Top
Image Alt

حمل المطلق على المقيد

  /  حمل المطلق على المقيد

حمل المطلق على المقيد

إذا وَرَدَ الخطاب مطلقًا لا مقيِّد له؛ وجب حمله على إطلاقه، وإذا ورد الخطاب مقيدًا لا مطلق له؛ وجب حمله على تقييده. هذه قاعدة مهمة أذكرها في بداية الحديث عن حمل المطلق على المقيد، فإذا جاء الأمر مطلقًا فهو على إطلاقه، وإذا جاء الخطاب مقيدًا لا مطلق له؛ وجب أيضًا حمله على هذا التقييد. أما إذا ورد الخطاب مطلقًا في موضع، ومقيدًا في آخر فله أربع صور:

الصورة الأولى: أن يتَّحد السبب والحكم، فقد ورد تحريم الدِّم مطلقًا في قول الله -تبارك وتعالى-: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [المائدة: 3]، وورد تحريمه مقيدًا بكونه مسفوحًا في قوله تعالى: {قُل لاّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَىَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام: 145]، والحكم في الآيتين واحد، وهو التحريم، والسبب أيضًا واحد؛ فاتَّحد الحكم والسبب؛ فيحمل المطلق على المقيد باتفاق؛ لأن العمل بالمقيد عمل بالآيتين، والعمل بالمطلق عمل بإحدى الآيتين دون الأخرى، والعمل بهما أولى من العمل بإحداهما، وبالعمل بالآيتين يخرج المكَلَّف من العُهْدة بيقين.

وأضرب مثالًا آخر على ذلك وهو ما جاء في قول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]؛ فإنه مطلق، وَوَرَدَ القيد لهذه الآية في قول الله -تبارك وتعالى-: {فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ} [النساء: 11] فنصيبه هنا مقيَّد بأن يكون بعد الوصية والدين، فيحمل المطلق على المقيد في جميع المواريث، ولذلك نقول: يجب ألا يوزَّع شيء من التركة على الورثة إلا بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدَّيْنِ.

الصورة الثانية: أن يختلف السبب والحكم، فإذا اختلف السبب والحكم؛ فلا يُحمل المطلق على المقيد باتفاق. وهذه الصورة -كما نرى- هي عكس الصورة السابقة التي يُحمل فيها المطلق على المقيد، وأمثلة ذلك ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، هذا مطلق في الأيدي من غير تقييد لأَيِّ اليدين، أو إلى أي حدٍّ يكون القطع. أما غسل الأيدي في قوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فمقيَّدٌ إلى المرافق، ولا يصحُّ هنا حمل المطلق على المقيَّد لاختلاف السبب، فهناك في الآية الأولى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ} السبب: السرقة في المطلق، والسبب في قوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}: الوضوء في المقيد، ولاختلاف الحكم أيضًا، فالسبب كما أنه مختلف فالحكم أيضًا مختلف، وهو قطع في المطلق، وغسلٌ في المقيد، وبالتالي فلا يُحمل المطلق على المقيد باتفاق، كما قال الإمام الشوكاني، وحكاه الباقلاني، والجويني، والكيا الهراسي، وابن برهان، والآمدي، وغيرهم -رحمهم الله تبارك وتعالى.

الصورة الثالثة: أن يتَّحد السبب، ويختلف الحكم، فغسل الأيدي في الوضوء مثلًا مقيَّدٌ إلى المرافق في قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ، ومسح الأيدي في التيمُّم مطلق في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ} [المائدة: 6]، ولو نظرنا في الآيتين لوجدنا سبب الوضوء والتيمم واحد، فهم قد اتَّحدوا في السبب وهو الحدث، ولكن الحكم مختلف؛ ففي الآية الأولى الحكم هو الغُسل، وفي الآية الثانية الحكم هو المسح، وفي هذه الصورة لا يُحمل المطلق على المقيد.

قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: لا خلاف في أنه لا يُحمل أحدهما على الآخر بوجهٍ من الوجوه؛ سواءٌ كانا مثبتين، أو منفيَّّيْن، أو مختلفين اتَّحد سببهما، أو اختلف، وقد حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب -رحمه الله تبارك وتعالى.

الصورة الرابعة: أن يختلف السبب ويتَّحِدَ الحكم، هذا عكس الصورة الثالثة التي اتحد السبب واختلف الحكم، هنا أن يختلف السبب ويتحد الحكم، وإذا كان العلماء في الصور الثلاث السابقة اتفقوا أو كادوا على حكم كلِّ صورة؛ فإنهم في هذه الصورة قد اختلفوا.

ولهذه الصورة حالتان -أن يختلف السبب ويتحد الحكم-:

الحالة الأولى: أن يكون القيد واحدًا، فالرقبة مطلقةٌ في كفَّارة الظِّهار في قوله تعالى: {وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا} [المجادلة: 3]، ومطلقةٌ في كفارة اليمين في قوله تعالى: {لاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِالّلغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89]، ومقيدة بالإيمان في كفَّارة القتل الخطأ، وذلك كما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَئاً} [النساء:92] وإذا نظرنا إلى أسباب الكفارة في الآيات الثلاث وجدناها مختلفة؛ فالسبب في الآية الأولى الظهار، وفي الآية الثانية الحنث باليمين، وفي الآية الثالثة قتل المؤمن خطأً، وإذا نظرنا إلى الحكم وجدناه واحدًا، وهو عتق الرقبة، لكنه في الظِّهار وفي اليمين مطلق، وفي القتل مقيد، فهل يحمل المطلق في هذه الصورة على المقيد، فنوجب في كفارة الظهار واليمين أن تكون الرقبة مؤمنة أيضًا، هذا ما وقع الخلاف فيه بين العلماء؛ فذهب الأحناف وأكثر المالكية، وروي عن الإمام أحمد: إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد، فيجوز في كفارة الظِّهار واليمين عتق الرقبة الكافرة، ولا يجوز في كفَّارة القتل إلا الرقبة المؤمنة.

وذهب أكثر الشافعية والحنابلة إلى حمل المطلق على المقيد، فيجب على قولهم أن تكون الرقبة مؤمنة في جميع الكفَّارات.

هذه هي الحالة الأولى من حالات أن يختلف السبب، ويتحد الحكم، وهي أن يكون القيد واحدًا.

الحالة الثانية: أن يكون القيد متعدِّدًا، فالصوم مطلق في كفَّارة اليمين في قول الله -تبارك وتعالى-: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89]، وفي قضاء رمضان: {أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] جاء الصوم في هاتين الآيتين مطلق، ولكنه جاء مقيدًا بالتتابع في كفَّارة القتل، وذلك كما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَئاً} [النساء: 92]، وكذلك في كفارة الظِّهار في قوله تعالى: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا فَمَن لّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] كما جاء أيضًا الصوم مقيد بالتفريق في صوم المتمتع بالحج، وذلك في قول الله -تبارك وتعالى-: {فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، واتفق العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف القيد وعدم وجود مرجحٍ لأحد القيود، وحمله على أحدهما دون الآخر بلا دليل تحكُّم، فليس أحدهما بأولى من الآخر، إذن الحكمُ في الحالة الثانية -وهو إذا كان القيد متعددًا- أننا لا نحمل المطلق على المقيد.

error: النص محمي !!