Top
Image Alt

حُكم التغيير بالقلب، وبيان مظاهره

  /  حُكم التغيير بالقلب، وبيان مظاهره

حُكم التغيير بالقلب، وبيان مظاهره

معنى التغيير بالقلب:

هو إظهار المسلم عدم رضاه عن المعاصي. والقلب خير وسيلة للتعبير عن ذلك. وإن إبداء التأفّف والحنق والغضب على العصاة، الذي يكمن في القلب، ويضيق به الصدر، وتظهر آثاره على ملامح الإنسان وقَسمات وجهه، لهو اعتراض صامت، ولكنه يُشْعِرُ بعدم الرضا والارتياح من الشخص الذي يرتكب المُحرّمات، أو يهمل في أداء الواجبات. ويكون هذا شعورًا عامًّا ومظهرًا جماعيًّا، فتضيق الأرض بما رحبت على العصاة، ويشعرون بامتهان الناس لهم، وامتعاضهم من تصرفاتهم؛ فإمّا يتوبون إلى الله، أو يجدون ملجأ آخَر يمارسون فيه منكَراتهم بعيدًا عن ديار الإسلام.

حكم التغيير بالقلب:

التغيير بالقلب فرْض عيْن على كلّ مسلم ومسلمة، بخلاف حكْم اليد واللسان، فإنه يتفاوت بين فرْض العين وفرْض الكفاية، حسب مكانة وقدرات وصلاحيات القائم بذلك -كما سبق توضيحه-.

والقلب لا سلطان لأحدٍ عليه إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يطلِّع على ما يُضمره من حُبّ أو كُرْه‏ إلا ‏ الخالقُ عز وجل. قال تعالى: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ} [غافر: 19]، وقال تعالى: {وَأَسِرّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ} [المُلك: 13].

فليس لكائن بشريٍّ -مهما كان سلطانه وسطْوته وجبروته- القدرة على البحث عن النوايا، والتنقيب عمّا تحتويه القلوب وما تُضمره الصدور.

لهذا كلّه، تصبح إرادة التغيير بالقلب أمرًا مُستطاعًا، وفرضًا واجبًا على كلّ مسلم ومسلمة.

مظاهر التغيير بالقلب:

إن إنكار القلب للمنكرات له ملامح ومظاهر لا تخفى على كلّ ذي عقل سليم وفكر مستقيم؛ ومن هذه المظاهر ما يلي:

أولًا: أن يحول المرء بين قلبه وبين حبّ المعصية والرضا بها:

ويتم ذلك بأداء العبادات، والحرص على الطاعات، والمداومة على الذِّكر والاستغفار؛ فإنّ هذا يولِّد نفورًا من المعاصي، وكُرهًا للمنكرات؛ فتُسدُّ منافذُ الشيطان إلى القلب. فإذا حدث هذا، أصبح القلب أشدّ كرهًا وبغضًا للذنوب والآثام.

ويظهر هذا الغضب على قسمات وجْه المسلم، فيتأفّف ويتجهّم لرؤية العصاة، ويتجنّب اللقاء بهم والحديث إليهم؛ فيشعرون بنظرات الغضب تُلاحقهم، ويُحسّون بالوحدة والانعزال؛ فيكون هذا دافعًا قويًّا للتّوبة إلى الله والكفّ عن المُنكَرات.

ثانيًا: قطْع روابط الصِّلة والمحبّة بين المؤمنين وبيْن مُرتكِبي المُنكَرات:

قال تعالى: {لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} [المجادلة: 22].

وقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ} [الممتحنة: 1].

فمصاحبة العصاة، وإلقاء المودّة إليهم، وإظهار الحبّ لهم يُشجِّعهم على مواصلة الفواحش والمنكَرات. وإنّ مِن أكبر عوامل الفساد في المجتمعات: إظهارُ الحفاوة والإعجاب بالفنّانين والفنّانات والمُمثِّلين والمُمثِّلات، الذين اشتهر عن الكثير منهم سوء الأخلاق وفساد السلوك. وإنّ إبراز مظاهر حياتهم المترفة اللاهية الماجنة عبر وسائل الإعلام، جعَل الكثير من الشباب والفتيات يحذون حذوهم، ويتمنّون أن يكونوا على شاكلتهم.

أمّا لو شعر هؤلاء أنّ الناس يمقتون أعمالهم، ويتأفّفون من سلوكهم، فتحنق عليهم القلوب، وتضيق بأعمالهم الصدور، لفكّروا كثيرًا في أحوالهم، ولأصلحوا أمورهم؛ ويكون هذا أجدى نفعًا مِن التّصدِّي لهم بالقول أو باليد، وأبعد عن إثارة الفتن.

ثالثًا: عدم الجلوس إليهم، ومقاطعة مجالسهم، والإعراض عن أنديتهم:

قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113].

ولقد بيّن القرآن الكريم: أنّ من أمارات عباد الرحمن: تجنّبهم لملاقاة العصاة،فقال تعالى: {وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرّواْ بِاللّغْوِ مَرّوا كِراماً} [الفرقان: 72].

وقال تعالى في صفات المؤمنين: {وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3].

فالإعراض والابتعاد عن مجالِس السوء: تعبيرٌ حيٌّ ومُشاهَدٌ وملموسٌ عمّا يُبديه القلب من أمارات إنكار المُنكَر.

ولقد ذكَر القرآن الكريم أنّ سبب إنزال اللّعنة ببني إسرائيل: سكوتهم ورضاهم عمّا كان يدور في مجتمعاتهم من منكرات، قال تعالى: {لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].

رابعًا: الشعور الاجتماعي العامّ بإنكار المُنكَر:

إنّ التغيير باللّسان أو اليد أمْرٌ لا يتسنّى لكثير من الناس، لاختلاف ظروفهم، وتبايُن قُدراتهم العلْميّة والفقهية، ومدى ما منح لهم من اختصاصات وصلاحيات لإزالة المنكرات. أمّا الإنكار القلبي فأمْر مشترَك بين المسلمين جميعًا، لا يحتاج إلى تفقّهٍ في الدِّين، أو إمعان النظر في الأدلّة الشرعية.

فالقلب ميزان دقيق وضَعه الله في صدر الإنسان، ليقوم بعمل مادِّيّ ملموس هو: ضخّ الدم إلى شرايين الجسد، ومدّه بالحياة والحركة. وبجانب هذا، أودع الله فيه ما يفرز الخير من الشر، والطاعة من المعصية، وهذا ما يسمَّى بـ”الشعور الفطريّ السليم”، وهذا ما ذكَره الرسول صلى الله عليه وسلم لِمَن سأله عن البِرّ؛ فعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((جئتَ تسأل عن البِرّ والإثْم؟)‏) قلت: نعم. فقال: ((استفْتِ قلبَك. البِرُّ: ما اطمأنّتْ إليه النفْسُ واطمأنّ إليه القلب. والإثمُ: ما حاك في النّفْس وتردّد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفْتَوْك)‏) رواه أحمد والدارمي.

وفي رواية أخرى عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((البِرُّ: حُسْن الخُلُق. والإثم: ما حاك في نفْسك، وكرهْتَ أن يطّلعَ عليه الناس)‏) رواه مسلم.

فقلوب عباد الرحمن تتّحد في حُكمها على المُنكَرات، وتُجمع على بُغضها وكراهتها للفواحش، وإن لم تُعبِّر الأيدي والألْسنة عن هذا؛ إذ إنّ واقع الحال والمشاهدة يُؤكِّده؛ ولذلك عُدّ إجماع الأمّة على أمرٍ ما هو اجتماع حقٍّ، لقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمّتي على ضلالة)).

ولذا، فإنّ توحُّد القلوب على بُغض المنكرات وكُرْه فاعِلها، وإشعاره باحتقار المجتمع له وازدرائه به- لدافعٌ قويّ ومؤثِّر في تغيير المُنكَر. ويصبح هذا شعورًا عامًّا ومَظهرًا اجتماعيًّا ذا أثَر فعَّال في التغيير بالقلب، لا يقلُّ أهمّيّة عن التغيير باليد واللسان. ولهذا أضاف صلى الله عليه وسلم الأمْر بالتغيير إلى الثلاث غير أنه صلى الله عليه وسلم أضاف: أنّ الاكتفاء بالقلب دون الوسائل الأخرى يُنبئ أحيانًا عن ضعف الإيمان الذي يفِرّ من المواجهة، ويخشى من التّصدِّي باليد واللسان. وإن الإنكار بالقلب لا يُعفي من المساءلة إذا كان لدى الإنسان القدرة على المواجهة باليد أو اللسان. وفي نفس الوقت لم يُحْرم من ثواب الله، لبُغْضه المنكر وعجزه عن مقاومته؛ لأن هذا فوق طاقته وأكبر مِن قدراته.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نبيٍّ بعَثه الله في أمةٍ قبْلي‏ إلا ‏ كان مِن أمّته حواريّون وأصحابٌ يأخذون بسنّته ويقتدون بأمْره. ثم إنها تَخلُف مِن بعْدِهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون؛ فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل)‏) رواه مسلم.

بهذا البيان النبوي المُعجز والمُبهر يوجِّه الرسول صلى الله عليه وسلم الأمّة إلى مكامن الداء وموضع المرض الذي يكمن في:

1- قول بلا عمل 2- فعْل ما لا يؤمرون به. ثم بيّن صلى الله عليه وسلم أنّ الدواء لِعِلَل المجتمعات وأمراضها، يكون ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم وضع ضوابطه ودرجاته ومراتبه ليتمّ ذلك كما أمر الله تعالى في قوله عز وجل: {قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]. 

error: النص محمي !!