Top
Image Alt

حِكمة الشرع الإسلامي في توزيع الميراث

  /  حِكمة الشرع الإسلامي في توزيع الميراث

حِكمة الشرع الإسلامي في توزيع الميراث

بعد أن انتهينا من توزيع التركة على الورثة، وترتيب درجاتهم، ومقادير استحقاقهم في مراتبهم المختلفة، وقبل أن نتجه إلى ذِكر مَن تؤول إليه التركة إن لم يكن أحد من الورثة، نريد أن نلقي نظرةً في تعرف مرمَى الشرع الإسلامي في ذلك التوزيع، ومقامه من النُّظم الأخرى في الميراث.

إن أول ما يلاحظ الدارس في النظام الإسلامي للميراث أنه جعل ذلك نظامًا إجباريًّا بالنسبة للمورث، وبالنسبة للوارث، فليس للمورث سلطان على ماله بعد وفاته إلا في الثلث؛ يتدارك به تقصيرًا دينيًّا فاته، فأراد أن يفتديه بالمال، أو ليواسي مَن يستحق المواساة ممن تربطه به صلة مودة أو قرابة بعيدة لا يستحق بها ميراثه، أو لينفقه في جهات البِر، ومصالح الجماعة التي يعيش فيها.

أما الثلثان فليس له فيهما سلطان، والخلافة فيهما يتولاها الشارع يوزعها بين أسرته بالقِسطاس المستقيم، كل بمقدار حاجته، أو بمقدار قرابته.

تولى الشارع في الإسلام الخلافة في الثلثين، ولقد جعلهما في أسرته لا يخرجان عنها، بل يوزعان في دائرتها، هو ذلك؛ لأن منافع الأسرة متبادلة فيما بين آحادها، فالقوي فيها يحمي الضعيف، والغني فيها يمد الفقير بماله، ويعينه على نوائب الدهر، وقد أوجب الشارع للفقير العاجز عن الكسب نفقةً في مال قريبه الموسر ما دام قادرًا، وفي ماله فضل يعطيه منه، وكان ذلك التبادل الذي أقره الإسلام وأوجب بعضه، وحث عليه على ما لم يوجبه بحكم القضاء، سببًا في أن جعل الخلافة للأسرة في ثلثي مال المتوفى؛ إجبارًا عنه من غير أن يكون له دخل في ذلك التوزيع.

فكان التوزيع بوصية الله العادلة بدلَ وصيةِ غيره القاسطة، وإن جعل الوراثة في الأسرة لا تعدوها، أراد صاحب المال أو لم يرد، بل سواء أرضي أم سخط، وهو من عمل الشارع الإسلامي على حماية الأسرة، وإقامة بُنيانها، وتوفيق العلاقة بين آحادها، فهو من الناحية المالية والعاطفية حافظ عليها؛ لوجوب نفقة الفقير العاجز في مال القريب الغني القادر، ويجعل الميراث للأقارب.

وقد صار نظام الميراث مع نظام النفقات بين الأقارب في خطين متوازيين متماثلين، وجعل النفقة عند العجز لِمَن يرث المال إن كان غنيًّا، و”الغرم بالغرم” والحقوق والواجبات متبادلة.

وحافظ الشارع الإسلامي على الأسرة تلك المحافظة؛ لأنها وحدة البناء الاجتماعي، ولا شك أن إحساس كل واحد منهم؛ لأن له شطرًا في مالها يأخذه منه عند العجز، ويؤول إليه بعضه عند الوفاة، مما يقوي دعائمها، ويوفق الصلات، وينمي التعاون بين آحادها. وإنه من الوقت الذي يتجه الانحلال في الروابط التي تربط آحاد الأسرة، يكون ابتداء انحلال المجتمع في الأمة الواحدة، فتصير آحادها متنافرةً، لا وحدة تجمعها، ولا رابطة تنظمها، ولا اجتماع يقوم على دعائم من الخُلق القويم، فإن جعل الشارع الإسلامي الوراثة في الأسرة مجتمعة، وبعضها أولى من بعض في بعض الأحيان، وهو الأمر الوسط بين نظر الاشتراكيين الذين يمحون التوارثَ محوًا تامًّا، ولا يعتبرون للشخص مالًا إلا مما كسب بيده، ونظر الإفراضيين الذين يجعلون للشخص السلطانَ الكاملَ على ماله بعد وفاته، كما كان له السلطان الكامل عليه في حياته.

وإن في تلك النظرتين إطراحًا للأسرة، فالأُولى أهملتْها، ولو أراد المالك رعايتها، والأخرى تركتها لإرادته إن شاء أعطى وإن شاء منعَ، وربما يسير في العطاء والمنع فيما لا يوفق علائق الأسرة، بل فيما يوهنها.

جاء الشارع الإسلامي وسلب من المورث الإرادتين في الثلثين، وترك لإرادته السلطان في الثلث، ولم يسلب إرادته إلا في الثلثين، ولم يسلب إرادته في الثلثين إلا لحماية الأقربين له، وهو لم يسلبه الإرادة إلا ليعطي المال للأسرة بالقسطاس المستقيم، ولكي لا يكون في النفس جفوة المنع والإعطاء إن تولى ذلك المورث، وإن شئتَ أن تقول: إن مال الأسرة بين آحادها فيه نَوْع شركة فَقُلْ، وإن شئت أن تقول: إن النظام الإسلامي يشبه الاشتراكية في الأسرة فَقُلْ: بَيْد أن المِلكية ثابتة لكل مالك، لا يحل شيء من ماله للآخر إلا بطيب نفسه، أو بحكم القضاء.

ومظهر تلك الاشتراكية الضيقة في معناها هو في وجوب نفقة القريب على قريبه في جعل الميراث إجباريًّا بين آحاد الأسرة على النظام الذي بيناه.

error: النص محمي !!