Top
Image Alt

خصائص البحث العلمي

  /  خصائص البحث العلمي

خصائص البحث العلمي

الخصيصة الأولى: “الموضوعية”:

لا بد أن يلتزم الباحث بالموضوعية في البحث العلمي، وهذه الموضوعية تنقسم إلى قسميْن:

  • التركيز على الموضوع.
  • بيان الحقائق والنتائج التي يؤدّي إليها البحث كما هي تمامًا، دون زيادة ولا نقصان، ولا تحريف ولا تبديل. وينبغي الالتزام بذلك حتى ولو كانت النتائج مخالفة لِما يراه الباحث، أو لِما كان يظنّه قبل البدء بالبحث.

ونضيف إلى هذه الخاصّيّة: أن هذا الأمر من الأمور التي يعلِّمنا الإسلام إيَّاها: نقول الحق ولو على أنفسنا، ولو على أهلينا، ولو لخصومنا، ولو لمن يعادوننا في الدِّين أو في الاعتقاد، أو في السياسة، أو في أمر من الأمور. الله تعالى يقول: رضي الله  عنه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }  [المائدة: 8].

ونجد في القرآن الكريم وفي حديث الرسول صلى الله عليه  وسلمالتأكيد على هذا المعنى.

فنحن نعلم ما بين المسلمين وما بين بعض أهل الكتاب الذين حرّفوا كتبهم حتى وصل الأمر إلى لعْنهم في القرآن الكريم أو لعْن بعضهم، ولكننا نجد أنّ القرآن الكريم يقول -على الرغم من هذا: { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون } [الأعراف: 159]، ويقول جل  جلاله عن أهل الكتاب: { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } [المائدة: 66]. وهكذا نتعلّم من الدِّين ومن العلْم: ضرورة الموضوعية التي لا بد فيها من قول الحقيقة كما هي، دون مخالفة أو تزييف أو تزيين، أو زيادة أو نقصان. الباحث عليه أن يسجّل الحقائق التي يتوصّل إليها البحث حتى لو كانت مخالفة لِما يراه من الأفكار، ولِما يرجو أن يتوصّل البحث إليه.

فلنفرضْ أنه وضع فرضًا علميًّا لتفسير ظاهرة، وجاءت النتائج مخالفةً لهذا الفرْض؛ عليه أن يتنازل عن هذا الفرض فورًا، وأن لا يُزَيِّف النتائج من أجل أن تتّفق مع فرْضه العلمي؛ بل عليه أن يُعدِّل مِن فرْضه العلْمي حتى يتّفق مع هذه النتائج الجديدة التي أوصله البحث العلمي إليها. فهذه هي الخاصية الأولى من خصائص البحث العلمي المحترَم. إذا لم يلتزم الباحث بهذا الأمر، فإن بحثه لا يكون ذا قيمة، وسوف يُعرف عنه هذا، وينظر الباحثون الكبار إلى هذا البحث نظرة دونيّة تجعل أهله ليس جديرًا بأن يُسلك ضمن عداد العلماء المتقِنين الواثقين من العلْم الذين تكون نتائجهم موضع التصديق وموضع الاحترام وموضع الاعتبار.

الخصيصة الثانية “المنهجية”:

إننا في نطاق العلْم نخضع لمنهج، لا نخبط خبط عشواء، ولا نكون كحاطب الليل لا يعلم ما الذي يأتي به، هل يأتي بشيء نافع أو بشيء ضار؟ هل يأتي بنباتات أو بحيوانات أو بحشرات؟ وإنما يجب أن نخضع للمنهج. والمنهج عبارة عن نظام وتنظيم للعلْم الذي يبحث فيه الإنسان، وللمعلومات التي يقوم بتجميعها، ثم يقوم بعرض هذه المعلومات عرضًا دقيقًا وبلغة دقيقة تخلو من الإنشائيات، وتخلو من المجازات، وتخلو من المبالغات، وتخلو من الأساليب التي لا يمكن قياسها أو حصرها أو معرفة مدلولاتها بطريقة دقيقة، أو الألفاظ المشتركة، أو الألفاظ الغامضة. لا بدّ أن تكون اللغة دقيقة، يعني: أحصل على معلومات بطريقة منهجية، ثم أعرضها عرضًا دقيقًا، بلغة دقيقة، مع التدرج في العرض.

يعني: أبدأ بالأوّليات ثم أثنِّي بما يترتّب عليها، وبالنتائج اللاحقة لها؛ فلا أقدّم ما حقّه التأخير، ولا أأَخِّر ما حقّه التقديم. وأنتقل من الأمور السهلة إلى الأمور الصعبة، ومن المسائل المعلومة إلى المسائل المجهولة، ومن الأمور المسلّمة إلى ما يمكن أن يكون موضع خلاف. وأربط الأفكار ربطًا منطقيًّا، وأنتقل انتقالًا طبيعيًّا متسلسلًا دون فجوات أو دون قفزات. فهذا هو المنهج العلْمي.

وبعبارة ملخّصة، نقول: إنّ المنهج العلمي يُعرف بأنه: فنّ التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار، بُغية الوصول إلى نتائج محدّدة، إمّا من أجل الكشف عن مجهول، وإمّا من أجل البرهنة على شيء معلوم للآخَرين؛ وهذان أمران مُهمّان جدًّا.

والإنسان لا يكتسب هذا في يوم وليلة، ولا بجهد يسير، ولكن بالتّدرّج وبالتّعلّم وبالإفادة من البحوث المُطبّقة التي يتعلّم عليها، وبالإفادة من الأساتذة، وبالاستماع إلى البحوث، وبترويض النفس على اتّباع المنطق الصحيح والمنهج القويم الذي يصبح شيئًا خاصًّا في ذهن هذا الباحث، ويصبح من خصائصه، ويتعوّد عليه بحيث إذا استقرّ وأصبح من عادته العلْمية لا يستطيع أن يخالفه؛ فلا يستطيع أن يقفز هكذا كالطائر الذي ينتقل من غصن إلى غصن، بل لا بدّ أن ينتقل انتقالًا طبيعيًّا تدريجيًّا، وأن يبرهن على الأفكار، وأن يناقش الخلافات حتى يتوصّل إلى نتيجة، وأن يوازن الأفكار حتى يصل إلى أصْوبها وأقْومها … إلخ، يكتسب هذا بعد محاولات، وبعد تدريب، وبعد تعوّد، وبعد إشراف، يكتسبه حتى يصبح كالطبيعة الثابتة لدى هذا الإنسان؛ ومن ثم لا يكون لديه صعوبة في الالتزام به، وفي الخضوع لمقتضياته، وفي الالتزام بإجراءاته وخطواته. وعندئذٍ يكون الأمر سهلًا ميسورًا عليه، فيسير في البحث العلْمي سيرًا حثيثًا دون عقبات أو معوّقات.

البحث لا بدّ من التنظيم الصحيح فيه، من أجل الكشف عن المجهول، أو من أجل البَرهنة على هذا المجهول للآخَرين. هذان أمران مهمّان جدًّا، ولكن هذان الأمران هما الغايتان النهائيّتان للبحث.

وقبل أن نصل إلى هذه الغايات المرجوّة من البحث، فإننا نلتزم ببعض الجوانب الشكليّة، وببعض الجوانب الموضوعيّة:

ومن الجوانب الشكلية المهمّة: أنّ لدينا بعض الأمور اللازمة للدلالة على أصالة البحث، وجودته، والتزامه بالمنهج.

مثلًا: نختار عنوانًا جيّدًا للبحث، وعنوانًا بمواصفات خاصة -سيأتي الحديث عنها بالتفصيل فيما بعد. ويكون عنوانًا له صفات معيّنة تُدرجه ضِمن موضوعات البحث العلْمي. ثم نصوغ حقائق البحث، ومسلّمات البحث، ونتائج البحث، وأفكار البحث، صياغة دقيقة جدًّا، فيها الترابط المنطقي. ثم نقوم في النهاية بعمل فهارس للمصادر وللمراجع، وللقوائم، وللأفكار الرئيسة في البحث، ولكل ما نتوصّل إليه في داخل هذا البحث. هذه بعض الجوانب الشكلية التي لا بد من الالتزام بها حتى نكون في نطاق بحث علْمي.

ومن الجوانب الموضوعية: سعة الاطّلاع، فلا يكون البحث هكذا قليل المعلومات. لا بد أن يكون فيه سعة الاطّلاع، ولا بد من حسن الرأي، وجودة المناقشة. ولا بدّ من ظهور الطابع النقدي للباحث، وليس آلة مسجّلة، ولكنه عقل يفكّر، عقل يُدلي برأيه، عقل يقول قولًا جديدًا. ويجب أن يتدرّب على ذلك، وأن يتعوّد، وأن يكون لديه المقدرة على أن يقول في مثل هذه المسائل، وأن يقوِّمها تقويمًا علميًّا مناسبًا.

ثم لا بدّ من سيطرة الباحث على موضوع البحث، وحضور الشخصية في أثناء البحث، دون أن يكون لديه تعالٍ أو تكبّرٌ في صياغة المعلومات أو في صياغة النتائج، ودون أن يكون لديه انسحاق أمام آراء الآخَرين. لا بدّ أن يكون عنده شخصيّة علميّة متّزنة متكاملة قادرة على الدفاع عن الرأي، والتوصل إلى الحقائق، وتقويم الأفكار الموجودة، ولا بدّ أن يعبّر عن ذلك كلّه بلغة علْمية دقيقة واضحة سهلة ومركّزة، بريئة عن الغموض، وبريئة عن التعقيد الذي يُذهب المعاني؛ كلّ هذا لا بدّ منه حتى نقول: إننا أمام بحث علميّ. ثم نسأل ونذكر دائمًا عن الجدوى العلمية للبحث، أي: عن الإضافة العلْمية التي سيضيفها البحث -كما قلنا من قبل عند التعريف.

لا بد أن يكون للبحث جدوى علْمية، لا يكون بحثًا في الفراغ، ولا بحثًا عن المطلق الذي لا نتوصّل إليه، وإنما يجب أن يكون له جدوى علْميّة، لا يحلّق في الفضاء.

فكرة “العلْم للعلْم” قد تُتقبَّل في بعض المستويات للّذين حصلوا مستويات عُليا من العلْم، ولكنّنا نريد العلْم للحياة وللإنسان والفائدة. ونحن نعلم: أنّ من تقاليدنا العربية والإسلامية: أنّ المسلمين الأوائل كانوا يكرهون الكلام إلَّا فيما تحته عمَل، والذي له ثمرة، وله جدْوى؛ ولذلك كانوا يبتعدون عن الجدل العقيم، وعن المراء الذي يؤدّي إلى التهوين من الحق ومن إعلاء كلمة الباطل. فلا بد من أن يكون للفكر نتيجة؛ يقول الإمام مالك بن أنس: “الكلام في الدِّين أكرهه، وما زال أهل بلدنا يكرهونه. وكانوا لا يحبون الكلام إلَّا فيما تحته عمَل”. يعني: الفكر يؤدِّي إلى إسعاد وتطوّر الحياة، ومواجهة المشكلات، وحلّ المعضلات، والقضاء على الأمراض، وتطوّر العلْم … إلخ.

هذا هو الذي ينبغي أن نقوله ونحن نتحدّث عن الأمر؛ حتى نكون أمام أبحاث علْمية جديرة بالإنفاق عليها، وجديرة بأن يُفني الباحث من عمره سنوات وسنوات من أجْل الوصول إلى الحقائق.

لا يكون هذا الكلام في فراغ، أو في غير جدوى، لا بد أن يكون هناك جدوى علْمية، إضافة إلى العلْم، جدوى اجتماعية، حلّ للمشكلات. وهكذا نستطيع أن نقول: ليس البحث العلمي مجرّد جمْع للبيانات والمعلومات، وليس تكرارًا ولا ترديدًا لِما قاله السابقون، ولكنه يقدّم حقائق جديدة، ويفسّرها، ويدلّل عليها، ويبرهن على صحّتها، ويجعل هذه المعلومات صالحة للتطبيق في مجالاتها العلْمية المحدّدة، ويقدّم فائدة للإنسان وللحياة وللمجتمع. وكلّ ذلك بالاعتماد على التفكير العلمي النقدي، وعلى تقديم هذه النتائج بموضوعية وأمانة، وبغير تحيّز ولا هوى، وبغير استعلاء ولا تكبّر، وبغير انسحاق أو انزواء، ولكن بتوازن علْمي ينبغي أن يكون عليه الحال، ونحن نتحدث عن البحوث العلمية الدقيقة بخصائصها التي حدثنا عنها هؤلاء العلماء.

error: النص محمي !!