ بمقيم صلَّى أربعًا، وصحَّت الصلاة، والصلاة لا تزيد بالإتمام.

قال ابن عبد البر: وفيه إجماع الجمهور من الفقهاء على: أنّ المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة، أن يلزمه أربع: دليل واضح على أنّ القصر رخصة؛ إذ لو كان فرْضه ركعتيْن، لم يلزمه أربع بحال.

وروى بإسناده عن عطاء عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُتِمّ في السفر، ويقصر)). وعن أنس، قال: ((كنَّا؛ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نسافر، فيُتمّ بعضُنا، ويَقصر بعضُنا، ويصوم بعضُنا، ويُفطر بعضُنا؛ فلا يعيب أحد على أحد)). ولأن ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم بدليل أنّ فيهم من كان يتمّ الصلاة ولم يُنكر الباقون عليه، بدليل حديث أنس، وكانت عائشة تتمّ الصلاة ولم يُنكر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال لها: ((أحسنتِ))، رواهما مسلم، والبخاري. وأتمّها عثمان، وابن مسعود، وسعد. قال عطاء: “كانت عائشة، وسعد، يوفِّيان الصلاة في السفر، ويصومان”.

وروى الأثرم بإسناده عن سعد: “أنه أقام بمعان شهريْن، فكان يصلِّي ركعتيْن، ويصلِّي أربعًا”. وعن المسور بن مخرمة قال: “أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة، يقصرها سعد ويُتمّها”. وسأل ابن عباس رجلٌ، فقال: “كنت أتم الصلاة في السفر؟ فلم يأمره بالإعادة”.

فأمّا قول عائشة: ((فُرضت الصلاة ركعتيْن))، فإنما أرادت أنّ ابتداء فرْضها كان ركعتيْن، ثم أُتِمّت بعد الهجرة، فصارت أربعًا. وقد صرّحتْ بذلك حين شرحت، ولذلك كانت تتمّ الصلاة، ولو اعتقدَت ما أراد هؤلاء لم تتمّ.

وقول ابن عباس: مثل قولها، ولا يبعد أن يكون أخذه منها، فإنه لم يكن في زمن فرض الصَّلاة في سِنِّ من يَعقل الأحكام، ويعرف حقائقها. ولعلّه لم يكن موجودًا، أو كان فرضها في السّنَة التي وُلد فيها؛ فإنها فُرضت بمكة ليلة الإسراء، قبل الهجرة بثلاث سنين.

وكان ابن عباس حين مات النبي صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث عشرة سَنة. وفي حديثه ما اتّفق على ترْكه، وهو قوله: ((والخوف ركعة)). والظاهر: أنه أراد ما أرادت عائشة من ابتداء الفرض؛ فلذلك لم يأمر مَن أتمّ بالإعادة. وقول عمر: ((تمام غير قصر)) أراد بها تمام في فضلها، غير ناقصة الفضيلة، ولم يُرد أنها غير مقصورة الركعات؛ لأنه خلاف ما دلّت عليه الآية والإجماع؛ إذ الخلاف إنما هو في القصر والإتمام. وقد ثبت بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يعلى بن أمية: أنها مقصورة. ويُشبه هذا: ما رواه مجاهد، قال: “جاء رجلٌ إلى ابن عباس، فقال: إني وصاحبٌ لي كنا في سفرٍ، وكان صاحبي يقصر، وأنا أتمّ؟ فقال له ابن عباس: أنتَ كنت تقصر وصاحبك يتمّ؟” رواه الأثرم. أراد أنَّ فعْله أفضل من فعْله.

ثم لو ثبت أنّ أصل الفرض ركعتان، لم يمتنع جواز الزيادة عليها، كما لو ائتمَّ بمقيم. ويخالف ذلك زيادة ركعتيْن على صلاة الفجر؛ فإنه لا يجوز زيادتهما بحال.

هذا ما ذكره ابن قدامة في بيان أقوال العلماء في حُكم القصر: هل هو واجب على المسافر، وإذا أتم كانت صلاته باطلة؟ أم هو مخير بين القصر والإتمام.                                                                                     

الموضع الثاني: المسافة التي يجوز فيها القصر:

أ. ما قاله ابن رشد:

يبدأ ابن رشد الموضع الثَّاني بقوله: إنَّ العلماء اختلفوا في المسافة التي يجوز فيها قصر الصلاة. وكان اختلافهم كثيرًا:

الرأي الأول: ذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى: أنّ الصلاة تقصر في أربعة بُرُد. كلمة “بُرُد”: جمع بريد، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال. ومعنى ذلك أنّ المسافة بالمقاييس الحديثة تساوي: حوالي اثنيْن وثمانين كيلو مترًا ونصف، أو خمسة وثمانين كيلو مترًا.

وقالوا: إنَّ هذه المسافة عبارة عن مسيرة يوم بالسَّير الوسط. وقد علَّق على هذا شارح أو محقِّق كتاب (بداية المجتهد) بقوله: اليوم الكامل يُقطع على مرحلتيْن، كل مرحلة إحدى عشرة ساعة، وهي سير أكثر النهار. فمسافة القصر عبارة عن سير اثنتيْن وعشرين ساعة، وهي تعادل بالكيلو مترات اثنيْن وثمانين كيلو مترًا ونصف. هذا رأي جمهور العلماء الذين منهم الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، وجماعة كثيرة.

الرأي الثاني: قال أبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون: أقلُّ ما تقصر فيه الصلاة: ثلاثة أيام. وقال المعلِّق أيضًا على ذلك: بالسير المعتاد، وهو من الفجر إلى الزَّوال في أكثر أيام السَّنة، أي: سبع ساعات. فمسافة القصر: سيْر إحدى وعشرين ساعة، وهي تعادل أربعة وثمانين كيلو مترًا.

إذًا، الفَرْق بين الحنفية والجمهور في عدد الأيام؛ فإذا كان الجمهور يرى أنها مسيرة يوم متوسِّط، وأنها حوالي اثنيْن وثمانين كيلو مترًا ونصف، فإنَّ أبا حنيفة، والكوفيِّين، وأصحابه، يرون أنها مسيرة ثلاثة أيام بالسَّير المعتاد، أي: سبع ساعات، وليس إحدى عشرة ساعة. كما قالوا أيضًا: إنَّ القصرَ إنما هو لمَن سار من أفق إلى أفق. والمراد بكلمة أفق هنا أي: الإقليم، كما نقول مثلًا في مصطلحاتنا العادية: من محافظة إلى محافظة، أو من إقليم إلى إقليم آخَر. هذا هو الرَّأي الثاني، وهو قريب من الرَّأي الأوّل.

الرَّأي الثالث: هو رأي أهل الظاهر: ابن حزم، وداود بن علي الظاهري؛ يقولون: القصر في كلّ سفر، قريبًا كان أو بعيدًا. فأيُّ نوع من السفر، أو أية مسافة يطلق عليه سفر، أو انتقال من محلِّ الإقامة إلى محلٍّ آخر، فهي مسافة سفر، وتقصر فيها الصلاة، سواء كانت مسافة قريبة، أو مسافة بعيدة.

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني) تحت المسألة التي ذكَرها الخرقيُّ بقوله: “وإذا كانت مسافة سفَره ستَّة عشر فرسخًا، أو ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي، فله أن يقصرَ”. هذا كلام الخرقيِّ، وقد أشار إلى ما أشرنا إليه من قبل. هو لم يذكر البريد أو البرُد التي ذكَرها ابن رشد، لكنه قال: “إذا كانت المسافة ستَّة عشر فرسخًا”. وهي عبارة عن أربعة برُد؛ لأن البريد مصطلح في المسافات، يساوي أربعة فراسخ. والفرسخ كما يقول الخرقي: ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي.

ونحن نعلم في مصطلحاتنا الحديثة أنَّ الميلَ يساوي ألف وسبعمائة “1700” متر تقريبًا، فإذا ضربنا هذا في ذاك، وصلنا إلى اثنيْن وثمانين كيلو مترًا ونصف، أو قريبًا من ذلك. نحن نقول خمسة وثمانين 85 كيلو مترًا.

يقول ابن قدامة -رحمه الله- في التعليق على هذه المسألة: قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة بُرُد. أتى بما قاله ابن رشد. قيل له: مسيرة يوم تامّ؟ قال: لا، أربعة بُرُد، أي: ستة عشر فرسخًا، ومسيرة يوميْن؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يسير اثنتيْن وعشرين ساعة في يوم وليلة، الذي هو أربع وعشرون ساعة، إلَّا إذا كان مشيه متواصلًا، وهذا غير مستطاع؛ لكن لو سار كل يوم إحدى عشرة ساعة يبقى مسيرة يوميْن.

فمذهب أبي عبد الله يعني: أحمد بن حنبل: أنّ القصر لا يجوز في أقلّ من ستة عشر فرسخًا، والفرسخ: ثلاثة أميال؛ فيكون ثمانية وأربعين ميلًا. قال القاضي: والميل: اثنا عشر ألف قَدَم. وذلك مسيرة يوميْن قاصديْن. وقد قدَّره ابن عباس، فقال: من عسفان وهي: موضع في الطريق بين المدينة ومكة إلى مكة، ومن الطائف إلى مكة، ومن جدّة إلى مكة.

وذكر صاحب (المسالك): أن من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلًا، ومن دمشق إلى القصوى اثنَيْ عشر ميلًا، ومن القصوى إلى حاسم أربعة وعشرين ميلًا. فعلى هذا، تكون مسافة القصر يوميْن قاصديْن، أي: معتدليْن. وهذا قول ابن عباس، وابن عمر. وإليه ذهب مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، ومعهم جميعًا أحمد بن حنبل.

وروي عن ابن عمر: “أنه كان يقصر في مسيرة عشرة فراسخ”. قال ابن المنذر: “ثبت أن ابن عمر كان يقصر إلى أرض له، وهي ثلاثون ميلًا”.

وروي نحو ذلك عن ابن عباس، فإنه قال: “يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دونه”. وإليه ذهب الأوزاعي. وقال عامة العلماء: مسيرة يوم تام. وبه نأخذ كما قال ابن رشد فيما سبق أن ذكرنا.

ويروى عن ابن مسعود “أنه يقصر في مسيرة ثلاثة أيام”. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن))، أي: يمسح على الخفَّيْن: وهذا يقتضي أنَّ كلَّ مسافر له ذلك. ولأن الثلاثة متَّفق عليها، وليس في أقلِّ من ذلك توقيف ولا اتّفاق. يعني: لا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم حتى نقف عنده، ولا اتّفاق بين العلماء أو الصحابة على ذلك.

الرأي الرابع: روي عن جماعة من السَّلف -رحمهم الله: ما يدلُّ على جواز القصر في أقل من يوم. ومعنى أنه أقلّ من يوم بالسير المعتاد: أن تكون المسافة أقلَّ من اثنيْن وثمانين كيلو مترًا ونصف، أو خمسة وثمانين. قال الأوزاعي: “كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ”. وخمسة فراسخ كما رأينا يعني: خمسة عشر ميلًا، والخمسة عشر ميلًا، يعني لا تصل إلى خمسة وعشرين كيلو مترًا.

وكان قبيصة بن ذؤيب، وهانئ بن كلثوم، وابن محيريز، يقصرون فيما بين الرملة وبيت المقدس. وكلاهما في فلسطين. وروي عن عليٍّ رضي الله عنه: “أنه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة، فصلَّى بها الظهر والعصر ركعتيْن يعني: الظهر ركعتيْن، والعصر ركعتيْن ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلِّمكم سُنَّتكم”. وعن جبير بن نفير قال: “خرجت مع شرحبيل بن الصمت إلى قرية على رأس سبعة عشر ميلًا، أو ثمانية عشر ميلًا، فصلَّى ركعتيْن، فقلت له؟ فقال: رأيت عمر بن الخطاب يصلِّي بالحليفة ركعتيْن. والحليفة: مكان قريب من المدينة. ذو الحليفة التي نبدأ من عندها الإحرام: ميقات أهل المدينة وقال: إنما فعلتُ كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يَفعل”، رواه مسلم.

وروي: “أن دحية الكلبي خرج من قرية في دمشق مرّة إلى قدْر ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر، وأفطر معه أناس لأنَّ الفطر رخصة للمسافر وكرِه آخرون أن يفطروا. فلما رجع إلى قريته، قال: والله لقد رأيتُ اليوم أمرًا ما كنت أظن أني أراه! إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول ذلك للذين صاموا قبلُ. رواه أبو داود.

وروى سعيد قال: حدثنا هاشم عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخًا -وقد علمنا أنّ الفرسخ ثلاثة أميال، يعني: حوالي خمسة كيلو مترات- قصَر الصلاة)). وقال أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ، صلّى ركعتيْن))، والحديث رواه مسلم، وأبو داود.

واحتجَّ أصحابنا بقول ابن عباس وابن عمر. قال ابن عباس: “يا أهل مكَّة، لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُد، من عسفان إلى مكة”. قال الخطابي: وهو أصحّ الروايتيْن عن ابن عمر. ولأنها مسافة تجْمع مشقّة السفر من الحلّ والشّدّ، فجاز القصر فيها كمسافة الثلاثة. ولم يجز فيما دونها؛ لأنه لم يثبت دليل يوجب القصر فيه. وقول أنس: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ، صلّى ركعتيْن)) يحتمل أنه أراد به إذا سافر سفرًا طويلًا، قصر، أي: يبدأ قصر الصلاة بعد أن يبلغ ثلاثة أميال. كما قال في لفظه الآخَر: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتيْن))، وهو لم يكن يقصد الحليفة فقط، وإنما كانت الحليفة في طريقه إلى مكة.

قال المصنف: ولا أرى لِما صار إليه الأئمّة حجّة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف. وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، خلاف ما احتجَّ به أصحابنا. ثم لو لم يوجد ذلك، لم يكن في قولهم حجّة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعْله.

وإذا لم تثبت أقوالهم، امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه، لوجْهيْن: أحدهما: أنه مخالف لسُنّة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها، ولظاهر القرآن؛ لأن ظاهره إباحة القصر لِمن ضرب في الأرض، قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} [النساء: 101].

وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية، يريد: ما تعجَّب منه عمر بن الخطاب بعد ثبات الأمن؛ فبقي ظاهر الآية متناولًا كلَّ ضربٍ في الأرض، أي: كلَّ سفر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَمسح المسافر ثلاثة أيام)) جاء لبيان أكثر مدة المسح، فلا يصحُّ الاحتجاج به ههنا.

على أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام، وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم سفرًا، فقال: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخِر: أن تسافر مسيرة يوم إلَّا مع ذي محرم)). والثاني: أنّ التقدير يعني: تحديد الأمور بأيام، أو بكيلو مترات، أو بفراسخ بابه التوقيف؛ فلا يجوز المصير إليه برأي مجرَّد، سيَما وليس له أصل يُردُّ إليه، ولا نظير يقاس عليه. والحجَّة مع من أباح القصر لكلِّ مسافر، إلَّا أن ينعقد الإجماع على خلافه.

والحقيقة: أنَّ هذا الرأي، والأدلة التي ذُكرت معه، والتي أوردها ابن قدامة-رحمه الله- ولم نجدها عند ابن رشد، تجعل النفس تميل إلى ترجيح قول الظاهرية: أنَّ القصر في كلّ سفر، قريبًا كان أو بعيدًا.

نتابع أيضًا ما قاله ابن قدامة، لِما فيه من كثرة الفوائد. يعقد عدّة فصول بعد هذا، فيقول تحت فصل: إذا كان في سفينة في البحر يعني: كيف نقدِّر المسافات ونحن في البحر؟ يقول: فهو كالبرِّ، إن كانت مسافة سفره تبلغ مسافة القصر أبيح له، وإلَّا فلا، سواء قطعها في زمن طويل، أو قصير، اعتبارًا بالمسافة. وإن شكّ، هل السفر مبيح للقصر أم لا؟ لم يُبَح له. هذا كلام ابن قدامة على مذهب الحنابلة.

أمّا مذهب أهل الظاهر الذي رجّحناه فبمجرد ركوب السفينة، حتى ولو كانت إلى مسافة قريبة، جزيرة في البحر ونحو ذلك، فهو سفر؛ وما دام سفرًا، يبيح القصر.

يقول: لأن الأصل وجوب الإتمام، فلا يزول بالشك. وإن قصر، لم تصح صلاته، وإن تبيّن له بعدها أنه طويل؛ لأنه صلّى شاكًا في صحة صلاته، فأشبه ما لو صلّى شاكًا في دخول الوقت.

أيضًا، يضيف ابن قدامة في هذا المقام جزئية مهمة، وهي: أنّ الاعتبار بالنِّيّة، لا بالفعل. فيعتبر أن ينوي مسافة تبيح القصر. فلو خرج يقصد سفرًا بعيدًا فقصر الصلاة، ثم بدا له فرجع، كان ما صلاه ماضيًا صحيحًا، اعتبارًا بالنية. ولا يقصر في رجوعه، إلَّا أن تكون مسافة الرجوع مُبيحة بنفسها؛ نصَّ أحمد على هذا.

ولو خرج طالبًا لعبد آبق لا يعلم أين هو، أو منتجعًا غيثًا أو كلأً متى وجده أقام عنده، أو رجع، أو سائحًا في الأرض لا يقصد مكانًا، لم يُبح له القصر، وإن سار أيامًا؛ لأنه لم يعقد النِّيّة، كان يمكن أن يجد الكلأ أو المنتجع بعد كيلو متر، أو بعد نحو ذلك.

وقال ابن عقيل: يباح له القصر إذا بلغ مسافة مبيحة له؛ لأنه مسافر سفرًا طويلًا. يردُّ ابن قدامة على هذا الكلام، بقوله: ولنا، أنه لم يقصد مسافة القصر، فلم يبح له، كابتداء سفره. ولأنه لم يبح القصر في ابتدائه، فلم يبح في أثنائه إذا لم يغيِّر نيّته، كالسفر القصير، وسفر المعصية.

ومتى رجع هذا يقصد بلده أو نوى مسافة القصر، فله القصر، لوجود نيّته المبيحة. ولو قصد بلدًا بعيدًا، أو في عزمه أنه متى وجَد طِلبته دونه رجع أو أقام، لم يبح له القصر. لماذا؟ لأنه لم يجزم بسفر طويل. وإن كان لا يرجع ولا يقيم بوجوده، فله القصر.

إذًا، تبيّن لنا: أنّ النية أيضًا مطلوبة في السفر المبيح للقصر، كما سبق أن اعتبرناها في الجماعة، وفي الوضوء، وفي الغسل، وفي الإمامة، وفي صلاة الجمعة، ونحو ذلك.

يضيف ابن قدامة إلى ما سبق: ومتى كان لمقصده طريقان يباح القصر في أحدهما دون الآخَر يعني: مسافة أطول من مسافة، وكلتاهما تؤدِّي إلى الموضع الذي يريده فسلك البعيد ليقصر الصلاة فيه، أبيح له؛ لأنه مسافر سفرًا بعيدًا مباحًا، فأبيح له القصر، كما لو لم يجد سواه، أو ربما كان الطريق الآخَر مخوفًا أو شاقًا.

يضيف أيضًا في فصل آخَر فرعًا آخَر، فيقول: وإن خرج الإنسان إلى السفر مُكرَهًا، كالأسير، فله القصر، إذا كان سفره بعيدًا؛ نصَّ عليه أحمد. وقال الشافعي: لا يقصر؛ لأنه غير ناوٍ للسَّفر، ولا جازم به، فإنَّ نيّته أنه متى أفلت رجع.

يقول ابن قدامة في الرد على الشافعي: لنا أنه مسافر سفرًا بعيدًا غير محرَّم، فأبيح له القصر، كالمرأة مع زوجها، والعبد مع سيِّده، إذا كان عزمهما أنه لو مات أو زال ملكهما رجع؛ وقياسهم منتقضٌ بهذا. ثم يقول: إذا ثبت هذا، فإنه يتمّ إذا صار في حصونهم أي: الأسير المسلم نصَّ عليه أيضًا؛ لأنه قد انقضى سفره.

ويحتمل أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأن في عزمه أنه متى أفلت رجع، فأشبه المحبوس ظلمًا.

error: النص محمي !!