Top
Image Alt

حكم المشاركة في الأعمال العسكرية

  /  حكم المشاركة في الأعمال العسكرية

حكم المشاركة في الأعمال العسكرية

سبق أن ذكرنا في بيان حكم التجنس والإقامة بجنسية بلاد غير إسلامية: أن ذلك يحرم، ولا يجوز حين يتعرض المتجنس إلى الفتنة في دينه وفي نفسه أو في أبنائه وعلاقاته، ومعلوم أن المتجنس قد يتعرض للتجنيد الإجباريّ، والإكراه على الخدمة العسكرية في هذه الدول، وقد ترسله هذه الدول لقتال المسلمين كما هو واقع الآن في بلادٍ عديدة، فيكون حربًا على دينه وأمته.

أو ترسله لقتال غير المسلمين؛ فيكون أيضًا مقاتلًا في سبيل الطاغوت وتحت راية جاهلية، وأساس ذلك كله أن الجنسية عَقْدٌ بين الدولة وبين المتجنس، يُصبح بمقتضاه المتجنس أحد رعايا هذه الدولة، المخاطبين بشرائعها ونظمها، الملتزمين بمواقفها في الحرب والسلم؛ فهو سلم لأوليائها وحرب على أعدائها، ولهذا فهي تمثل في الأصل نوعًا من الانفصال عن جماعة المسلمين، وضعف الولاء والبراء -الولاء للمسلمين والبراء من غير المسلمين- واللحوق بدار الحرب، وفيها ما فيها، وكذلك جماعة الكافرين.

وقد خَفّف البعض من مسألة التجنس والولاء والتعهد الذي يكتبه المتجنس؛ بأن الولاء محله القلب، وليس بينه وبين التجنس ارتباطٌ حتميّ، أما التعهد الذي يُقدمه المتجنس لاستعداده للخدمة العسكرية في جيش هذه الدولة؛ فهو كذلك يمكن أن يكون مقيدًا بما لا يتعارض مع ديانة طالب التجنس -وهذا كلام غير عملي؛ لأن الواقع لا يؤيد ذلك- فيستطيع المتجنس أن يمتنع من تلبية الأمر بالجندية أو القتال في حينه؛ إذا تعارض ذلك مع عقيدته الدينية، وفي قوانين هذه البلاد ما يتيح ذلك للمواطنين، متجنسين كانوا أم مواطنين أصليين، وإن أصابه في ذلك شيء من البلاء وطن نفسه على الصبر عليه.

لكن هذا كلام نظري لا يمكن التعويل عليه، والواقع يكذبه؛ ولذلك قال المانعون للتجنس: إن الاستقراء العمليّ لواقع المتجنسين يَدُلّ على غلبة المفسدة في هذا الأمر، وأن الارتباط بين التجنس وبين هذه المفاسد هو الأعم الأغلب، فهو ارتباط قائم، فكيف نستبعده وهو قائمٌ وواقع؟

فالتّجنس في هذه البلاد يُعتبر بدايةً راجحةً للانفصال التدريجي عن جماعة المسلمين، بكل ما تعنيه هذه الكلمة “الجنسية”، ولا سيما للجيل القادم من الأبناء الذين ينشئون في محاضن هذه المجتمعات، ومشاربها العلمانية الجامحة؛ فيرتدّ في الأعم الغالب عن الإسلام.

والقول بأنّ التّعهد الذي يبذله المتجنس مُقيد بكونه فيما لا يتعارض مع حريته في التدين -كلام غير صحيح؛ وينبغي أن يستصحب ذلك عند القسم، فهو موضع نظر؛ لأنه عهد وميثاق، والمواثيق والعهود في الإسلام لا يجوز فيها التوريات، أي: لا يصح أن يقسم لفظًا على رعاية الوطن، وعلى تطبيق شرائعه ونظمه، وهو ينوي في قلبه ألا يفعل ذلك، هو عند منح الجنسية يقسم هذا القسم، والمواثيق والعهود في الإسلام لا يجوز فيها التورية؛ لأن القسم على نية من يُحلف، وليس على نية الحالف.

كما لا تجوز المعاريض فضلًا عن الكذب، واليمين على ما استحلفك عليه صاحبك، ولا سيما أنه ليس فيه إكراه ولا شبهة إكراه، ولا سيما أنه ليس في الأمر إكراه، فلِمَ التجنس وهو ليس بحاجةٍ إليه، ولا هو مكره عليه؟ وهو ملزم بتطبيق القواعد والقوانين المحلية، فما دام ليس في الأمر إكراه؛ كيف يفعل ذلك أو يقبله؟ ولا توجد أيضًا شبهة إكراه.

ومن هذا نعلم أنّ التجنيد قد يكون إجباريًّا، وأن الحرب على الإسلام والمسلمين هي الأقوى، وأن الانضمام إلى الجندية؛ إما سبيل إلى حرب المسلمين وهذا لا يجوز، أو هو بالفعل حرب غير المسلمين وهذا أيضًا غير جائز.

كذلك لو كان التجنيد إجباريًّا؛ فإنه لا يجوز لمسلم أن يحمل السلاح على مسلم، حتى ولو تعرض المُجند لحُكم الإعدام، فعليه ألا يقبل؛ لأن روحه ليست أولى بالبقاء من روح غيره، ففرق بين الإكراه على الكفر الذي يعفى عن قائله، ولا إثم عليه؛ لأنه مكره، وبين الإكراه على الزنا أو القتل، فلا يعفى عنه؛ لأن المكره حينئذ يستطيع أن يرفض ذلك، ولو بإيذائه.

والخلاصة: أنّ التجنيد إجباريّ، وهذا التجنيد الإجباري سيوجه إما إلى بلاد إسلامية، أو إلى بلاد غير إسلامية.

فإن توجه المسلم مع الجيش إلى بلاد إسلامية فقد وقع في المحظور؛ لأنه يُحارب أخاه المسلم، وعليه ألا يقبل ذلك حتى لو حُكم عليه من قِبَلِ الدول غير المسلمة بالإعدام؛ لأن روحه ليست أولى بالبقاء من روح المسلم الذي ذهب لقتاله؛ فلذلك هذا الإكراه لا يُعتد به شرعًا، فهناك إكراه على الكفر؛ لأن هذا كلمة مضطر إليها، وهو الذي نزل فيه قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106].

ومن المعلوم أن المُتجنس هو الذي يَسعى إلى الحصول على الجنسية، بل ويبذل أموالًا في سبيل الحصول على هذه الجنسية، ويُصبح بعد عقد الجنسية والحصول عليها ملزمًا بقوانين تلك البلد، وبالتجنيد، وبأن يذهب مع الجيش إلى حرب بلدٍ إسلامية أو بلد غير إسلامية؛ فإن كانت البلد إسلامية فالحرمة واضحة ومعروفة، وإن كانت البلد غير إسلامية فهي حربٌ في سبيل الشيطان وفي سبيل الطاغوت.

إذًا: كلا الأمرين -تجنيد المسلم في جيش غير مسلم في الأعمال العسكرية، وهذا فرعٌ عن التجنس- لا يجوز بحالٍ من الأحوال، وأي كلام قيل عن حرية التدين، وحرية الاعتراض على التجنيد، وحرية إبداء عدم السفر إلى بلدٍ إسلامية أو غير إسلامية، كل ذلك لم يعد ممكنًا، هذا كلام نظريّ. أما الواقع العملي فيشهد بأن التجنيد إجباري، وأن من يحمل الجنسية سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، عليه أن يلتزم بالقوانين، وأن يذهب إلى الحرب مع الجيش؛ وإلا تعرض لمؤاخذات قانونية شديدة.

ونحن نقول: الجيش أو التجنيد بهذا الشكل فرع عن الجنسية؛ فهو غير مناسب، وعليه أيضًا فالحرب غير مناسبة، حتى لو حكم عليه بحكمٍ فيه أذى له، أو فيه ضرر عليه؛ لأنه ليس بأولى من غيره في ذلك.

error: النص محمي !!