Top
Image Alt

حكم من يتمسك بالديمقراطية الغربية، وحكمها في ذاتها

  /  حكم من يتمسك بالديمقراطية الغربية، وحكمها في ذاتها

حكم من يتمسك بالديمقراطية الغربية، وحكمها في ذاتها

نكمل الكلام على ما يتعلق بالديمقراطية؛ وذلك ببيان حكم مَن يتمسك بها، وحكمها في ذاتها، وموقف الإسلام منها.
حكم مَن يتمسك بالديمقراطية الغربية:
أما منزلتها في الإسلام:
فقد ظهر أن بعض المنخدعين بها قد تصور أنه لا فرقَ بين الديمقراطية وبين الإسلام، بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام، ولا شك أن من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحًا لا خفاء فيه، والقائل بعدم الفرق إما أن يكون جاهلًا، أو مخادعًا، أو ملحدًا مغالطًا. ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية، أو غير ذلك، هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولا بد أن يحصل الاختلاف بكل بساطة ووضوح، حلول الإسلام دائمة وعامة، وحلول الديمقراطية مؤقتة ولمصالح.
كما أن تعاليم الإسلام جاءت من رب العالمين عالم الغيب والشهادة، بينما تعاليم الديمقراطية لم تقم إلا بتجارب البشر، وبالاحتجاجات ضد طغيان السلطات الرأسمالية، وقبلها الإقطاع وبالمظاهرات الصاخبة والاضطرابات المتوالية، إلى أن ترقوا بمفهوم الديمقراطية إلى ما وصلوا إليه في ظاهر الأمر، بينما الأمر في الإسلام يختلف تمامًا. ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى سلوك مثل تلك المهام، ولا يحتاجون إلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية؛ ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة، وفي غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي، وفي أتم ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يُطالب بها غيره.
ومَن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية، كما أن تعاليم الإسلام تجعل المرءَ يشعر ويحس بمسئوليته أمام الله تعالى، وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى التي لا تصل إليها أي قوة غير قوة مراقبة الله -تبارك تعالى، التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه، ومعاملته لإخوانه المسلمين، بل ومع غير المسلمين في تنظيم بديع لن يصل إليه، بل ولن يقاربه أي تنظيم بشري، وهو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى، وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه، وسلوك ينتج عن غيره.
فما من شخص يزعم أن الديمقراطية هي التي تحقق السعادة للشعوب، أو أنها أرحم من التعاليم الربانية، ما من شخص يزعم ذلك إلا وتجده إما جاهلًا جهلًا مركبًا، وإما ملحدًا لا يعرف عن حقيقة الإسلام شيئًا، أو مخدوعًا بشعارات الديمقراطية البراقة لم يتعظ بما يشاهده من حال بُلدان دعاة الديمقراطية.
كما نجد كذلك أن تعاليم الإسلام لا تجيز الفصل بين الدين والدولة، بل الدين الإسلامي هو الشامل والمهيمن على كل أمور الحياة، وما لم تصدر عنه فإنها تعتبر من الضلال، ومن اتخاذ البشر بعضهم بعضها أربابًا من دون الله تعالى، بينما تعاليم الديمقراطية قائمة على الفصل بينهما، فرجال الدين مهمتهم تنحصر في أماكن العبادة والمواعظ الدينية، ونحو ذلك، ورجال الدنيا لا حد لمهماتهم، فَهُم المشرعون والمنفذون، ومعنى هذا أن الإسلام والديمقراطية الغربية ضدان هنا، فأين التوافق الذي يدعيه المغالطون؟!!
كما أن الديمقراطية لا تعتمد الحكم بما أنزل الله وتنفر منه؛ لأنها في الغرب قامت من أول يوم على محاربة الأديان، وكل شيء فيها يتصل بها، وأن الحكم فيها يجب أن يتم على تشريع الشعوب والبرلمانات، ورؤساء الدول وقوانينهم، مقدمة على ذلك الحكم بما أنزل الله -تبارك تعالى؛ بينما الإسلام يعتبر هذا خروجًا عن الدين، وكفرًا وظلمًا وفسوقًا ومحادةً لله، وردًّا لشرعه، خصوصًا ممن يعلم بهذا الحق ولكنه يرفضه ويفضل حكمَ الجاهلية عليه، كما أن في الديمقراطية الوصول للحكم مشاع لكل أحد، ومن حق المرأة أن تصل إلى القضاء والتمثل الدبلوماسي، والجندية والرئاسة، وغير ذلك، بينما الإسلام يجعل الشخص المناسب في المكان المناسب، فجعل للرجال مجالاتٍ وجعل للنساء مجالاتٍ أخرى تناسبها.
ولهذا، فإننا نجده لم يجز للمرأة أن تتولَّى الإمامةَ العظمى لأمور كثيرة تُذكر في كتب العلم، ولا يجوز لها مزاحمة الرجال في حق الانتخابات.
هل المسلمون في حاجة إلى الديمقراطية الغربية؟
إن الجواب عن هنا هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير من قبل أي مسلم لم تدنس فطرته الشبهات. لقد قامت الحياة في الدول الغربية على المناداة بالديمقراطية سلوكًا ومنهجًا في كل شئون حياتهم، وصار كل سياسي يتباهَى بتطبيقها، والرغبة في تصديرها، والواقع أنه قد يكون للغرب ما يبرِّر كل هذا السلوك؛ لأنهم ليسوا على شيء، فلم يعرفوا من النظم إلا هذا النظام الذي اكتشفوه وفرحوا به؛ لعدم معرفتهم بما هو أفضل منه، وهو الشرع الحنيف الذي أكمله الله ورضيه لنفسه ولعباده دينًا وسلوكًا .
وإذا كان للغرب والنظم الجاهلية ما يبرر هذا السلوك، فإنه لا مبررَ لانسياق الكثير من النظم الإسلامية، ومن بعض المفكرين من المسلمين إلى اتباع أولئك بعد أن من الله عليهم بأفضل دين، وأكمله، وأفضل نظام اجتماعي وأعدله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]، وأحكامه غاية العدل: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65].
يَتركون هذا المعنى الفياض ثم ينساقون إلى نظام ثبت فشله، ويتركون نظامًا صالحًا إلى يوم القيامة مضى عليه سلفهم، فكانوا مصابيح الدجى ومشارق الأنوار.
إن الشرع الإسلامي يستهوي بعدله ورحمته وشموله حتى أعداء الإسلام، فإذا بهم ينساقون إليه مذعنين، بل ويصبحون من جنوده البواسل حينما قارنوا بين ما جاء في الإسلام وبين النظم الجاهلية التي تقود البشر من شقاء إلى شقاء؛ لأنها من صنع البشر الذين قصرت أفهامهم والتبست عليهم الأمور، وهؤلاء حجة على أولئك الهاربين إلى الديمقراطية دون أن يعلموا شيئًا عن الإسلام، وعن تعاليمه الشاملة.
لقد انبهر الكثير من المسلمين ببريق الحضارة الغربية وصناعاتها المادية، فظنوا أن ذلك إنما هو بسبب ما عندهم من الأنظمة، ولم يفطنوا إلى أن سبب ذلك إنما يعود إلى نشاط الغرب، وشحذ هممهم، وإصرارهم على اكتشاف خيرات الأرض، والاستفادة منها، وطَرْقِهم لآلاف التجارب دون كَلل أو ملل، مهما واجهتهم من المصاعب، كلما فشلوا في تجربة صناعية زادهم ذلك إصرارًا على إعادة الكرة، والله عز وجل لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، فأعطاهم الله من الدنيا على قدر عزمهم، بينما المنتظرون من المسلمين للحضارة الغربية يغطون في سُباتهم.
فلما أفاقوا على هدير مصانع الغرب وإنتاجهم ألقوا باللائمة على الإسلام ظلمًا وزورًا، وظنوا أن هذا التبرير يبقي على ماء وجوههم، فإذا بهم لا ظهرًا أبقوا، ولا أرضًا قطعوا، فلا هم بقوا على إسلامهم وتلافوا أخطاءهم، ولا هم لحقوا بالدول الغربية في إنتاجها المادي. وكان يجب عليهم أن يعرفوا أن الإسلام الذي عاش عليه ملايين البشر في القرون الغابرة على أحسن حال وأعدل نظام، لا يزال كذلك على على مر الدهور، عاش عليه البشر قبل أن يظهر قرن الديمقراطية التي يريدون إحلالها محله، والتي قامت من أول أمرها على محاربة الدين وخداع الجماهير للوصول إلى الحكم بأي ثمن يكون، واعتبار ذلك فوزًا أو مغنمًا، بينما الإسلام لا يجيز الخداع ولا النفاق، ولا يجيز الاحتيال على الناس وابتزازهم، لا في دينهم ولا في دُنياهم، بل يعتبر الوصولَ إلى سُدة الحكم أمانةً عظيمةً، حملها ثقيل، ومزالقها خطيرة، ولا يعتبر الوصول إليه فوزًا كما نسمعه في تطالب الديمقراطيين للوصول إلى الحكم.
إن الحاكم في الإسلام مؤتمن على مصالح المسلمين وليس له أكثر من كونه منفذًا لا مشرعًا؛ لأن التشريع إنما هو لله عز وجل، وبذا يضمن الحاكم والمحكوم -على حد سواء- الخوف من الوقوف في الجور، أو انتشار الفساد، وتفكك المجتمع، والفُرقة التي تنشأ في الغالب من البُعد عن هدي الله عز وجل وهدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا بخلاف الديمقراطية التي يكون الحاكم فيها مشرعًا من دون الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [ يوسف:40]. {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65]. {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59].
فإذا طَبق الشعب والحاكم هذه المفاهيمَ كانوا صخرةً قويةً تتحطم عليها كل آمال الحاقدين وأعداء المِلة، وعاشوا في سعادة ووئام وكأنهم أسرة واحدة.
إذا تبيـّن هذا، فليُعلم أنّ ما يُسمى “الديمقراطية” بمعناها الذي أراده مخترعوها، والدعاة إليها – فقد يُراد بإطلاقهـا -جهلًا- أنهـا ما يُضاد الاستبداد فحسب- هي أعظمُ مناقضٍ للشريعة، والداعون إليها هم الدعاة إلى أبواب جهنم؛ لأنهـم هم الداعون إلى رفض الحكم بما أنزل الله تعالى، المبتغون حكمَ الجاهلية، ذلك أن الديمقراطية تعني اتخاذَ أحكام البشر باعتبار أصوات غالب ممثليهم شريعةً بديلةً عن شريعة الله تعالى، مهيمنةً بأحكامها على الأقوال، والأفعال، والأفكار، وجميع السلوك الإنساني، والعَلاقات الدولية الداخلية والخارجية، لها أنْ تحلّ ما حرّم الله، وتحرّم ما أحلّ الله تعالى !!
فهي أمّ القوانين التي تخلقها إفكًا، وهي منبـع الطواغيت التي تحدثها باطلًا، وهي مصنع الجاهلية المعاصرة التي تصدّ عن سبيل الله تعالى، وتحارب شريعته.
والمقصود: أنّ سدنة هذا الصنم قالوا: “إنّ التشريعات التي تنتج عن حكم الأغلبيّة مقدمة على كلّ حكم آخر حتى شريعة الله تعالى، وأنهــا مُلزِمة للشعوب، فهي شريعة كاملة، وأحكام نافذة، والخارج عليها مجرم، والمتمرد عليها خائن، والساعي في تعطيلها مرتد يحكم عليه أحيانًا بالإعدام، أو الحبس المؤبد، أو النَّكال الشديد”، ثم جعلوا لهذا الدين خبـــراء يطوّرونـه، أطلقوا عليهم اسم “فقهاء القانون” كما أطلقوا على آراءهم ” الفتوى”؛ إمعانًا في المضادة لشريعة الله -تبارك تعالى- واستبدالها بغيرها.
وبهذا يتبين أن القوانين الوضعية ترجع إلى أصل عَقَدي، هو دين الديمقراطية، تنبثق منها على أساس اعتقاد أنّ الحكم بين الناس، والتشريع لهــم، ولا يرجع فيه إلى الله تعالى خالق البشر، بل إلى البشر أنفسهم.

error: النص محمي !!