Top
Image Alt

حكم صلاة الجماعة

  /  حكم صلاة الجماعة

حكم صلاة الجماعة

الفصل الأوَّل: في معرفة حُكم صلاة الجماعة:

وصلاة الجماعة: عبارة عن صلاة اثنيْن معًا، أو أكثر من ذلك؛ لأنَّ صلاة الجماعة تختلف عن صلاة المنفرد.

فالمُنفرد، هو: الشخص الذي يُصلِّي وحده، سواء كان رجلًا أو امرأة.

أمّا صلاة الجماعة: فهي تضم اثنيْن، على اعتبار أنّ أقلّ الجمْع: اثنان -كما يقول بعض علماء اللغة- أو ثلاثة. فهي عبارة عن: صلاة اثنيْن أو أكثر من اثنيْن مع بعضهما البعض؛ وذلك بأن يكون واحد منهم إمامًا، والباقون مأمومِين. هذه الإمامة، وهذه الصلاة التي تُسمّى صلاة الجماعة عقد ابن رشد لها فصلًا أو سبعة فصول. في الفصل الأول، يتحدّث عن معرفة حُكم هذه الصلاة.

ويذكر تحت هذا الفصل مسألتيْن:

المسألة الأولى: هل صلاة الجماعة واجبة على من سَمع النداء؟ أي: على كلِّ مَن يسمع الأذان، أن يُلبِّي النداء ويجيب المؤذّن، ويحضر صلاة الجماعة؟ أم ليست بواجبة؟ هذه مسألة.

المسألة الثانية: إذا دخل الرجل المسجد وكان قد صلّى من قبْل، هل يجب عليه أن يصلّي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاّها -يعني: مرّة ثانية مع الجماعة-؟ أم لا يجب عليه ذلك؟

نحن إذًا أمام مسألتيْن:

المسألة الأولى: حُكم الجماعة على من سمع النِّداء، واختلاف الفقهاء في ذلك:

أ. ما قاله ابن رشد:

عنون لها ابن رشد بقوله: وجوب الجماعة على مَن سمِع النِّداء. لكنه حكى تحت هذا الوجوب اختلافًا للعلماء، فقال:

“المسألة الأولى: فإنّ العلماء اختلفوا فيها: فذهب الجمهور إلى: أنّها -يعني: صلاة الجماعة- سُنّة. ومن هؤلاء: المالكية. وذهب غيرهم إلى: أنها فرْض على الكفاية؛ وذلك رأي الشافعي وأبي حنيفة”. ومعنى الفرض على الكفاية: أنه إذا فعَله أو قام به بعض المسلمين، سقط التكليف أو الإثم عن الآخَرين. أمّا إذا هجَر جميع الناس صلاة الجماعة، كانوا جميعًا آثمين. فهناك فرق بين فرْض الكفاية الذي يقوم به البعض، ويُغني ذلك عن قيام الآخَرين به، وبين فرْض العيْن الذي هو متعيِّن على كلِّ شخص بذاته، لا يُغني عنه في ذلك أحدٌ آخَر.

فذهب بعض الفقهاء إلى: أنّ صلاة الجماعة فرْض على الكفاية؛ ومن هؤلاء: الشافعي، وأبو حنيفة. وذهبت الظاهرية، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل إلى أنّ صلاة الجماعة فرْض مُتعيِّن -يعني: فرض عين- على كلِّ مكلّف؛ بحيث إذا فعل ذلك الفرضَ بعضُ الناس لم يسقط التكليف عن الأفراد الآخَرين الذين لم يُصلّوا صلاة الجماعة. ومعنى ذلك أيضًا: أنّ من لم يؤدِّ الصلاة في جماعة يكون آثمًا، ولا يُغني عنه أحد في ذلك.

نحن إذًا أمام ثلاثة آراء في حُكم صلاة الجماعة:

الرأي الأوّل: وهو رأي الجمهور: أنها سُنّة.

الرأي الثاني: أنها فرْض على الكفاية، إذا فعلَه البعضُ سقَط التكليف عن الباقين.

الرأي الثالث: أنها فرْض عيْن على كلِّ شخص بذاته؛ وذلك مذهب الظاهرية، والإمام أحمد بن حنبل.

المسألة الثانية: مَن دَخل على جماعة وكان قد صلّى، هل يُعيد الصلاة مع الجماعة؟

المسألة الثانية، وهي مسألة خاصّة بما إذا صلّى الرجل صلاة الظهر، أو العصر، أو الصلوات الخمس منفردًا، ثم وجَد جماعة، هل عليه أن يُعيد الصلوات مع الجماعة؟ أو لا يجب عليه ذلك؟ وما حُكم من أدّى الصلاة في جماعة، ثم وجد جماعة أخرى، هل يعيد الصلاة مع الجماعة الأخرى؟ وما حُكمها حينئذٍ؟ هل تكون الصلاة الثانية فريضة أو نافلة؟ هذا ما نتبيّنه في المسألة الثانية، كما ذكر ابن رشد -رحمه الله-.

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول: “مَن دخل على جماعة وكان قد صلّى” أمّا المسألة الثانية: فإنّ الذي دخل المسجد وقد صلّى، لا يخلو من أحد وجهيْن: إمّا أن يكون صلّى منفردًا، وإمّا أن يكون صلّى في جماعة”. يفصل هذا الاستفهام بقوله: “فإن كان صلّى منفردًا، فقد اختلف العلماء في ذلك. فقال قوم: يعيد معهم -أي: مع الجماعة- كلّ الصلوات إلَّا المغرب فقط. وممّن قال بهذا القول: مالك وأصحابه. وقال أبو حنيفة: يُعيد الصلوات كلّها إلَّا المغرب والعصر. وقال الأوزاعي: يعيد الصلوات كلّها إلَّا المغرب والصبح. وقال أبو ثور: يعيد الصلوات كلّها إلَّا العصر والفجر. وقال الشافعي: يعيد الصلوات كلّها”.

معنى ذلك: أن هناك اتّفاقًا بين الأئمة أو جمهورهم على: وجوب إعادة الصلاة لِمَن صلَّاها منفردًا.

ولذلك يقول ابن رشد: “وإنما اتّفقوا على إيجاب إعادة الصّلاة عليه بالجملة، لحديث بشر بن محمد عن أبيه”. وهنا نتوقّف قبل رواية الحديث. ابن رشد ذكَر في المسألة السابقة -وهي المسألة الأولى-: أنّ جمهور العلماء على أنّ صلاة الجماعة سُنّة، فما بالُه هنا يقول: “وإنما اتّفقوا على إيجاب…”؟ مع أنّ صلاة الجماعة في جُملتها سُنّة وليست فرضًا “فرْض عين” كما قال الظاهرية؟ إذًا كلمة “إيجاب” هنا تحتمل السُّنّية؛ ولذلك قال المعلِّق -محقّق الكتاب: بل الاتفاق على سُنِّية إعادة الصلاة، وليس على إيجاب ذلك.

أمّا بشر بن محمد، فيقول المعلِّق أيضًا: الصواب أنه بشر بن محجن، وليس بشر بن محمد. على كل حال، الذي يهمّنا هو: الحديث. الشاهد عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين دخل المسجد ولم يُصلِّ معه: ((ما لَك لم تُصلِّ مع الناس؟ ألستّ برجل مسلم؟ فقال: بلى، يا رسول الله، ولكني صلّيتُ في أهلي. فقال صلى الله عليه وسلم: إذا جئتَ فصلِّ مع الناس، وإن كنتَ قد صلّيْتَ)).

فاختلف الناس في حُكم الإعادة، وفيما يُعاد من هذه الفرائض الخمسة؛ لاحتمال تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل. يفصل ذلك بقوله: “فمَن حمَله على عمومه؛ أوجب عليه إعادة الصلوات كلِّها، وهو مذهب الشافعي -كما سبق-. وأمّا من استثنى من ذلك صلاة المغرب فقط؛ فإنه خصّص العموم بقياس الشّبه، وهذا هو الإمام مالك؛ لأنه زعم أنّ صلاة المغرب هي وتر، فلو أُعيدت لأشبهت صلاة الشفع التي ليست بوتر؛ لأنها كانت تكون بمجموع ذلك -يعني: الصلاة الأولى ثم الإعادة- ستّ ركعات، فكأنها كانت تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة أخرى، وذلك مُبطل لها.

error: النص محمي !!