Top
Image Alt

حكم قراءة ترجمة القرآن الكريم والصلاة بها

  /  حكم قراءة ترجمة القرآن الكريم والصلاة بها

حكم قراءة ترجمة القرآن الكريم والصلاة بها

أقوال فقهاء المذاهب الأربعة في حكم قراءة الترجمة والصلاة بها:

مذهب الشافعية:

قال في (المجموع): مذهبنا -أي: الشافعية- أنه لا يجوز قراءة القرآن الكريم بغير لسان العرب سواء أمكنته العربية أم عجز عنها، وسواء أكان في الصلاة أم في غيرِها، فإن أتى بترجمتِهِ في صلاةِ بدلًا منها لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا، وبه قال جماهير العلماء -منهم: مالك وأحمد وأبو داود.

وقال الزركشي في (البحر المحيط): لا تجوز ترجمة القرآن بالفارسية ولا بغيرها، بل تجب قراءته على الهيئة التي يتعلق بها الإعجاز، لتقصير الترجمة عنه، ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسن، كما جاء في (حاشية ترشيح المستفيدين): من جَهِلَ الفاتحة لا يجوز له أن يترجم عنها، لقوله تعالى: {إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، والأعجمي ليس كذلك وللتعبد بألفاظ القرآن، كما جاء في (الإتقان) للسيوطي: لا تجوز قراءة القرآن بالمعنى؛ لأن جبريل أداه باللفظ ولم يُبِحْ له إيحاءه بالمعنى.

هذا كلام بعض أئمة الشافعية في بيان أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن الكريم بلغة أجنبية.

مذهب المالكية:

جاء في (حاشية الدسوقي على شرح الدردير) وهو من كتب المالكية لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية، بل لا يجوز التكبير في الصلاة بغيرها، ولا بمرادفه من العربية، فإن عجز النطق بالفاتحة بالعربية وجب عليه أن يَأْتَمَّ بمن يحسنها، فإن أمكنه الائتمام ولم يأتم بطلت صلاته، وإن لم يجد إمامًا سقطت عنه الفاتحة، وذكر الله تعالى وسبحه بالعربية، وقالوا: على كل مُكَلَّفٍ أن يتعلم الفاتحة بالعربية، وأن يبذل وسعه في ذلك، ويجهد نفسه في تعلمها وما زاد عليها إلا أن يحول الموت دون ذلك، وهو بحال الاجتهاد فيعذر.

وجاء في (المدونة): سألت ابن القاسم عمن افتتح الصلاةَ بالأعجمية وهو لا يعرف العربية ما قول مالك فيه؟ فقال: سئل مالك عن الرجل يحلف بالأعجمية فَكَرِهَ ذلك، وقال: أمَّا يقرأ أمَّا يصلي إنكارًا لذلك، أي: ليتكلم بالعربية لا بالأعجمية. قال: وما يدريه ما الذي قال؟ أهو كما قال، أي: الذي حلف به أنه هو الله، ما يدريه أنه هو أم لا؟ قال: قال مالك: أكره أن يدعو الرجل بالأعجمية في الصلاة، ولقد رأيت مالكًا يكره العجمي أن يحلف بالعجمي ويستثقله، قال ابن القاسم: وأخبرني مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن رطانة الأعاجم وقال: “إنها خِبٌّ”، أي خبثٌ وغش.

مذهب الحنابلة:

جاء في (المغني) ولا تجزئه القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظ عربي سواء أحسن القراءة بالعربية أم لم يحسن، ثم قال: فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم؛ فإن لم يفعل على القدرة عليه لم تصح صلاته، وهذا كلام في غاية الوضوح.

قال ابن حزم في كتابه (المُحَلَّى): من قرأ أم القرآن أو شيئًا منها أو شيئًا من القرآن في صلاته مترجمًا بغير العربية أو بألفاظ عربي غير الألفاظ التي أنزل الله تعالى عامدًا لذلك أو قدَم كلمة عامدًا لذلك بطلت صلاته، وهو فاسق؛ لأن الله تعالى قال: {إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وغير العربي ليس عربيًّا فليس قرآنًا. وإحالة عربية القرآن تحريف لكلام الله، وقد ذمَّ الله تعالى من فعلوا ذلك؛ فقال: {مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ وَلَوْ أَنّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46] ومن كان لا يحسن العربية؛ فليذكر الله تعالى بلغته لقوله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ولا يحل له أن يقرأ أم القرآن ولا شيئًا من القرآن الكريم مترجمًا على أنه الذي افْتُرِض عليه أن يقرأه؛ لأنه غير الذي افترض عليه كما ذكرناه فيكون مفتريًا على الله -تبارك وتعالى.

مذهب الحنفية:

اختلفت نُقُولُ الحنفيةِ في هذا المقام، واضطرب النقل بنوع خاص عن الإمام أبي حنيفة -رحمه الله تبارك وتعالى- وأنا هنا سأختصر لك الطريق بإيراد كلمة فيها تلخيص للموضوع وتوفيق بين النقول، أنقلها من مجلة الأزهر من المجلد الثالث صفحة 32 و33 و66 و67، وقد كتب هذه المقالة عالم كبير من علماء الأحناف، قال فيها: أجمع الأئمة على أنه لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية خارج الصلاة، ويمنع فاعل ذلك أشد المنع؛ لأن قراءته بغيرها من قبيل التصرف في قراءة القرآن بما يخرجه عن إعجازه، بل بما يوجب الركاكة.

وأما القراءة في الصلاة بغير العربية: فتَحْرُم إجماعًا؛ للمعنى المتقدم، لكن لو فرض وقرأ المصلي بغير العربية أتصح صلاته أم تفسد، قال: ذكر الحنفية في كتبهم: أن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- كان يقول أولًا: إذا قرأ المصلي بغير العربية مع قدرته عليها اكتفي بتلك القراءة، ثم رجع عن ذلك، وقال: متى كان قادرًا على العربية ففرضه قراءة النظم العربي، ولو قرأ بغيرها فسدت صلاته لخلوها من القراءة مع قدرته عليها والإتيان بما هو جنس من كلام الناس؛ حيث لم يكن المقروء قرآنًا. ورواية رجوع الإمام هذه تعزى إلى أقطاب في المذهب، منهم: نوح بن مريم وهو من أصحاب أبي حنيفة، ومنهم: علي بن الجعد، وهو من أصحاب أبي يوسف، ومنهم: أبو بكر الرازي، وهو شيخ علماء الحنفية في عصره بالقرن الرابع.

ولا يخفى أن المجتهد إذا رجع عن قوله لا يعد ذلك المرجوع قولًا له؛ لأنه لم يرجع عنه إلَّا أن بعد أن ظهر له أنه ليس بصواب؛ وحينئذٍ لا يكون في مذهب الحنفية قولٌ بكفاية القراءة بغير العربية في الصلاة للقادر عليها، فلا يصح التمسك به، ولا النظر إليه؛ لا سيما أن إجماع الأئمة، ومنهم: أبو حنيفة صريح في أن القرآن اسم للفظ المخصوص الدال على المعنى لا المعنى وحده.

أما العاجز عن قراءة القرآن بالعربية: فهو كالأمي في أنه لا قراءة عليه، ولكن إذا فرض أنه خالف وأدَّى القرآن بلغةٍ أخرى؛ فإن كان ما يؤديه أو أمرًا أو نهيًا فسدت صلاته؛ لأنَّهُ متكلم بكلام وليس ذكرًا، وإن كان ما يؤديه ذكرًا أو تنزيهًا لَا تفسد صلاته؛ لأن الذكر بأيِّ لسانٍ لا يفسد الصلاة؛ لأن القراءة بترجمة القرآن جائزة، وقد مضى القول ببيان ذلك، والترجمة المحظورة هي ترجمة نقل القرآن بألفاظه إلى لغةٍ أخرى.

هذه هي أقوال أئمة المذاهب الأربعة في هذه الترجمة، وحكم قراءة القرآن بهذه الترجمة، وحكم أيضًا الصلاة بهذه الترجمة.

2. موقف الأزهر الشريف من ترجمة القرآن الكريم:

منذ بضع سنوات اتجه الأزهر اتجاه قويًّا إلى بحثِ موضوعِ ترجمةِ القرآنِ الكريمِ، وانتهى الأمر بعد طول النقاش والحوار إلى أن قررت مشيخته الجليلة ترجمةَ تفسيره، وَتَأَلَّفَتْ بالفعل لجنةٌ من خيرة علمائه، ورجالات وزارة المعارف والتربية والتعليم اليوم لوضع تفسيرٍ عربيٍّ دقيقٍ للقرآن تمهيدًا لترجمته ترجمة دقيقة بواسطة لجنة فنية مختارة، وقد اجتمعت لجنة التفسير بضع مرات برئاسة العلامة الباحث مفتي مصر الأكبر في الوقت الذي اجتمعوا فيه، وكان من أثر هذه الاجتماعات أن وضعت دستورًا تلتزمه في عملها العظيم، ثم بعثت بهذا الدستور إلى كبار العلماء والجماعات الإسلامية في الأقطار الأخرى لتستطلعهم آرائهم في هذا الدستور رغبةً منها في أن يخرج هذا التفسير العربي في صورةِ مَا أُجْمِعَ عليه.

وبما أن هذا الدستور قد حوى من ألوان الحيطة والحذر ما يتفق وجلال الغاية، فإني هنا سأعرض بعض مواد هذا الدستور وقواعده؛ لتضيفها إلى ما أبديته سابقًا من تحفظات عن ترجمة القرآن الكريم بمعنى نقل لفظه إلى لغة أخرى لا تفسيره، وعلى طالب العلم أن ينتبه إلى ذلك، وقبل أن أذكر هذه القرارات أو القواعد التي ذكرها علماء الأزهر عندما اجتمعوا سابقًا للكلام والحكم على هذه المسألة أود أن ألفت نظر الطالب إلى أن الأزهر بهذه القواعد لا يرى أبدًا أنه يجوز ترجمة القرآن الكريم، بمعنى أن ننقل ألفاظ القرآن الكريم إلى ألفاظ لغة أخرى.

القواعد التي قررها المجتمعون في مشيخة الأزهر حول ترجمة تفسير القرآن الكريم:

فقد جاءت كما ذكرتها مجلة الأزهر في الجزء السابع في الصفحة ستمائة وثمانية وأربعين، وستمائة وتسعة وأربعين، وهي كما يلي:

الأول: أن يكون التفسير خاليًا ما أمكن من المصطلحات والمباحث العلمية إلا ما استدعاه فهمُ الآية.

الثاني: ألا يُتَعرض فيه للنظريات العلمية، فلا يذكر -مثلًا- التفسير العلمي للرعد والبرق عند آية فيها رعد وبرق، ولا يذكر أيضًا رأي الفلكيين في السماء والنجوم عند آية فيها سماء ونجوم، إنما تفسر الآية بما يدل عليه اللفظ العربي، ويوضح موضع العبرة والهداية فيها.

الثالث: إذا مست الحاجة إلى التوسع في تحقيق بعض المسائل وضعته اللجنة في حاشية التفسير.

الرابع: ألا تخضع اللجنة إلا لما تدل عليه الآية الكريمة، فلا تتقيد بمذهب معين من المذاهب الفقهية ولا مذهب معينٍ من المذاهب الكلامية وغيرها، ولا تتعسف في تأويل آيات المعجزات وأمور الآخرة ونحو ذلك.

الخامس: أن يفسر القرآن الكريم بقراءة حفص، ولا يتعرض لتفسير قراءات أخرى إلَّا عند الحاجة إليها.

السادس: أن يجتنب التَّكَلُّف في ربط الآيات والسور بعضها ببعض.

السابع: أن يذكر من أسباب النزول ما صَحَّ بعد البحث وأعان على فهم الآية.

الثامن: عند التفسير تذكر الآية كاملةً أو الآيات إذا كانت كلها مرتبطةً بموضوعٍ واحدٍ، ثم تحرر معاني الكلمات في دقة، ثم تفسر معاني الآية أو الآيات مسلسلة في عبارة واضحة قوية، ويوضع سبب النزول والربط وما يؤخذ من الآيات في الوضع المناسب.

التاسع: ألَّا يُصَارَ إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الآيات.

العاشر: يوضع في أوائل كل سورة ما تصل إليه اللجنة من بحثها في الصورة أمكية هي أم مدنية، وماذا في السورة المكية من آيات مدنية والعكس.

الحادي عشر والأخير: توضع للتفسير مقدمة في التعريف بالقرآن وبيان مسلكه في كل ما يحتويه من فنونه كالدعوة إلى الله، وكالتشريع والقصص والجدل، ونحو ذلك، كما يذكر فيها منهج اللجنة في تفسيرها.

وبهذا البيان من الأزهر الشريف يتبين لنا أنهم لا يجيزون إلا تفسير القرآن الكريم، وإذا أطلقت الترجمة على هذا التفسير بهذا المعنى فلا حرج في ذلك.

هذا، وبالله التوفيق.

error: النص محمي !!