Top
Image Alt

حكم ولاية القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين

  /  حكم ولاية القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين

حكم ولاية القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين

يبحث هذا العنصر نوعًا من ولاية القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين؛ لأن ولاية القاضي أنواع:

النوع الأول: ولاية القاضي غير المسلم للحكم بين المسلمين في بلاد الإسلام، وهذا غير جائز باتفاق الفقهاء؛ فقد أجمع الفقهاء على أن الإسلام هو أحد الشروط لمن يقلَّد القضاء، فلا يجوز تولية الكافر لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 104].

النوع الثاني: ولاية القاضي غير المسلم للحكم بين أهل ملته -أي: بين غير المسلمين- ولكن في بلاد الإسلام، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وأجاز أبو حنيفة تقليده القضاء بين أهل دينه؛ لجواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ولأنه لما جازت ولايتهم في المناكح -أي: عقد الزواج- جازت في الأحكام، واعتبارًا بالعرف الجاري في تقليدهم -أي: توليهم القضاء.

قال الشربيني: “أما جريان العادة بنصب حاكم من أهل الذمة عليهم، فقال الماوردي والروياني: إنما هي زعامة ورياسة، لا تقليد حكم وقضاء، ولا يلزمهم حكمه بإلزامه بل بالتزامهم -أي: باختيارهم هذا الحكم والالتزام به- أما هو فليس قاضيًا ولا يلزمه، إنما هي زعامة ورياسة، ولا يلزمون بالتحاكم عنده أيضًا، فالمسألة اختيارية”.

وقول أبي حنيفة ومن وافقه أولى بالقبول -أي: يجوز تقليد القاضي غير المسلم للحكم بين غير المسلمين في بلاد الإسلام- لأن الله تعالى فوّض الإمام في ذلك، فقال مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم: { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 42، 43].

فالآيتان تخيير للإمام ومن قبله النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم أو أن يعرض عنهم، وإذا حكم أن يحكم بينهم بالقسط والعدل، ثم في الآية الثانية: { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} بيانٌ بالإذن لهم أن يتقاضوا كما في كتبهم؛ ولذلك قال الشوكاني في تفسير ذلك: فيها -أي: في الآية- تخييرٌ لرسول اللهصلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، وقد استُدلّ به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين.

وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم وليس بينهم مسلم؛ فذهب قوم إلى التخيير -أي: أن يتقاضوا فيما بينهم، أو أن يذهبوا إلى القاضي المسلم- وذهب آخرون إلى الوجوب.

وقال الزهري: “مضت السنة أن يُردّ أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم؛ أي يكون لهم قاضٍ يحكم لهم بما جاء في كتبهم، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيُحكَم بينهم بكتاب الله، قال تعالى: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } [المائدة: 49]”.

قال السمرقندي: “وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة، أنه لا يُحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا”.

ومن هذا يتبين أنه لا يجوز في بلاد المسلمين تولية القضاء لغير مسلم ليقضي بين المسلمين، أما أهل الذمة فيجوز تولية قاضٍ عليهم، يحكم بينهم في معاملاتهم ومواريثهم إذا أرادوا ذلك، أو لهم الخيار في أن يحتكموا للقاضي المسلم، فيحكم بينهم بحكم الإسلام، وعند اختلاف الخصمين المسلم والذمي يكون القضاء بينهما للقاضي المسلم قولًا واحدًا، ومن هنا تبين لنا حكم تولية القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين.

إذًا: القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين نوعان؛ نوع للحكم بين المسلمين وهذا باطل؛ لأن من شروط القاضي الإسلام، والنوع الثاني: قاضٍ ذِمِّيّ للحكم بين أهل الذمة، وهذا قال به أبو حنيفة وهو صحيح. أما أن يحكم قاضٍ غير مسلم للمسلمين في بلاد الإسلام فلم يقل بذلك أحد.

error: النص محمي !!