Top
Image Alt

حكم ترجمة القرآن الكريم تفصيلًا

  /  حكم ترجمة القرآن الكريم تفصيلًا

حكم ترجمة القرآن الكريم تفصيلًا

قبل أن نتحدث عن نقاط هذا العنصر لا بد أن نبين أن هذا المركب الإضافي -أعني: كلمة: ترجمة القرآن- هذا المركب له أربعة معانٍ رئيسة، ثلاثة منها ترجع إلى اللغة وحدها، والرابع تشترك فيه اللغة والعرف العام الذائع بين الأمم، ولا ريب أن هذا المعنى الرابع هو الجدير بالعناية والاهتمام؛ لأنه المتبادر إلى الأفهام والمقصود في لسان التخاطب العام، وها نحن أولاء نستعرض تلك المعاني الأربعة، مشفوعة كل معنى منها بحكمه المناسب له؛ عسى أن تكون هذه الطريقة أبعد عن الخطأ والشطط، وأهدى إلى الصواب والاعتدال:

1. ترجمة القرآن بمعنى تبليغ ألفاظه وحكمها:

تطلق ترجمة القرآن إطلاقًا مستندًا إلى اللغة، ويُراد بها تبليغ ألفاظه، وحكمها حينئذ أنها جائزة شرعًا، والمراد بالجواز هنا: ما يقابل الحظر فيصدق بالوجوب وبالندب، وإن شئت دليلًا؛ فها هو ذا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن ويُسمعه أولياءه وأعداءه، ويدعو إلى الله به في مولده ومهاجره، وفي سفره وحضره، والأمة من ورائه نهجت نهجه، فبلغت ألفاظ القرآن الكريم، وتلقاها بعضهم عن بعض فردًا عن فرد، وجماعة عن جماعة، وجيلًا عن جيل، حتى وصل إلينا متواترًا.

ثم ها هو القرآن نفسه؛ يتوعد كاتميه ويقول: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَىَ مِن بَعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ (159) إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التّوّابُ الرّحِيمُ} [البقرة: 159، 160]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) ويقول صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)).

2. ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية، وحكمها:

وهذا هو الإطلاق الثاني المستند إلى اللغة أيضًا كما مر، ويُراد به تفسير القرآن بلغته العربية، لا بلغة أخرى، وغنيٌّ عن البيان أن حكمه أيضًا الجواز بالمعنى الآنف، وإن كنت في شك فهاك القرآن نفسه، يقول الله فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {بِالْبَيّنَاتِ وَالزّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44]. ولقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم ببيانه العربي خير قيام؛ حتى اعتبرت السنة النبوية كلها شارحة له، ونُقل منها في التفسير بالمأثور شيء كثير.

ولقد تأثر العلماء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك منذ عهد الصحابة إلى اليوم، وها هي ذي المكتبات العامة والخاصة زاخرة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم، على رغم ما اندثر منها، والذي اندثر شيء كثير، وعلى رغم ما يأتي به المستقبل من تفاسير يؤلفها من لا يقنعون بقديم، ويتلقاها عنهم من يجدون في أنفسهم حاجة إلى عرض جديد لعلوم القرآن والدين؛ مما يدل على أن القرآن الكريم بحر الله الخضم، وأن العلماء جميعًا -من قدامى ومحدثين- لا يزالون وقوفًا بساحله، يأخذون منه على قدر قرائحهم وفهومهم، والبحر بعد ذلك هو البحر في فيضانه وامتلائه، والقرآن هو القرآن في ثروته وغناه بعلومه وبأسراره: {قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [الكهف: 109].

3. ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية:

هذا هو الإطلاق الثالث، المستند إلى اللغة أيضًا، ويراد به تفسير القرآن بلغة غير لغته، أي: بلغة أعجمية لا عربية؛ ولا ريب عندنا في أن تفسير القرآن الكريم بلسان أعجمي لمن لا يُحسن العربية يجري في حكمه مجرى تفسيره بلسان عربي لمن يحسن العربية؛ فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه، لا عرض لترجمة القرآن نفسه، وكلاهما حكاية لما يُستطاع من المعاني والمقاصد، لا حكاية لجميع المقاصد.

وتفسير القرآن الكريم يكفي في تحققه أن يكون بيانًا لمراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية، ولو جاء على احتمال واحد؛ لأن التفسير في اللغة هو الإيضاح والبيان، وهما يتحققان ببيان المعنى، ولو من وجه؛ ولأن التفسير في الاصطلاح علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية، وهذا يتحقق أيضًا بعرض معنى واحد من جملة معانٍ يحتملها التنزيل.

وإذا كان تفسير القرآن بيانًا لمراد الله بقدر الطاقة البشرية؛ فهذا البيان يستوي فيه ما كان بلغة العرب، وما ليس بلغة العرب؛ لأن كلًّا منهما مقدور للبشر، وكلًّا منهما يحتاجه البشر، بيد أنه لا بد من أمرين:

الأمر الأول: أن يستوفي هذا النوع شروط التفسير باعتبار أنه تفسير.

الأمر الثاني: أن يستوفي شروط الترجمة باعتبار أنه نقل لما يمكن من معاني اللفظ العربي بلغة غير عربية.

نلفت النظر هنا إلى أمور مهمة:

أولها: أن علماءنا حظروا كتابة القرآن بحروف غير عربية، وعلى هذا يجب عند ترجمة القرآن بهذا المعنى -إلى أية لغة- أن تكتب الآيات القرآنية بالحروف العربية، ترجمة القرآن الكريم إذا ترجم إلى لغة أخرى فسرناه بها، لا نكتب الآيات القرآنية بحال بحروف غير عربية، كي لا يقع إخلال وتحريف في لفظه فيتبعهما تغيير وفساد في معناه.

وقد سئلت لجنة الفتوى في الأزهر عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية؛ فأجابت بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم بما نصه: “لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية؛ فلا تؤدي جميع ما تؤديه جميع الحروف العربية، فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي، كما يفهم من الاستفتاء؛ لوقع الإخلال والتحريف في لفظه، ويتبعهما تغير المعنى وفساده، وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف، وأجمع علماء الإسلام سلفًا وخلفًا على أن كل تصرف في القرآن يؤدي إلى تحريف في لفظه، أو تغيير في معناه، ممنوع منعًا باتًّا ومحرم تحريمًا قاطعًا؛ وقد التزم الصحابة, ومن بعدهم إلى يومنا هذا كتابة القرآن الكريم بالحروف العربية”.

ثانيها: أن تفاسير القرآن المتداولة بيننا تتناول المفرد من الأصل، وبجانبه شرحه، ثم تتناول الجملة أو الآية وشرحها متصل بها كذلك غالبًا، ومعنى هذا: أن ألفاظ القرآن الكريم منبثة في ثنايا التفسير، على وجه من الارتباط والإحكام، بحيث لو جردنا التفاسير من ألفاظ الأصل لعادت التفاسير لغوًا من القول، وضربًا من السخف، ونحن لا نريد هنا في تفسير القرآن بلغة أجنبية أن تذكر مفردات القرآن وجمله مكتوبة بتلك اللغة الأجنبية، أو مترجمة بهذه اللغة، ثم تشفع بتفسيرها المذكور؛ فلقد ذكرنا قبل قليل أن كتابة القرآن الكريم بغير العربية ممنوعة.

وسنقرر  أن ترجمته بالمعنى العرفي مستحيلة، إنما نحن نريد هنا نوعًا من التفسير، يجوز أن يصدر بطائفة من ألفاظ الأصل على ما هي عليه في عروبتها رسمًا ولفظًا، إذا وضع لطائفة من المسلمين، ثم يذكر عقبها المعنى الذي فهمه المفسر، غير مختلط بشيء من ألفاظ الأصل ولا ترجمته. بل يكون هذا المعنى كله من كلام المفسر، ويصاغ بطريقة تدل على أنه تفسير لا ترجمة؛ كأن يقال: “معنى الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا هو كذا وكذا، أو يقال في أول كل نوبة من نوبات التفسير: معنى هذه الجملة أو الآية كذا، ثم يبين في كلتا الطريقتين أن هذا المعنى مقطوع به، أو أنه محتمل، ويستطرد بما يظن أن حاجة المخاطبين ماسة إليه من التعريف بالمصطلحات الإسلامية، والأسرار والحكم التشريعية، والتنبيه على الأخطاء التي وقعت فيها الترجمات المزعومة، ونحو ذلك مما يوقع في روع القارئ، أن ما يقرأه ليس ترجمة للأصل محيطة بجميع معانيه ومقاصده، إنما هو تفسير فحسب، لم يحمل من معاني القرآن ومقاصده إلا قطرة من بحر، أما القرآن الكريم فأعظم من هذا التفسير بكثير، كيف وهو النص المعجز في ألفاظه ومعانيه من كلام العليم الخبير.

ثالثها: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مساوية لترجمة تفسيره العربي؛ لأن الترجمة هنا لم تتناول في الحقيقة إلا رأي هذا المفسر وفهمه لمراد الله على قدر طاقته، خطأ كان فهمه أو صوابًا، ولم تتناول كل مراد الله من كلامه قطعًا؛ فكأن هذا المفسر وضع أولًا تفسيرًا عربيًّا، ثم ترجم هذا التفسير الذي وضعه، وإن شئت فقل: إنه ترجم تفسيرًا للقرآن، قام هو به غير أنه لم يدونه. وأنت خبير بأن التفسير هو التفسير، سواء أدونه صاحبه أم لم يدونه.

رابعها: ذهب بعضهم إلى أن تسمية هذا النوع، وما يشبهه: “ترجمة تفسيرية للقرآن” بالمعنى العرفي، ونحن مع علمنا بأن الخلاف في التسمية تافه، لا نستطيع أن نرى رأيهم؛ لشهادة العرف التي أقمناها، ثم اعتمدنا عليها في رسم الفوارق الأربعة بين أي ترجمة وأي تفسير؛ فترجمة القرآن على فرض إمكانها، تصوير لكل ما أراد منزله من معانيه ومقاصده، وترجمة التفسير تصوير لكل ما أراد المفسر من معانيه ومقاصده، والقرآن لا يمكن أن يكون في معانيه المرادة خطأ بحال من الأحوال؛ فإذا صحت ترجمته على فرض إمكانها، وجب ألا تحمل ولا تصور خطأ، والقرآن مليء بالمعاني والأسرار الجلية والخفية، إلى درجة تعجز المخلوق عن الإحاطة بها، فضلًا عن قدرته على محاكاتها وتصويرها، بلغة عربية أو أعجمية، أما التفسير فمعانيه محدودة؛ لأن قدرة صاحبه محدودة، مهما حلق في سماء البلاغة والعلم.

خامسها: يجب أن تسمى مثل هذه الترجمة: “ترجمة تفسير القرآن، أو تفسير القرآن بلغة كذا” ولا يجوز أن تسمى: “ترجمة القرآن” بهذا الإطلاق اللغوي المحض؛ لما علمت من أن لفظ ترجمة القرآن مشترك بين معانٍ أربعة، وأن المعنى الرابع هو المتبادر إلى الأذهان عند الإطلاق؛ نظرًا إلى أن العرف الأممي العام لا يعرف سواه، ولا يجوز أيضًا أن تسمى: “ترجمة معاني القرآن”؛ لأن الترجمة لا تضاف إلا إلى الألفاظ، ولأن هذه التسمية توهم أنها ترجمة للقرآن نفسه، خصوصًا إذا لاحظنا أن كل ترجمة لا تنقل إلا المعاني دون الألفاظ.

سادسها: يحسن أن يدون التفسير العربي، وتشفع به ترجمته هذه؛ ليكون ذلك أنفى للريب، وأهدى للحق، وأظهر في أنه ترجمة تفسير، لا ترجمة قرآن، ومَن عرف قدر القرآن لم يبخل عليه بهذا الاحتياط، لا سيما في هذا الزمن الذي تنمر فيه أعداء الإسلام، وحاربونا فيه بأسلحة مسمومة من كل مكان.

سابعها: يجب أن يُصَدّر هذا التفسير المترجم بمقدمة تنفي عنه في صراحة أنه ترجم للقرآن نفسه، وتبين أن ترجمة القرآن نفسه بالمعنى المتعارف أمر دونه خرط القتاد؛ لأن طبيعة تأليف هذا الكتاب تأبى أن يكون له نظير يحاكيه، لا من لغته ولا من غير لغته، وذلك هو معنى إعجازه البلاغي، ومَن أراد أن يتصور هذا اللون من ألوان إعجازه؛ فلينتقل هو إلى هذا الكتاب ولغته، فيتذوقه بها، وبأساليبها. ومن المحال أن ينتقل هذا الكتاب العزيز تاركًا عرشه الذي بوأه الله إياه، وهو عرش اللغة العربية، وماذا يبقى للملك من عزة وسلطان، إذا هو تخلى عن عرشه وملكه؟ وهذا القرآن جعله الله ملك الكلام، وتوجه بتاج الإعجاز، واختار لغته العربية مظهرًا لهذا الإعجاز والاعتزاز، قال تعالى عنه: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42].

ويقول الشيخ مناع القطان -رحمه الله تعالى- عن ذلك، وعن المعنى الذي أشرت إليه سابقًا: ويحق لنا أن نقول: إن علماء الإسلام إذا قاموا بتفسير للقرآن، يجب أن يتوخى فيه أداء المعنى القريب الميسور الراجح، ثم يُترجم هذا التفسير بأمانة وبراعة؛ فإن هذا يقال فيه: “ترجمة تفسير للقرآن” أو “ترجمة تفسيرية” بمعنى شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، ولا بأس في ذلك؛ فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام إلى البشرية كافة، على اختلاف أجناسها وألوانها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُبعث إلى قومه خاصة، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة.

وشرط لزوم الرسالة البلاغ، والقرآن الذي نزل بلغة العرب صار إبلاغًا للأمة العربية، ملزمًا لها، ولكن سائر الأمم الأخرى التي لا تحسن العربية أو لا تعرفها يتوقف إبلاغها الدعوة على ترجمة القرآن الكريم بلسانها.

وينبغي أن يؤكد في الترجمة التفسيرية؛ أنها ترجمة لفهم شخصي خاص، لا تتضمن وجوه التأويل المحتملة لمعاني القرآن، وإنما تتضمن ما أدركه المفسر منها، وبهذا تكون ترجمة للعقيدة الإسلامية ومبادئ الشريعة كما تُفهم من القرآن، وإذا كان إبلاغ الدعوة من واجبات الإسلام فإن ما يتوقف على من دراسة اللغات، ونقل أصول الإسلام إليها واجب كذلك؛ كما أن معرفتنا لهذه اللغات بالقدر الضروري تمكننا من دراسة كتبها للرد على المبشرين والمستشرقين، الذين غمزوا الإسلام من بعيد أو قريب، وهذا هو ما عناه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (العقل والنقل) عندما قال: “وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم؛ فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه”.

ثم قال -رحمه الله-: ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجم له بالعربية إن أراد ذلك، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود؛ ليقرأ له ويكتب له ذلك، حيث لم يأتمن اليهود عليه.

وإذا كانت الترجمة بمعناها الحقيقي، ولو بالمعاني الأصلية لا تتيسر في جميع آيات القرآن، وإنما المتيسر الترجمة على معنى التفسير، كان من الضروري إشعار القارئ بذلك، ومن وسائله كتابة جمل في حواشي الصحائف، يبين بها أن هذا أحد وجوه أو أرجح وجوه تحتملها الآية.

ولو قامت جماعة ذات نيات صالحة، وعقول راجحة، وتولت نقل تفسير القرآن إلى بعض اللغات الأجنبية، وهي على بينة من مقاصده، وعلى رسوخ في معرفة تلك اللغات، وتحامت الوجوه التي دخل منها الخلل في التراجم السائرة اليوم في أوروبا؛ لفتحت لدعوة الحق سبيلًا كانت مقفلة، ونشرت الحنيفية السمحة في بلاد طافحة بالغواية قاتمة، وهذا ولا شك مجهود يقوم به بعض الأفراد بين الحين والآخر؛ ولا شك أنهم يقدمون ترجمات تفسيرية للقرآن الكريم، نرى -بحمد الله وفضله- أنها جيدة وتدفع كثيرًا من هؤلاء الناس إلى معرفة حقيقة الإسلام، وربما دخل بعض الناس فيه، ولكننا عندما نقول ذلك إنما ندفع الهمم إلى مزيد من البحث والتنقيب لإخراج تفاسير للقرآن الكريم بلغات مختلفة غير اللغة العربية كي ندعو من خلالها عموم الناس إلى الإسلام والقرآن.

فوائد الترجمة بهذا المعنى:

لترجمة القرآن بهذا المعنى فوائد كنا في غنًى عن بيانها، بما أشرت إليه من أنها كالتفسير العربي، الذي اتفق الجميع على جوازه بشرطه، ولكن بعض الباحثين توقفوا في جواز هذه الترجمة، كما توقفوا في جواز الترجمة بالمعنى الآتي؛ ما بعد ما بينهما، ثم تذرعوا بأنه لا فائدة ترجى منها، وأثاروا شبهات حولها.

الفائدة الأولى: رفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لم يستطع أن يراها بمنظار اللغة العربية من المسلمين الأعاجم، وتيسير فهمه عليهم بهذا النوع من الترجمة؛ ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، ويعظم تقديرهم للقرآن، ويشتد شوقهم إليه؛ فيهتدوا بهديه، ويغترفوا من بحره، ويستمتعوا بما حواه من نبل المقاصد، وقوة في الدلائل، وسمو في التعاليم، ووضح وعمق في العقائد، وطهر ورشد في العبادات، وهذا يدفع القوة إلى مكارم الأخلاق، ولا شك أنه يزجر عن الرذائل والآثام.

وإنك لتستطيع أن ترى هذه الفائدة ماثلة بين عينيك إذا ما شاهدت أستاذًا ممتازًا يُلقي درسًا من دروس التفسير على العامة، يجلي معاني القرآن لهم بمهارته، ويتنزل إلى مستواهم؛ فيخاطبهم بلغتهم، ويتخير من المعاني أصحها وأمسها بحاجتهم، ويعالج عند المناسبة ما يعرف من جهالتهم وشبهتهم، والله لكأني بهذا المدرس اللبق، وقد نفخ فيهم من روح القرآن فأحيا مواتهم، وداوى أمراضهم، وقادهم إلى النهضة، وجعلهم يؤمنون بهذا الكتاب عن علم وذوق وشعور ووجدان، بعد أن كانوا يؤمنون به إيمانًا أشبه بالتقليد الأعمى، أو بمحاكاة الصبيان.

ولقد دلتنا التجارب على أن كثيرًا من هؤلاء الذين أحسوا جلال القرآن عن طريق تفسيره؛ فكروا في حفظه واستظهاره، ودراسة لغته وعلومه؛ ليرتشفوا بأنفسهم من منهله الروي، ويشبعوا نهمتهم من غذائه الهني، ما دام هذا التفسير وغيره لا يحمل كل معاني الأصل، وما دام ثواب الله يجري على كل من نظر في الأصل، أو تلا نفس ألفاظ الأصل.

الفائدة الثانية: دفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن وتفسيره كذبًا وافتراءً، ثم ضللوا بها هؤلاء المسلمين الذين لا يحذقون اللسان العربي في شكل ترجمات مزعومة للقرآن، أو مؤلفات علمية وتاريخية للطلاب، أو دوائر معارف للقراء، أو دروس ومحاضرات للجمهور، أو صحف ومجلات للعامة والخاصة.

الفائدة الثالثة: تنوير غير المسلمين من الأجانب في حقائق الإسلام وتعاليمه، خصوصًا في هذا العصر القائم على الدعايات، وبين نيران هذه الحروب التي أوقدها أهل الملل والنحل الأخرى، حتى ضل الحق أو كاد يضل في سواد الباطل؛ وخفت صوت الإسلام، أو كاد يخفت بين ضجيج غيره من المذاهب المتطرفة والأديان المنحرفة.

الفائدة الرابعة: إزالة الحواجز التي أقامها الخبثاء الماكرون للحيلولة بين الإسلام وعشاق الحق من الأمم الأجنبية، وهذه الحواجز ترتكز في الغالب على أكاذيب افتروها تارة على الإسلام، وتارة أخرى على نبي الإسلام، وكثيرًا ما ينسبون هذه الأكاذيب إلى القرآن وتفاسيره، وإلى تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته، ثم يدسونها فيما يزعمونه ترجمات للقرآن، وفيما يقرأ الناس ويسمعون بالوسائل الأخرى؛ فإذا نحن ترجمنا تفسير القرآن، أو فسرنا القرآن بلغة أخرى مع العناية بشروط التفسير، وشروط الترجمة، ومع العناية التامة بدفع الشبهات والأباطيل الرائجة فيهم عند كل مناسبة، تزلزلت بلا شك تلك القصور التي أقاموها من الخرافات والأباطيل.

ولا شك أنها ستزول عقبات كثيرة من طريق طلاب الحق وعشاقه من كل قبيل.

وإليك كلمة يؤيدنا بها الكاتب الإنجليزي “برناردشو” إذ يقول: لقد طبع رجال الكنيسة في القرون الوسطى دين الإسلام بطابع أسود حالك، إما جهلًا وإما تعصبًا، إنهم كانوا في الحقيقة مسوقين بعامل بغض محمد ودينه، فعندهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان عدوًّا للمسيح، ولقد درست سيرة محمد الرجل العجيب وفي رأي أنه بعيد جدًّا من أن يكون عدوًّا للمسيح، وإنما ينبغي أن يدعى منقذ البشرية…” إلى آخر ما قاله.

الفائدة الخامسة: براءة ذمتنا من واجب تبليغ القرآن بلفظه ومعناه؛ فإن هذه الترجمة جمعت بين النص الكريم بلفظه ورسمه العربيين، وبين معاني القرآن على ما فهمه المفسر وشرحه باللغة الأجنبية، قال السيوطي، وابن بطال، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من العلماء: إن الوحي يجب تبليغه، ولكنه قسمان: قسم تبليغه بنظمه ومعناه وجوبًا، وهو القرآن. وقسم يصح أن يبلغ بمعناه دون لفظه، وهو ما عدا القرآن وبذلك يتم التبليغ.

4. دفع الشبهات عن هذه الترجمة:

الشبهة الأولى:

يقولون: إن المترجم للتفسير مضطر إلى الترجمة العرفية الممنوعة، وهي ترجمة كل ما يسوقه في كل نوبة للتفسير من آية أو آيات؛ لأن التفسير بيان، فلا بد أن يُعرف المبين أولًا، ثم يعرف البيان، ولأنه إذا ترجم التفسير بدون الآية كانت الترجمة غير مؤدية للمطلوب؛ لعدم التئامها مع ما قبلها.

دفع هذه الشبهة:

بأننا شرطنا ألا تكون ألفاظ الأصل ولا ترجمتها العرفية منبثة بين ثنيا التفسير بلغة أجنبية، بل قلنا: إن التفسير يجزأ أجزاء، وتساق الآية أو الآيات في كل نوبة من نوبات هذه التجزئة باللفظ والرسم العربيين، إن كنا نترجم هذه الترجمة لطائفة من إخواننا المسلمين، ثم يشار إليها في تفسيرها فيقال: معنى هذه الآية أو الآيات كذا. أو يقال: الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا معناها كذا وكذا بعبارة مجردة من ألفاظ الأصل وترجمتها ترجمة عرفية.

الشبهة الثانية:

يقولون: إن تفسير القرآن الكريم يشتمل عادة على كيفية نطق ألفاظه، ومدلولات مفرداته، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، واختلاف المعاني عند الوقف على بعض الكلمات والابتداء بما بعدها، وعند وصل الآية الأولى بالثانية، ويشتمل أيضًا على معرفة السُّنة؛ لأنها بيان للقرآن الكريم، وعلى أقوال الصحابة والأئمة المجتهدين، وغير ذلك وترجمة مثل هذا مع الاستيفاء أمر متعذر.

دفع هذه الشبهة:

بأن استيفاء الأمور المذكورة لم يشترطه أحد في أصل التفسير العربي، فبدهي ألا يشترط ذلك في ترجمته وهي صورة له، كيف وقد علمنا أن التفسير هو البيان ولو من وجه، ولك ما على المفسر أن يكون حكيمًا يلاحظ حال من يفسر لهم على قدر طاقته؛ فيضمن تفسيره ما يحتاجون إليه، ويعفيهم مما لا تسعه عقولهم، وإلا كان فتنة عليهم، ولعل ذلك سر من أسرار تنوع التفاسير العربية التي بين أيدينا اليوم.

error: النص محمي !!