Top
Image Alt

حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر

  /  حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر

حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر

قد يقول قائل: رأينا بعض الصحابة قد توقفوا في قبول خبر الواحد، ورأينا الأئمة الكبار يردون بعض الأحاديث ولا يعملون بها، فهل هؤلاء يدخلون مع مَن يرد أخبار الآحاد ولا يعمل بها؟ وكيف سوغوا لأنفسهم أن يردوا الأحاديث؟

والجواب عن ذلك، نقول -وبالله التوفيق-:

إذا كان بعض الصحابة قد توقفوا في قبول بعض الأحاديث، وترك الأئمة العمل ببعض الأحاديث، فإن ذلك لا يرجع إلى أنهم لا يعملون بخبر الواحد أو بخبر الآحاد، وإنما يرجع لأسباب أخرى، فما من إمام إلا وأخذ من السنة وترك، إلا أنهم لم يجمعوا على ترك سنة ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم فَهُم لا يدخلون مع مَن ينكر خبر الآحاد، بل إنهم أنكروا على من يرد أخبار الآحاد، وبينوا ضلالهم وهدفهم. والثابت عنهم أنهم عملوا بالسنة الآحادية أو بأخبار الآحاد، واستنبطوا منها الأحكامَ، كما يشهد بذلك واقعهم العملي، فكُتُبهم مليئة بأخبار الآحاد التي استنبطوا منها الأحكام الشرعية، وإذا رد أحدهم حديثًا أو أكثر فإنما يرد ما يرد لسبب آخر، غير أنه خبر آحاد.

الأسباب التي رد الأئمة بعض الأحاديث بسببها:

أولًا: التثبت والاحتياط، لقد توقف بعض الصحابة  رضي الله عنهم  في قبول بعض أخبار الآحاد، لا لأنها أخبار آحاد، ولكنهم أرادوا التثبتَ والاحتياط؛ حتى لا يجترئ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتقوَّلون عليه. فلقد توقف أبو بكر الصديق  رضي الله عنه   في قَبول خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجَدة حتى انضم إليه محمد بن مسلمة، فشهِدَ بما قاله المغيرة بن شعبة. وتوقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب   رضي الله عنه   في خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد الخدري، إلى غير ذلك.

فلقد أراد الخلفاء الراشدون  رضي الله عنهم  وغيرهم من الصحابة أن يضعوا منهجًا لقبول الأخبار؛ حتى لا يجترأ غير الصحابة فيتقولون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان الخلفاء الراشدون والصحابة  رضي الله عنهم  جميعًا سيتثبتون من أخبار الصحابة ويطلبون منهم البينة، فماذا سيفعلون مع غير الصحابة؟!

ثانيًا: قد لا يصح الحديث عند هذا الإمام الذي رده، فَلَمْ تتوفر فيه شروط القبول عند ذلك الإمام، خاصةً إذا كان ذلك الإمام تشدد في شروط القبول، وشرَطَ في الحديث المقبول الذي يحتج به شروطًا أكثرَ مما شرطه الجمهور، فإنما يرده؛ لأنه ضعيف عنده لا يصلح للاحتجاج به. فأبو حنيفة  رحمه الله  مثلًا: يشترط في الراوي -فضلًا عن الشروط التي شرطها الجمهور-: أن يكون فقيهًا؛ حتى إذا رَوَى بالمعنى لا يحيل الحلالَ حرامًا، أو الحرامَ إلى حلالٍ؛ لأن الأحكام إنما تؤخذ من ألفاظ الحديث.

وسبق الحديث عن ذلك، وأن الجمهور قد وضعوا شروطًا لجواز الرواية بالمعنى، وهذه الشروط كفيلة بتأمين جانب الخطأ، وسبق الحديث عن ذلك في شروط الحديث المقبول.

ثالثًا: قد يَرُدُّ الإمام الحديث لوجود المعارض الأقوى منه في بابه، سواء كان ذلك المعارض من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ولو من وجهة نظر ذلك الإمام، وهذا ما يسمى بالحديث الشاذ، والحديث الشاذ ضعيف لا يُعمل به.

فإذا وقع تعارض بين حديثين، فإن العلماء يسلكون نحو النصين المتعارضين ما يأتي:

أ. الجمع بين الحديثين المتعارضين إن أمكن الجمع بينهم، فإن أمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة، عُمِلَ بالنصين معًا، ويكون هذا التعارض من حيث الظاهر فقط.

ب. إذا لم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، وذلك يتوقف على معرفة تاريخ كل نص، فإذا عُرِفَ النص المتقدم من النص المتأخر، صار النص المتأخر ناسخًا للنص المتقدم، ويعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.

جـ. إذا لم يمكن معرفة المتأخر من المتقدم لنصير إلى الناسخ والمنسوخ، نلجأ إلى الترجيح بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالسند أو المتن؛ لمعرفة أيهما أرجح من الآخر؟ فيؤخذ بالأرجح ويعمل به، ويترك المرجوح ويسمى “الأرجح بالمحفوظ”. أما المرجوح فيسمى بالشاذ، والحديث الشاذ حديث مردود.

ويُلاحظ هنا: أن الإمام عندما رد النص المرجوح -وهو الشاذ- لا يرده لأنه خبر آحاد، ولكن رده لوجود ما هو أقوى منه في بابه مع عدم إمكان الجمع بينهم، كما أن الحديث المحفوظ -غالبًا- يكون آحادًا.

د. إذا لم يمكن الترجيح بين الحديثين المتعارضين، توقف العلماء عن العمل بالنصين المتعارضين، فليس العمل بأحدهما بأولى من الآخر، ويستحيل أن يصدر الكلام المتعارض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن أحد الرواة قد أخطأ، وخطؤه هو الذي أدى إلى هذا التعارض.

رابعًا: قد يكون في إسناد الحديث الذي رده الإمام راوٍ ضعيف عند هذا الإمام، وقد يكون هذا الراوي ثقةً أو صدوقًا عند غيره، فمن يوثق الراوي فحديثه عنده يكون صحيحًا، ومن يضعفه يكون حديثه عنده ضعيفًا.

وقد اختلف العلماء في الحكم على بعض الرواة؛ فبعضهم يرى: أن حديثه صحيح، وبعضهم يرى: أن حديثه ضعيف.

ولا يصح أن يحاكم الإمام إلى قواعد غيره، بل إنما يحاكم إلى قواعده هو وما وضعه من شروط وضوابط لقبول الخبر أو رده.

خامسًا: قد يكون الحديث الذي رده الإمام منسوخًا، والمنسوخ لا يعمل به وإن صح.

سادسًا: قد يكون الحديث الذي عمل الإمام بخلافه إذا لم يظهر له معارض أقوى منه، لم يصل إلى ذلك الإمام، وهو معذور مأجورٌ على اجتهاده -إن شاء الله تعالى- ولكن لا يجوز التوسع في هذا الأمر، فعندما نرى إمامًا خالف نصَّ حديثٍ، فلا يجوز لنا أن نبادر إلى القول: بأن الحديث الذي عمِلَ الإمام بخلافه لم يصل إلى هذا الإمام، فلعل هناك سببًا آخرَ هو الذي جعل الإمام يخالف هذا النص.

سابعًا: قد يكون الحديث ظني الدلالة يُفهم منه أكثر من فهمٍ، فيفهمه إمام على وجه، ولا يفهمه غيره على هذا الوجه، فيظن مَن لا يعلم أن الإمام خالف الحديث ورده. ومن المعلوم أن الحديث حجة برأسه عُمِلَ به أو لم يعمل به، ويلزم مَن بلغه العمل به، فلا حجة لقول أحد من البشر كائنًا من كان مع قوله صلى الله عليه وسلم فهو الذي أوجب الله على المسلمين طاعتَه ولم يجعل هذا لغيره من البشر.

قال الإمام النووي في إبطال قول مَن رد خبر الواحد، وأنكر وجوب العمل به: وهذا قول باطل، فَلَمْ تزل كُتُب النبي صلى الله عليه وسلم وآحاد رسله، يُعمل بها، ويلزمهم النبي صلى الله عليه وسلم العمل بذلك، واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم. ولم يزل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فَمَن بعدهم من السلف والخلف، على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة، وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء والفُتية، ونقضهم به ما حكموا به على خلافه، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على مَن خالفهم، وانقياد المخالف لذلك. وهذا كله معروف لا شك في شيء منه، والعقل لا يحيل العملَ بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به، فوجب المصيرُ إليه.

مما سبق يتبين: أن العمل بخبر الآحاد متواتر معلوم من الدين بالضرورة، لذلك لا يجوز لمسلم أن يترك العملَ به؛ لأنه خبر آحاد، بل يجب عليه أن يقبله، وأن يعملَ به؛ استجابة لله ورسوله.

error: النص محمي !!