Top
Image Alt

حكم الكفارات، وأنواعها

  /  حكم الكفارات، وأنواعها

حكم الكفارات، وأنواعها

تحت عنوان: “الوصف الشرعي للكفارة” نص الحنفية على أن الكفارة فيها معنى العقوبة، وفيها أيضًا معنى العبادة.

قال ابن نجيم صاحب (الأشباه والنظائر): “وأما صفتها -أي: الكفارة مطلقًا- فهي عقوبة وجوبًا؛ لكونها شرعت أجزية -جمع جزاء، جمع تكسير لأفعال، فيها معنى الحظر؛ المنع- وعبادة أداء؛ لكونها تتأدى بالصوم والإعتاق والصدقة، فهذه قُرَب، وأنواع من العبادة”.

إذًا: مشروعية الكفارة كأجزية، هذا معنى العقوبة، لكن فيها العقوبة؛ لأن الأفعال فيها معنى الحظر، وشرعت عبادة تؤدى لتزيل تلك المعاصي أو تلك المحظورات؛ ولذلك شرع أداء الكفارات بالصوم وهو عبادة، والإعتاق وهو عبادة من أفضل العبادات: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ } [البلد: 11-13] والصدقة؛ كل هذه الأنواع قرب.

فمع أن الكفارة فيها معنى العقوبة؛ لأن الأفعال التي وجبت الكفارة بسببها فيها معنى الحظر، إلا أنها شُرعت عبادة تؤدى عوضًا عن تلك المعاصي والمحظورات.

والغالب في الكفارات معنى العبادة، إلا كفارة الفطر في رمضان؛ فإن جهة العقوبة فيها غالبة بدليل أنها تسقط بالشبهات كالحدود، ولا تجب مع الخطأ.

ولوجوب الكفارة أسباب عدة، هي:

1- الحِنْث في اليمين؛ وذلك بأن حلف على يمين ثم لم يبر به، أو وجد غيره خيرًا منه، فيأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

فالحنث في اليمين باتفاق الفقهاء تجب فيه الكفارة، واختلفوا في اليمين الغموس؛ فبعض الفقهاء يرى أن فيه كفارة لأنه يمين، والبعض يرى أنه غموس لا تجزئ عنه الكفارة؛ لأنه يغمس صاحبه في النار؛ لأنه حلف وهو يعلم أنه كاذب.

2- كفارة القتل الخطأ وشبه العمد؛ وهي باتفاق الفقهاء في شبه العمد؛ لأن فيه الدية وليس فيه القصاص. أما القتل العمد فقد اختلف الفقهاء؛ هل فيه كفارة أم لا كفارة فيه؟ والبعض يرى أن عليه كفارة؛ لأنه أشد من الخطأ، فإذا وجبت الكفارة في القتل الخطأ فمن باب أولى تكون في القتل العمد، لكن جمهور الفقهاء قال: إن القتل العمد فيه القصاص، فلا كفارة فيه.

3- كفارة الإفطار في نهار رمضان بالجماع، وهذه هي أيضا باتفاق الفقهاء؛ لكنهم اختلفوا في الإفطار بغير الجماع كالأكل والشراب، وإنزال المني بغير جماع؛ هل مع أنه إفطار عمدًا يكون فيه كفارة مغلظة مثل كفارة الإفطار بالجماع، أم فيه قضاء يوم فقط؟ خلاف بين الفقهاء.

4- كفارة ارتكاب محظورات الإحرام -كما سبق تبيين ذلك في أنواع الهدي الواجب- مثل: ترك المبيت بمنى، وتجاوز الميقات بدون إحرام، وترك المبيت بمزدلفة، وترك رمي الجمرات، وتطيب المحرم متعمدًا، وقص شعره متعمدًا، وتغطية رأسه متعمدًا، وقص أظافره وهو محرم متعمدًا، وارتداء المخيط متعمدًا، وعقد الزواج والإشهاد عليه، وكل ما يتعلق بالزواج من محظورات الإحرام، فكفارة ارتكاب محظورات الإحرام واجبة.

5- كفارة الظهار، وهي واجبة باتفاق الفقهاء كما في أول سورة المجادلة: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المجادلة: 1-4].

تلك خمسة أنواع رئيسة، وتحت كل نوع منها تفاصيل عديدة.

أيضا مما تحدث عنه الفقهاء أنه يشترط في أداء الكفارة؛ لأنها عبادة: النيةُ، قال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، والإخلاص هو: النية، إخلاص العمل لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى…)). ومن القواعد الفقهية: أنه لا عمل أو ثواب بلا نية، ومن هنا يشترط في أداء الكفارة النية.

الشرط الثاني لوجوب الكفارة: القدرة؛ لأن الله -تبارك وتعالى- بعد أن خيّر المكفِّر عن كفارة اليمين بقوله تعالى: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] انتقل بعد ذلك، عند العجز عن واحدة من هذه الثلاث إلى قوله: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196].

إذًا: من شروط أداء الكفارة: القدرة على أدائها.

ولكل كفارة شروط خاصة بها؛ كالبلوغ والعقل -فليس الصبي في ذلك سواء مع البالغ- والإسلام والاختيار والحرية، كما أن لمواد الكفارة -أي: الأشياء التي يكفر بها- من إطعام، أو عتق، أو صيام شروطًا خاصة في كل نوع من هذه الأنواع؛ حتى تكون الكفارة مجزئة.

 وهكذا نكون قد تعرفنا على أنواع الكفارة وعلى حكمها الشرعي.

error: النص محمي !!