• العربية
Top
Image Alt

حكم من يرد خبر الآحاد

  /  حكم من يرد خبر الآحاد

حكم من يرد خبر الآحاد

سبق أن ذكرنا أن العمل بخبر الآحاد متواتر، وأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، لذلك لا يجوز للمسلم رده بل يجب عليه قبوله والعمل به، وقبل أن نذكر شيءً عن حكم من يرد خبر الآحاد لا بد أن نفرق بين من يرد خبر الآحاد جملةً وتفصيلًا، ولا يقبله ولا يعمل به لأنه خبر آحاد، وبين من يرد خبر الآحاد لوجود المعارض الأقوى منه في بابه أو لسبب آخر.

أولًا: حكم من يرد خبر الآحاد؛ لأنه خبر آحاد:

من يرد خبر الآحاد جملةً وتفصيلًا ولا يعمل به مطلقًا يكون منكرًا لما علم من دين الله بالضرورة، فيكون كافرا بشرط أن يكون عالمًا غير جاهل، فلا بد أن يكون عالمًا بحكم العمل بخبر الآحاد، وأنه واجب، وحكم من يرده أو يجحده؛ أما من يجهل هذا الحكم، فلا يصح أن نبادر إلى تكفيره بل من حقه أن يُعلّم قبل الحكم عليه.

ثم إن الذين يردون السنة المطهرة، ويعطلونها عن العمل ليس قصدهم رد السنة في حد ذاتها وفقط، بل هدفهم تعطيل القرآن الكريم عن العمل به، وتنحية الإسلام من حياة المسلمين، وسبق أن ذكرنا علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم، وقلنا: إن السنة هي الشارحة والمبينة للقرآن الكريم، فالسنة تمثل المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم، فالعلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة هي علاقة تكامل، فإذا رُدَّت السنة وعطلت عن العمل ستبقى أوامر القرآن الكريم غير قابلة للتطبيق، فيقول القرآن الكريم: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [المزمل: 20].

ولا نعرف كيف ننفذ هذه الأوامر، وعند ذلك يتحول القرآن الكريم من منهج ينظم حياة المسلمين من أولها إلى آخرها، إلى كتاب غير قابل للتطبيق، ويصبح كتابًا يتبرك به ويتعبد بتلاوته، ويعزل عن قيادة الحياة، وهذا هو هدف أعداء الإسلام، وإنما وجه هؤلاء سهامهم إلى السنة المطهرة ولم يوجهوها إلى القرآن الكريم مباشرة؛ لأن للقرآن الكريم حساسية عند المسلمين، فلا يقبل المسلمون المساس بالقرآن الكريم من قريب أو بعيد، خاصةً أن القرآن الكريم نقل من أوله إلى آخره نقلًا متواترًا، بل وبأعلى أنواع التواتر فهو متواتر تواتر الجيل عن الجيل، فعلم هؤلاء إن وجَّهوا سهامهم إلى القرآن الكريم مباشرةً، فستكون سهام طائشة، ولن يتحقق هدفهم.

وقد استغل هؤلاء المشككون جهل المسلمين بالسنة المطهرة، والجهود التي بذلت من أجل المحافظة عليها، فلبَّسوا عليهم الأمر، وقالوا: إن السنة دخلها الوضع واختلط الصحيح منها بالسقيم، فلا يصح أن تكون مصدرًا للتشريع، وقد استغلوا هذه الظاهرة الصحية، وهي أن الأحاديث ليست في درجة واحدة، ففيها الصحيح والحسن والضعيف استغلالًا يخدم أغراضهم الخبيثة، فشككوا في السنة المطهرة.

وهذا التمييز بين الأحاديث دليل جلي على الجهود التي بذلت من أجل المحافظة على السنة المطهرة، وأن علماء السنة ميَّزوا الصحيح من السقيم، فهذه ظاهرة صحية، وليست ظاهرة مرضية حتى تستغل للتشنيع على السنة والمطالبة برفضها.

ثانيًا: حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد بل لسبب آخر:

قد يقول قائل: رأينا بعض الصحابة قد توقفوا في قبول خبر الواحد، ورأينا الأئمة الكبار يردُّون بعض الأحاديث، ولا يعملون بها، فهل هؤلاء يدخلون مع من يرد أخبار الآحاد، ولا يعمل بها؟ وكيف سوغوا لأنفسهم أن يردوا الأحاديث؟

والجواب عن ذلك: إذا كان بعض الصحابة قد توقفوا في قبول بعض الأحاديث، وترك الأئمة العمل ببعض الأحاديث، فإن ذلك لا يرجع إلى أنهم لا يعملون بخبر الواحد أو بخبر الآحاد، وإنما يرجع لأسباب أخرى فما من إمام إلا وأخذ من السنة وترك، إلا أنهم لم يجمعوا على ترك سنة ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم فهم لا يدخلون مع من ينكر خبر الآحاد، بل إنهم أنكروا على من يرد أخبار الآحاد، وبينوا ضلالهم وهدفهم.

والثابت عنهم أنهم عملوا بالسنة الأحادية أو بأخبار الآحاد، واستنبطوا منها الأحكام، كما يشهد بذلك واقعهم العملي، فكتبهم مليئة بأخبار الآحاد التي استنبطوا منها الأحكام الشرعية، وإذا رد أحدهم حديثًا أو أكثر، فإنما يرد ما يرد لسبب آخر غير أنه خبر آحاد، ومن الأسباب التي ردَّ الأئمة بعض الأحاديث بسببها ما يأتي:

أولًا: التثبت والاحتياط؛ لقد توقف بعض الصحابة رضي الله عنهم في قبول بعض أخبار الآحاد لا لأنها أخبار آحاد، ولكنهم أرادوا التثبت والاحتياط، حتى لا يجترئ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتقولون عليه، فقد توقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قبول خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى انضم إليه محمد بن مسلمة، فشهد بما قاله المغيرة بن شعبة.

وتوقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان، حتى انضم إليه أبو سعيد الخدري، إلى غير ذلك، فلقد أراد الخلفاء الراشدون } وغيرهم من الصحابة أن يضعوا منهجًا لقبول الأخبار حتى لا يجترئ غير الصحابة، فيتقولون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان الخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله عنهم جميعًا سيتثبتون من أخبار الصحابة، ويطلبون منهم البينة فماذا سيفعلون مع غير الصحابة؟!

ثانيًا: قد لا يصح الحديث عند هذا الإمام الذي ردَّه، فلم تتوفر فيه شروط القبول عند ذلك الإمام، خاصةً إذا كان ذلك الإمام تشدَّد في شروط القبول، وشرط في الحديث المقبول الذي يحتج به شروطًا أكثر مما شرطه الجمهور، فإنما يردَّه؛ لأنه ضعيف عنده لا يصلح للاحتجاج به، فأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- مثلًا يشترط في الراوي -فضلًا عن الشروط التي شرطها الجمهور- أن يكون فقيهًا حتى إذا روى بالمعنى لا يحيل الحلال حرامًا أو الحرام إلى حلال؛ لأن الأحكام إنما تؤخذ من ألفاظ الحديث، وسبق الحديث عن ذلك، وأن الجمهور قد وضعوا شروطا لجواز الرواية بالمعنى، وهذه الشروط كفيلة بتأمين جانب الخطأ، وسبق الحديث عن ذلك في شروط الحديث المقبول.

ثالثًا: قد يردُّ الإمام الحديث لوجود المعارض الأقوى منه في بابه، سواء كان ذلك المعارض من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ولو من وجهة نظر ذلك الإمام، وهذا ما يسمى بالحديث الشاذ، والحديث الشاذ ضعيف لا يعمل به، فإذا وقع تعارض بين حديثين، فإن العلماء يسلكون نحو النصين المتعارضين ما يأتي:

أ. الجمع بين الحديثين المتعارضين إن أمكن الجمع بينهما، فإن أمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة عمل بالنصين معًا، ويكون هذا التعارض من حيث الظاهر فقط.

ب. إذا لم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، وذلك يتوقف على معرفة تاريخ كل نص، فإذا عرف النص المتقدم من النص المتأخر صار النص المتأخر ناسخًا للنص المتقدم، ويعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.

ج. إذا لم يمكن معرفة المتأخر من المتقدم لنصير إلى الناسخ والمنسوخ، نلجأ إلى الترجيح بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالسند أو المتن؛ لمعرفة أيهما أرجح من الآخر، فيؤخذ بالأرجح ويعمل به، ويترك المرجوح ويسمى الأرجح بالمحفوظ أما المرجوح فيسمى بالشاذ، والحديث الشاذ حديث مردود.

ويلاحظ هنا أن الإمام عندما رد النص المرجوح -وهو الشاذ- لا يرده لأنه خبر آحاد، ولكن رده لوجود ما هو أقوى منه في بابه، مع عدم إمكان الجمع بينهما كما أن الحديث المحفوظ غالبًا يكون آحادًا.

د. إذا لم يمكن الترجيح بين الحديثين المتعارضين توقف العلماء عن العمل بالنصين المتعارضين، فليس العمل بأحدهما بأولى من الآخر، ويستحيل أن يصدر الكلام المتعارض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن أحد الرواة قد أخطأ وخطؤه هو الذي أدى إلى هذا التعارض.

رابعًا: قد يكون في إسناد الحديث الذي رده الإمام راوٍ ضعيف عند هذا الإمام، وقد يكون هذا الراوي ثقة أو صدوقًا عند غيره، فمن يوثق الراوي فحديثه عنده يكون صحيحًا، ومن يضعفه يكون حديثه عنده ضعيفًا، وقد اختلف العلماء في الحكم على بعض الرواة، فبعضهم يرى أن حديثه صحيح، وبعضهم يرى أن حديثه ضعيف. ولا يصح أن يحاكم الإمام إلى قواعد غيره بل إنما يحاكم إلى قواعده هو، وما وضعه من شروط وضوابط لقبول الخبر أو رده.

خامسًا: قد يكون الحديث الذي ردَّه الإمام منسوخًا، والمنسوخ لا يعمل به وإن صح.

سادسًا: قد يكون الحديث الذي عمل الإمام بخلافه إذا لم يظهر له معارض أقوى منه لم يصل إلى ذلك الإمام، وهو معذور مأجور على اجتهاده إن شاء الله تعالى، ولكن لا يجوز التوسع في هذا الأمر، فعندما نرى إمامًا خالف نص حديث، فلا يجوز لنا أن نبادر إلى القول بأن الحديث الذي عمل الإمام بخلافه لم يصل إلى هذا الإمام، فلعل هناك سببًا آخر هو الذي جعل الإمام يخالف هذا النص.

سابعًا: قد يكون الحديث ظني الدلالة يفهم منه أكثر من فهم فيفهمه إمام على وجه ولا يفهمه غيره على هذا الوجه، فيظن من لا يعلم أن الإمام خالف الحديث ورده، ومن المعلوم أن الحديث حجة برأسه عمل به أم لم يعمل به، ويلزم من بلغه العمل به، فلا حجة لقول أحد من البشر كائنًا من كان مع قوله صلى الله عليه وسلم فهو الذي أوجب الله على المسلمين طاعته، ولم يجعل هذا لغيره من البشر.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: “فإن شُبِّه على رجل بأن يقول: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث كذا وحديث كذا، وكان فلان يقول قولًا يخالف ذلك الحديث، فلا يجوز عندي على عالم أن يثبت خبر واحد كثيرًا، ويحل به ويحرم ويردَّ مثله إلا من جهة أن يكون عنده حديث يخالفه، أو يكون ما سمع ومن سمع منه أوثق عنده ممن حدَّثه خلافه، أو يكون من حدَّثه ليس بحافظ أو يكون متهمًا عنده أو يتهم من فوقه ممن حدَّثه، أو يكون الحديث يحتمل معنيين، فيتأول فيذهب إلى أحدهما دون الآخر، فأما أن يتوهم متوهم أن فقيهًا عاقلًا يثبت سنة بخبر واحد مرة ومرارًا ثم يدعها بخبر مثله بلا واحد من هذه الوجوه فلا يجوز. فإن قال قائل: قلَّ فقيه في بلد إلا وقد روى كثيرًا يأخذ به وقليلًا يتركه، فلا يجوز عليه إلا من الوجه الذي وصفت”.

قال الإمام النووي في إبطال قول من ردَّ خبر الواحد، وأنكر وجوب العمل به: “وهذا قول باطل فلم تزل كتب النبي صلى الله عليه وسلم وآحاد رسله يعمل بها، ويلزمهم النبي صلى الله عليه وسلم العمل بذلك، واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، ولم يزل الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة فمن بعدهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء، والفتيا، ونقضهم به ما حكموا به على خلافه، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على من خالفهم وانقياد المخالف لذلك، وهذا كله معروف لا شك في شيء منه والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه”.

مما سبق يتبين أن العمل بخبر الآحاد متواتر معلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك لا يجوز لمسلم أن يترك العمل به لأنه خبر آحاد، بل يجب عليه أن يقبله، وأن يعمل به استجابة لله ورسوله.

error: النص محمي !!