Top
Image Alt

حكم رفع اليدين والمواضع التي ترفع فيها اليدان والحد الذي ينتهي إليه رفع اليدين، الاعتدال في الركوع والسجود

  /  حكم رفع اليدين والمواضع التي ترفع فيها اليدان والحد الذي ينتهي إليه رفع اليدين، الاعتدال في الركوع والسجود

حكم رفع اليدين والمواضع التي ترفع فيها اليدان والحد الذي ينتهي إليه رفع اليدين، الاعتدال في الركوع والسجود

أركان الصلاة الأفعال:

عقد ابن رشد لها الفصل الثاني من باب الأركان، وخصّ الفصل الأول بما يتعلّق بالأقوال، واشتمل على تسْع مسائل، وخصّ الفصل الثاني بالأفعال، وقسّمه إلى ثماني مسائل وهي على النحو التالي:

المسألة الأولى: رفع اليدين في الصلاة:

يذكر ابن رشد: أن العلماء اختلفوا في ذلك في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول: أهو فرْض فيكون ركنًا من أركان الصلاة؟ أم سُنّة؟ وهل هو واجب في بعض التكبيرات، وليس واجبًا في بعض آخر؟

الموضع الثاني: هل عند تكبيرة الإحرام؟ هل عند تكبيرات الانتقال في الركوع والسجود، أو في بعض ذلك؟

الموضع الثالث: إلى أين ينتهي رفْعُهما؟ إلى الأذنيْن، أو إلى المنكبيْن، أو إلى الصدر؟

حُكم رفْع اليديْن: قال ابن رشد إن الفقهاء قد اختلفوا في ذلك إلى عدة آراء، وهي:

ذهب الجمهور إلى: أنّ رفْع اليديْن عند التكبير سُنّة وليس فرضًا.

أمّا الظاهرية ومَن معهم فيرونه: فرضًا، ثم ينقسمون في ذلك إلى ثلاثة أقسام:

منهم من قال بوجوبه في تكبيرة الإحرام فقط.

ومنهم من أوجبه في التكبيرة وعند الركوع.

ومنهم من أضاف إلى ذلك السجود.

ماذا قال ابن قدامة في هذا الموضع؟

يقول ابن قدامة تحت المسألة التي ذكرها الخرقي بقوله: “ويَرفع يديْه إلى فروع أذنيْه أو إلى حذو منكبيْه”. ويقول ابن قدامة في شرح هذه المسألة: “لا نعلم خلافًا في استحباب رْفع اليديْن عند افتتاح الصلاة”.

إذًا، لم يقُل بوجوبه، وإنما قال باستحبابه، ويذكر أنه لا يوجد خلاف في استحباب هذا الفعل.

وقال ابن المنذر: لا يختلف أهل العلْم في: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديْه إذا افتتح الصلاة)). وقد ذكرنا حديث أبي حميد -أي: فيما مضى-. وروى ابن عمر قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديْه حتى يحاذي بهما منكبيْه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع)). إذًا عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع. ولا يرفع بيْن السجْدتيْن، متفق عليه.

وهو مخيّر -أي: المصلّي- في رفعهما إلى فروع أذنيْه أو حذو منكبيْه -ومعناه: أن يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع، وإنما خُيِّر،لأن كِلاَ الأمريْن مرويّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويضيف ابن قدامة: يستحبّ أن يمدّ أصابعه وقت الرفع، ويضم بعضها إلى بعض؛ لِما روى أبو هريرة:«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديْه مدًّا». وقال الشافعي: “السّنّة أن يفرّق أصابعه”.

خلاصة الكلام: أنّ ابن قدامة يرى أنّ رفع اليديْن في الصلاة؛ سواء عند تكبيرة الإحرام، أو عند الركوع، أو الرفع من الركوع، سُنّة.

ثم يقول: ويبتدئ رفْع يديه مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انقضاء تكبيره. ولا يسبق أحدهما صاحبه. فإذا انقضى التكبير حطّ يديْه -أي: أنزلهما-. فإن نسي رفْع اليديْن حتى فرغ من التكبير، لم يرفعْهما لأنه سُنّة فات محلّها.

ثم يقول أيضًا: والإمام والمأموم والمنفرد في هذا سواء، وكذلك الفريضة والنافلة؛ لأن الأخبار لا تفريق فيها.

يقول ابن رشد إن سبب اختلافهم: معارضة ظاهر حديث أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض الصلاة -وهو الحديث المشهور بحديث المسيء صلاته- فهذا الحديث معارض لفعْله صلى الله عليه وسلم كيف ذلك؟

لأنّ حديث أبي هريرة إنّما فيه: أنه قال له: «وكبِّرْ»، ولم يأمره برفْع يديْه، بينما الذي ثبت عنه صلى الله عليه وسلم مِن أفعاله ومِن صلاته من حديث ابن عمر وغيره: ((أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وكذلك إذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع))، والحديث متّفق عليه.

مقتضى ذلك: أن هناك تعارضًا بيْن ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته حيث لم يأمره برفْع اليديْن وإنّما أمَره بالتكبير فقط بينما فعْل النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه رفْع اليديْن حذو المنكبيْن.

ثانيًا: المواضع التي تُرفع فيها اليدان:

يقول ابن رشد في هذه الجزئية: “ذهب أهل الكوفة -أي: أبو حنيفة- وسفيان الثوري، وسائر فقهاء الرأي، إلى: أنه لا يرفع المصلِّي يديْه إلاّ عند تكبيرة الإحرام فقط؛ وهي رواية ابن القاسم عن مالك.

وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وجمهور أهل الحديث، وأهل الظاهر، إلى: الرفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع.

وهو مروي أيضًا عن مالك -إذًا الإمام مالك عنده روايتان: رواية يوافق فيها الحنفية، وهي: أنّ الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط، ورواية يوافق فيها الشافعية والحنابلة، وهي: أن التكبير عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع-إلاّ أنه عند بعض أولئك -أي: المذكورين- عند بعضهم فرْض، ولكنه عند مالك سُنّة. وذهب بعض أهل الحديث إلى رفْع اليديْن أيضًا عند السجود، وعند الرفع منه.

يقول ابن قدامة في هذه الجزئية تحت قول الخرقي:

فنجد الخرقي يقول تحت عنوان “مسألة: ويرفع يديْه كرفْعه الأوّل -يعني: يرفعهما إلى حذو منكبيْه، أو إلى فروع أذنيْه، كفعله عند تكبيرة الإحرام- ويكون ابتداء رفْعه عند ابتداء تكبيره، وانتهاؤه عند انتهائه -وتلك هي تكبيرة الركوع- وبهذا قال: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، وأنس، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير وغيرهم من التابعين. وهو مذهب ابن المبارك، والشافعي، وإسحاق، ومالك في إحدى الروايتيْن عنه.

وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يرفع يديْه إلاّ في الافتتاح -يعني: تكبيرة الإحرام- وهو قول إبراهيم النخعي، لِما روي عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: “ألاَ أصلّي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلّى فلم يرفعْ يديْه إلاّ في أوّل مرة”.

قال الترمذي: هذا حديث ابن مسعود حسَن، روى يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديْه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود».

قالوا: والعمل بهذيْن الحديثيْن أوْلى، لأن ابن مسعود كان فقيهًا ملازمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عالِمًا بأحواله وباطن أمْره وظاهره، فتُقدَّم روايته على رواية مَن لم يكن حاله كحاله.

قال النخعي لرجل روى حديث وائل بن حجر: لعل وائلًا لم يُصَلِّ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ تلك الصلاة، فنرى أن نترك رواية عبد الله الذي لعلّه لم يفُتْه مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة، ونأخذ برواية هذا؟ -أو كما قال-.

يقول ابن قدامة: ولنا: ما روى الزهري عن سالم، عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة رفَع يديْه حتى يحاذي بهما منكبيْه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود)).

قال البخاري: قال علي بن المديني؛ وكان أعلَم أهل زمانه: “حق على المسلمين: أن يرفعوا أيديَهم لهذا الحديث” -أي: في المواضع الثلاثة: تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع-.

وقال الحسن: رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم إذا كبّروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رءوسهم، كأنها المراوح.

السبب في اختلاف الفقهاء في رفْع اليديْن في هذه المواضع:

يقول ابن رشد: السبب في هذا الاختلاف كلّه: اختلاف الآثار الواردة في ذلك، ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها.

ثم يبيِّن ذلك فيقول: وذلك أن في ذلك أحاديث:

الحديث الأول: حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه أصحاب “السنن” بسند ضعيف، كما قال عنه ابن قدامة، وحديث البراء بن عازب الذي رواه أبو داود أيضًا بسند ضعيف، كما قال ابن قدامة في رواية عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب: “أنه كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة، لا يزيد عليها”.

الحديث الثاني: حديث ابن عمر، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفَع يديْه حذْو منكبيْه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضًا كذلك، وقال: “سمع الله لِمن حمده، ربنا ولك الحمد”. وكان لا يفعل ذلك في السجود»، وهو حديث متفق على صحّته.

وزعموا: أنه روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلًا من أصحابه.

الحديث الثالث: حديث وائل ابن حُجْر، وفيه على ما في حديث عبد الله بن عمر: «أنه كان يرفع يديْه عند السجود».

إذًا، نحن أمام ثلاثة أحاديث متعارضة أو أربعة: الحديثان الأولان: حديث ابن مسعود وحديث البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة، ولا يزيد عليها.

وحديث ابن عمر، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديْه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع.

أمّا حديث وائل بن حُجْر، ففيه زيادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديْه عند السجود أيضًا، فأضاف إلى الإحرام، وإلى الركوع، وإلى الرفع من الركوع، أضاف إلى ذلك كلّه: السجود. إذًا، الأحاديث متعارضة.

يقول ابن رشد في التعليق على ذلك كلّه:

فمَن حمَل الرفْع ها هنا على أنه ندب أو فريضة:

فمنهم من اقتصر به على الإحرام فقط ترجيحًا؛ لحديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب؛ وهو مذهب مالك، لموافقة الحديثيْن لِعمَل أهل المدينة.

ومنهم من رجّح حديث عبد الله بن عمر، فرأى الرفع في الموضعيْن -أي: عند الركوع وعند الافتتاح- لشُهرته، وعند أيضًا الرفع من الركوع عند قول: “سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد”، واتفق الجميع عليه. ومن كان رأيه من هؤلاء أنّ الرفع فريضة، حمَل ذلك على الفريضة. ومَن كان رأيه أنه ندْب، حمّل ذلك على النّدْب.

إذًا، ذلك وجْه الترجيح. لكن هناك من العلماء مَن ذهب مذهب الجمع، وقال: إنه يجب أن تجمع هذه الزيادات بعضها إلى بعض على ما في حديث وائل ابن حُجْر -رحمه الله- إذًا، العلماء ذهبوا في هذه الآثار الأربعة مذهبيْن: مذهب الترجيح، ومذهب الجمْع.

ثالثًا: الحدّ الذي تُرفع إليه اليدان، أو إلى أين ينتهي الرّفع؟:

أمّا عن الحدّ الذي تُرفع إليه اليدان، هل ترفع إلى المنكبيْن؟ أو تُرفع إلى الأذنيْن؟ أو ترفع إلى الصدر؟.

يقول ابن رشد، ويحكي اختلاف العلماء في ذلك: ذهب بعضهم إلى: أنه المنكبان -يعني: الحدّ- وهذا رواه الجماعة، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد في الرواية المشهورة عنه، وجماعة.

وذهب بعضهم إلى: رفعهما إلى الأذنيْن؛ وقد رواه الجماعة إلاّ الترمذي، وبه قال أبو حنيفة. وذهب بعضهم إلى: رفعهما إلى الصدر؛ وقد رواه أبو داود.

وكل ذلك مرويّ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أنّ أثبت ما في ذلك: أنه كان يرفعهما حذْو منكبيْه، وعليه الجمهور، والرفع إلى الأذنين أثبت من الرفع إلى الصدر وأشهر.

ويقول ابن قدامة في هذه المسألة:

وهو مُخيّر في رفعهما إلى فروع أذنيْه أم حذو منكبيْه؛ ومعناه: أن يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع. وإنّما خيِّر لأن كِلا الأمريْن مرويّ عن رسول الله” ثم يقول: “ومَن ذهب إلى أن يرفع إلى حذو أذنيْه فحسن، وذلك لأن رواة الأوّل أكثر وأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وجوّز الآخر لأن صحّة روايته كانت تدلّ على أنهصلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا مرّة، وهذا مرّة.

ثم يضيف ابن قدامة في توضيح كيفيّة الرفع، وكيف تكون الأصابع، فيقول: يُستحب أن يمدّ أصابعه وقت الرفع، ويضمّ بعضها إلى بعض، لِما روى أبو هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا». وقال الشافعي: “السُّنّة: أن يفرِّق أصابعه، لِما روي عن أبي هريرة: «أنّ النبيصلى الله عليه وسلم كان ينشر-يفرّق- أصابعه للتكبير».

ما العمل إذا نسي رفْع اليديْن حتى فرغ من التكبير؟

قال: لا يرفعهما؛ لأنه سُنّة فات محلّها.

ما العمل إن ذكَر أنه لم يرفع يديْه في أثناء التكبير؟

يرفعهما؛ لأن المحلّ باقٍ. فإن لم يمكنه رفْع يديْه إلى المنكبيْن، رفَعهما قدْر ما يمكنه -يعني: مطلق الرّفع أوْلى من عدم الرفع-. فلو رفعهما ولو يسيرًا إلى الصّدر أو قريبًا من المنكبيْن لا إلى الأذنيْن فذلك مقبول؛ لأن المحل باقٍ. فإن لم يُمكنه رفْع اليديْن إلى المنكبيْن، رفعهما قدْر ما يمكنه، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعَها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمَرْتُكم بأمْر فأْتوا منه ما استطعتُم».

سُنِّيّة رفْع اليديْن: سواء عند تكبيرة الإحرام، أو عند الركوع أو عند الرفع من الركوع، كما هو رأي الجمهور -الشافعية، والمالكية، والحنابلة- يستوي فيها الإمام، والمأموم، والمنفرد.

يقول ابن قدامة: “والإمام، والمأموم، والمنفرد في هذا سواء أيضًا؛ سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة؛ التكبير ورفع اليدين مطلوب في الفريضة والنافلة؛ لأن الأخبار لم تفرِّق بين ما هو فريضة وبين ما هو نافلة. ولم يَرِدْ أمْر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ رفْع اليديْن في الفرائض وليس في السُّنن، وما دام لا يوجد تفريق فالرفع مطلوب في جميع الصلوات.

أمّا المرأة، فذكر القاضي فيها روايتيْن عن الإمام أحمد:

الرواية الأولى: أنها ترفع مثْل الرجُل، لما روى الخلال بإسناده عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين: أنهما كانتا ترفعان أيديهما. وهو قول طاوس. ولأن مَن شُرع في حقّه التكبير، شُرع في حقّه كالرجُل؛ فعلى هذا، ترفع قليلًا. قال أحمد: رفْع دون الرفع -أي: ما يبقي على ستْر بدنها، وليس رفعًا عاليًا كما يفعل الرّجَال-.

الراوية الثانية: أنّ الرفع بالنسبة للمرأة لا يُشرع، فهو غير مسنون ولا مستحب، ومن باب أوْلى ليس فريضة عند من يقول: إنه فريضة، لأن رفْع اليديْن في معنى التجافي -أي: إبعاد اليديْن عن الجنبيْن- ولا يُشرع ذلك للمرأة؛ بل إن المرأة مأمورة أن تجمع نفسها في الركوع والسجود وسائر صلاتها، لأن ذلك أستر لها.

والذي عليه جمهور العلماء: أنّ الرفع حذو المنكبيْن. وأمّا الرفع إلى الأذنيْن، فهو أقلّ من حذو المنكبيْن. وكذلك الرفع إلى الصدر أقلّ من الأذنيْن. ومن هذا يتبيّن لنا لماذا أورد ابن رشد هذه المسألة في الأركان؛ لأنها من الأفعال التي اختلف الفقهاء حول حُكمها: هل هي فرْض كما رأينا عند بعضهم، أم أنها سُنّة عند الجمهور؛ وبالتالي أوردها ابن رشد ضِمن المسائل الثمانية في الأفعال التي هي مندرجة تحت الفصل الثاني: الأفعال التي هي أركان.

المسألة الثانية: الاعتدال من الركوع وفي الركوع:

يقول ابن رشد: إن الفقهاء اختلفوا في ذلك:

فمنهم: مَن أوجب هذا الاعتدال، ومنهم: مَن لم يوجبْه، واعتبره سُنّة. فقد ذهب أبو حنيفة إلى: أنّ الاعتدال من الركوع وفي الركوع أيضًا -أي: استواء الجسم أثناء الركوع- غير واجب، وكذلك الأمر بالنسبة للسجود، بل هو سُنة. هذا رأي أبي حنيفة وأصحابه.

أمّا الشافعي ومالك، والمشهور مِن مذهب الإمام أحمد، فعلى: أن الاعتدال من الركوع واجب. ثم اختلف أصحاب مالك: هل ظاهر مذهب الإمام مالك يقتضي أن يكون الاعتدال سُنّة أو واجبًا؟ إذ لم يُنقل عنه نص في ذلك، مع أنّ المشهور عن الإمام مالك هو: أن الاعتدال من الركوع واجب، كما قال الشافعي وأحمد.

ويحكي ابن رشد السبب في اختلاف الفقهاء على هذيْن المذهبيْن في الاعتدال من الركوع، فيقول:

هل الواجب الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم، أم بكل ذلك الشيء الذي ينطلق عليه الاسم؟ -يعني: إذا كان الله تعالى أمَر بالركوع، أو النبي صلى الله عليه وسلم أمَر بالركوع أو بالرفع من الركوع، كما جاء في حديث المسيء صلاته، هل يتحقّق ذلك بأقلّ القليل، أم لا بد من الكلّ أو الكثير؟.

فمَن كان الواجب عنده الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم، لم يشترط الاعتدال في الركوع. ومَن كان الواجب عنده الأخذ بالكلّ، اشترط الاعتدال الكامل. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث المتقدّم -أي: حديث المسيء صلاته- الذي رواه الشيخان، قال للرجل الذي علّمه فروض الصلاة: «اركعْ حتى تطمئنّ راكعًا، وارفعْ حتى تطمئنّ رافعًا». فالواجب: اعتقاد كونه فرضًا.

وعلى هذا الحديث عوّل كلّ من رأى الأصل ألَّا تحمل أفعاله صلى الله عليه وسلم في سائر أفعال الصلاة ممّا لم يُنصّ عليها في هذا الحديث على الوجوب، حتى يدلّ الدليل على ذلك. يعني: نقف عند حدود تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته، ونأخذ بما جاء فيها على أنه واجب. أمّا غيرها، فلا يجب إلاّ بنص من النبي صلى الله عليه وسلم حتى يدلّ الدليل على ذلك.

ومن قبِل هذا، لم يرَوْا رفْع اليديْن فرضًا. يعني: ما دام عندهم ليس فرضًا، إذًا من باب أوْلى رفْع اليديْن ليس فرضًا، فيما عدا تكبيرة الإحرام، والقراءة من الأقاويل التي في الصلاة.

يقول ابن رشد: “فتأمّلْ هذا، فإنه أصل مناقض للأصل الأوّل، وهو سبب الخلاف في أكثر هذه المسائل”. يعني: يقولون بوجوب أشياء لم يَرِد الدليل على وجوبها، وفي نفس الوقت يرفضون وجوب أشياء يدلّ الدليل على قبولها.

بهذا نكون قد انتهينا من المسألة الثانية، ومنها يتبيّن أنّ الاعتدال من الركوع أو الرفع منه واجب عند الشافعي، ومالك في المشهور عنه، وأحمد، وليس واجبًا عند أبي حنيفة وأصحابه،وبعض أصحاب مالك.

error: النص محمي !!