Top
Image Alt

خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن

  /  خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن

خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن

الشبهات التي أُثيرت حول العمل بأحاديث الآحاد أو خبر الآحاد:

أثَارَ بعض المبتدعة الضالين شبهات حول العمل بخبر الآحاد أو حديث الآحاد. من هؤلاء: الشيعة الرافضة الاثنَا عشرية، فذهب هؤلاء وغيرهم: إلى رد خبر الآحاد، ولم يعملوا به. وسوف نورد بعض شبهاتهم، والرد عليها، ونبين بطلانها وضلال مَن يعتقد هذا الاعتقاد الباطل إن شاء الله تعالى.

وسبق أن ذكرنا: أن هدف هؤلاء الضالين الذين ينكرون العمل بخبر الآحاد، إبطال العمل بالقرآن الكريم، وتنحيته من حياة المسلمين، وجعله كتاب يُتعبد به ويُتبرك به فقط.

الشبهة الأولى: قالوا: خبر الآحاد يفيد الظن؛ لاحتمال الخطأ والنسيان على الراوي، فليس بقطعي الثبوت، فلا يصح الاستدلال به.

واستدل هؤلاء لِمَا ذهبوا إليه بما يأتي. قالوا:

نهى الله تعالى عن اتباع غير العلم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وأيضًا قالوا: ذم الله على اتباع الظن، فقال تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ} [النجم: 23]، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]، وقال -تبارك وتعالى-: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36].

وقبل الجواب عن الأدلة التي استدل بها المخالفون لأهل السنة وتبيين المراد منها، نقول: إن وجوب العمل بخبر الآحاد إنما عرفناه بالشرع لا بالعقل، فالشرع هو الذي أوجب علينا العمل بخبر الآحاد، فيجب العمل به سواء وافق العقل أم لم يوافقه، فالشرع حاكم على العقل.

أما عن قضية: “إن خبر الآحاد يفيد العلم أم الظن”؟ فهذه قضية خلافية نظرية لا يترتب عليها أدنى عمل؛ وذلك لأن الشرع قد أوجب علينا العمل بخبر الآحاد.

أما عن قضية: “تجويز الخطأ أو النسيان على الراوي” التي جعلوها سببًا لإفادة خبر الآحاد للظن، ورتبوا على ذلك أنه لا يعمل به، فلم يغفلها علماء أهل السنة، بل شَرَطَ المحدثون لصحة الحديث ما يؤمِّن جانبَ الخطأ والنسيان على الراوي. فشرطوا في الحديث المقبول الذي يعمل به عامةً، وفي الحديث الصحيح خاصةً: أن يكون سالمًا من الشذوذ والعلة القادحة، وسبق الحديث عن ذلك في باب الحديث المقبول.

مناقشة الأدلة التي استدل بها المخالفون لأهل السنة، وتبيين المراد منها:

أما عن قول الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، فالمراد من الآية الكريمة: منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقق منه كأن يرى شيئًا، أو يسمع أمرًا، فيشهد بما رأى أو بما سمع، ولا يجوز له أن يشهد على أمرٍ لم يره، أو يشهد على أمر لم يسمعه على سبيل الظن والتوهم. وأما وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه، إنما كان بناء على انعقاد الإجماع على ذلك، والإجماع قاطعٌ، فاتباعه لا يكون اتباعًا لِمَا ليس بعلم، ولا اتباعًا للظن.

قال الإمام الغزالي: أما العمل بخبر الواحد فمعلوم الوجوب بدليلٍ قاطعٍ أوجب العمل عند ظن الصدق، والظن حاصل قطعًا، ووجوب العمل عنده معلوم قطعًا، كالحكم بشهادة اثنين أو يمين المدعي، مع نقول المدعى عليه.

أما عن قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ}، فهذه الآية الكريمة إنما عابت على المشركين عبادتهم الأصنام والأوثان من دون الله عز وجل وهذا إنما أحدثوه من عند أنفسهم، وليس لهم عليه من دليل، بل هو كذب وافتراء. وسياق الآيات التي قبل هذه الآية وهذه الآية التي قطعوا جزءًا منها، يدل على ما نقول. قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 19- 23].

أما عن قوله تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]، إنما عابت على المشركين في تسميتهم الملائكة تسميةَ الأنثى، وادعائهم أن الملائكة بنات الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وليس لهم دليل صحيح على ما ادعوه؛ لأنهم لم يشاهدوا خلق الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يروه في كتاب، ولكنهم لا يتبعون في ذلك إلا الظن، والتوهم وسياق الآية التي استدلوا بجزئها يدل على ذلك، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 27، 28].

أما عن قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُون}، فهذه الآية الكريمة إنما وردت في ختام الآيات التي ناقشت الكافرين في قضية التوحيد، وأن آلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى اختلاقًا وزورًا، لا تملك من الأمر شيئًا، وأنهم ليس لهم دليل على دعواهم الكاذبة، وإنما هو مجرد ظن وتوهم من عند أنفسهم.

إن حجية خبر الآحاد ليست ظنية، بل هي مقطوع بها؛ لانعقاد الإجماع على ذلك بين العلماء منذ عصر الصحابة فمن بعدهم، ولا يضر دعوى الإجماع مخالفة هؤلاء، فإنه خلاف لا يعتد به، فلا يكون العمل به دليلًا ظنيًّا، بل بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك، وهو الإجماع.

وسبق أن ذكرنا أن العمل بخبر الآحاد من المعلوم من الدين بالضرورة، وأنه تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا حجة لقول أحد من البشر مع قوله أو عمله، أنه عمِلَ بخبر الآحاد، وكذا تواتر عن الصحابة والتابعين أنهم عملوا بأخبار الآحاد في وقائع لا تكاد تُحصَى، فوجوب العمل بخبر الآحاد إنما عرفناه بالشرع لا بالعقل، فالشرع أوجب علينا العمل بخبر الآحاد.

وماذا يقول هؤلاء الضالون في نصوص القرآن الكريم التي هي ظنية الدلالة، وهي التي تحتمل أكثر من فَهم، فأفهام المجتهدين تختلف في فهم هذه النصوص، ويذهب المجتهدون فيها مذاهب متعددة، وليس أحد منهم يقطع بصحة اجتهاده، ومع ذلك فالإجماع قائم على وجوب العمل بما أدَّى إليه اجتهاده، وليس لذلك سبيل إلا الظن.

وبهذا يتبين أن الأدلة التي استدل بها هؤلاء المخالفون ليست في موضعها، وإنما وردت بشأن مسائل أخرى، ولا يصح أن يستدل بجزء من آية أو بآية تُقطع عن سياقها الذي وردت فيه، بل لا بد من جمع أدلة القرآن الكريم والسنة المطهرة في المسألة الواحدة؛ ليستنبط منها الحكم الشرعي الصحيح، وهذا ما فعله أهل السنة؛ وذلك لأن المُسلم مخاطَب بنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة مجتمعةً.

أما المبتدعة -على اختلافهم- فَلَمْ ينظروا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة نظرةً كليةً موضوعيةً، بل استنبطوا الأحكام الشرعية من بعض الأدلة تاركين البعض الآخر، لذلك لم يوفقوا بل ضلوا وتاهوا، ولم يسلموا من الخطأ والزلل، الذي أدَّى بهم إلى فساد الاعتقاد. نسأل الله السلامةَ والعفوَ والعافيةَ في الدين والدنيا والآخرة.

الشبهة الثانية: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توقف في خبر ذي اليدين حين سَلَّمَ النبيصلى الله عليه وسلم على رأس الركعتين في إحدى صلاتي العشاء، وذلك قوله: “أقصرت الصلاة أم نسيت؟” ولم يقبل خبره حتى أخبره أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه، فأتم، وسجد للسهو.

قالوا: لو كان خبر الواحد حجة لأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتَه من غير توقف ولا سؤال.

نص الحديث: عن أبي هريرة   رضي الله عنه  : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيتَ؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر، فسجد مثل سجوده، ثم رفع». الحديث أخرجه الإمام البخاري.

الجواب عن هذه الشبهة:

هو أنه صلى الله عليه وسلم إنما توقف في خبر ذي اليدين؛ لتوهمه غَلَطه، لبعد انفراده بمعرفته ذلك دون من حضره من الجمع الكثير، ومع ظهور أمارة الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمِلَ بموجب خبره، كيف وأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما مع خبر ذي اليدين عملٌ بخبر لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضوع النزاع، وفي تسليمه تسليمُ المطلوب.

قال الحافظ ابن حجر: ولا حجة لمن استدل بخبر ذي اليدين على رد خبر الآحاد؛ لأنه عارض عمله صلى الله عليه وسلم وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل.

قال الحافظ ابن حجر: ووجه إيراد هذا الحديث -أي: حديث ذي اليدين في باب إجازة خبر الواحد- التنبيه على أنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يقنع في الإخبار بسهوه بخبر واحد؛ لأنه عارض فعل نفسه، لذلك استفهم في قصة ذي اليدين، فلم أخبره الجمع الغفير بصدقه، رجع إليهم. وهذا على طريقة من يرى رجوع الإمام في السهو إلى أخبار ما يفيد خبره العلم عنده، وهو رأي البخاري، لذلك أورد خبر ذي اليدين والخبر السابق عليه في هذا الباب، وهذا بخلاف من يحمل الأمر على أنه صلى الله عليه وسلم تذكر.

error: النص محمي !!