Top
Image Alt

خصائص الشعر العباسي في الألفاظ والتراكيب، والمعاني والمضامين

  /  خصائص الشعر العباسي في الألفاظ والتراكيب، والمعاني والمضامين

خصائص الشعر العباسي في الألفاظ والتراكيب، والمعاني والمضامين

الخصائص هي: السمات الغالبة التي يكثر شيوعها عند الشعراء في كثير من القصائد، وهذه الخصائص تتغير تبعًا لتغير العصر، والظروف، والبيئة، والمؤثرات التي تؤثر في نفس الشاعر وتؤثر بالضرورة في شعره.

والسمات الفنية التي تلقانا ممثلة للخصائص التي تَميز بها الشعر في العصر العباسي، تتمثل في:

أولًا: الأسلوب.

ثانيًا: المعاني والمضامين.

1. السمات الفنية في أسلوب الشعر:

أ. التأنق في الصياغة:

التأنق هو: الحرص على الجمال، وقد كان الحرص على الجمال والرفاهية نمطًا من أنماط الحياة في العصر العباسي بسبب كثرة الأموال، وازدياد ألوان النعيم في هذا العصر؛ فأخذ الناس يتأنقون في مطعمهم، ومشربهم، وملبسهم، ومسكنهم، ويزينون دُورهم وقصورهم؛ فكان لا بد أن ينعكس أثر هذا التأنق في مظاهر الحياة المختلفة على الشعر؛ فالشعر دائمًا تعبير عن الحياة، وما فيها.

لقد كان الطبع الحضاري الذي غلب على الحياة العربية في العصر العباسي، هو الذي جعل الشعر ينجذب إلى التأنق، كما يقول الدكتور عبد الرحمن عثمان -عليه رحمة الله:

“والطبع الحضاري تجذبه الأناقة في كل ما هو مبثوث حوله، وتستهويه الزينة أيما استهواء، وهذا دليلٌ على تطور الأذواق ورقيها، وهو في الوقت نفسه سببٌ قوي في أن يجيء أسلوبها الشعري على نحو تستريح إليه، من صياغة أنيقة تعكس على صفحته فنونًا من الزينة والجمال”.

وقد اتخذ التأنق في الأسلوب الشعري مادته من فن البديع؛ كاستعمال الجناس، والطباق، والتقسيم؛ لأنها تكسو الأسلوب جمالًا وفتنة إذا أحسن توظيفها، ونحن عندما نتحدث عن هذه السمة وغيرها، فإنما نتحدث عن مجموع الشعر في العصر العباسي، وأنت تعرف أن هذا العصر امتد قرونًا، وشمل بيئات عديدة.

لقد وشى الشعراء قصائدهم بأنواع من البديع، مقتصدين أحيانًا، ومسرفين أحيانًا أخرى، وهذه الظاهرة تبدو سمة من سمات أسلوب الشعر في هذا العصر، من ذلك مثلًا قول أبي تمام في مدح المعتصم:

تَدبيرُ مُعتَصِمٍ بِاللَهِ مُنتَقِمٍ

*لِلَّهِ مُرتَقِبٍ في اللَهِ مُرتَغِبِ

ففي البيت جناس بين “معتصم” و”منتقم”، وبين “مرتقب” و”مرتغب”.

ويقول أيضًا:

رُبَّ خَفضٍ تَحتَ السُرى وَغَناءٍ

*مِن عَناءٍ وَنَضرَةٍ مِن شُحوبِ

ويلاحظ أن بين “غَناء” و”عَناء” جناس، وبينهما أيضًا نوع من الطباق، وكذلك بين “نضرة” و”شحوب” طباق.

ومن ذلك أيضًا قول الشاعر العتابي يعاتب المأمون، وقد حُجب عنه وكان به حفيًّا من قبل ذلك، يقول:

تَضرِبُ الناسَ بِالمُهَنَّدَةِ البيـضِ

*عَلى غَدرِهِم وَتَنسى الوَفاءَ

فطابق بين “الغدر” و”الوفاء”، وفي باطن كلامه جناسٌ كذلك؛ لأن في قوله: “تنسى الوفاء” معنى تغدر.

ومن هذا التأنق واستخدام الزينة البديعية ما نجده في قول العباس بن الأحنف:

وِصالُكُمُ صَرمٌ وَحُبُّكُمُ قِلًى

*وَعَطفُكُمُ صَدٌ وَسِلمُكُمُ حَربُ

ففي هذا تقسيم وذكر للشيء وضده، فـ”الوصال” ضده “الصرم” أي: القطيعة. و”الحب” ضده “القلى”، وهو الهجر. و”العطف” ضده “الصدّ”. و”السلم” ضده “الحرب”.

وعلى هذا النحو من التأنق في الصياغة مضى الشعر العباسي متأثرًا بما شاع في الحياة العامة من تأنق وميل إلى الزينة والجمال.

ب. السهولة:

لقد تميز الشعر العباسي -كما يقول النقاد- بالسهولة لسببين:

السبب الأول: أن الشاعر يتحدث إلى جمهور هو مزيج من العرب والعجم، يعيش في بيئة حضارية هي بلاد فارس وغيرها من البلاد التي فُتحت ودخل أهلها في الإسلام، وهذه البيئات الجديدة قد بعدت بالأجيال الجديدة عن الحياة البدوية التي كان يحياها العرب في العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي، والأموي كذلك، ورأى الناس أنماطًا جديدة من الحياة في هذا العصر جعلتهم أميل إلى حب السهولة، ولذلك تجاوب الشعراء مع هذا الذوق الجديد وتلك الحياة الجديدة، وخاطبوا هذا الجمهور -الذي هو مزيجٌ من العرب والعجم- بأسلوب سهل يمكن أن يَفهمه الجميع.

السبب الثاني: إن هؤلاء الشعراء أنفسَهم كانوا غالبًا من هذا المزيج، ولكن مواهبهم الفنية كانت تعطفهم إلى النهج العربي الصميم، وثقافتهم من اللغة العربية وأدبها كانت تشدُّ من ملكاتهم فيما يتصل بالتعبير، ولهذا كانت أساليبهم في يُسرها من باب السهل الممتنع بما تضمنت من رقة آسرة، وعذوبة خلابة، فليست السهولة في هذا الشعر لينًا أو هلهلة في الأسلوب، أو ضعفًا في الصياغة، لم تكن السهولة شيئًا من هذا الضعف أو تلك الركاكة في شيء، وإنما كانت سهولة مع المحافظة على فصاحة اللغة وسلامة أساليبها في أغلب الأحيان.

وتتضح هذه السمة في هذه الأبيات التي يقول فيها بشار بن برد:

إِنَّ الخَليفَةَ قَد أبى

*وَإِذا أَبى شَيئًا أَبَيتُه

وَمُخَصّبٍ رَخصِ البَنا

*نِ بَكى عَلَيَّ وَما بَكَيتُه

يا مَنظَرًا حَسَنًا رَأَيتُ

*بوَجهِ جارِيَةٍ فَدَيتُه

بعثت إلي تسومني

*ثوب الشباب وقد طويته

ومن غزله الرقيق السهل الممتنع يقول:

لَم يَطُل لَيلي وَلَكِن لَم أَنَم

*وَنَفى عَنّي الكَرى طَيفٌ أَلَم

وَإِذا قُلتُ لَها جودي لَنا

*خَرَجَت بِالصَمتِ عَن لا وَنَعَم

وفه يا عبد عني وأعلمي

*أنني يا عبد من لحم ودم

إن في بردي جسمًا ناحلًا

*لو توكأت عليه لانهدم

وأنت تلاحظ أن هذه الأبيات جميعًا لا تجد فيها لفظًا غريبًا أو لفظًا صعبًا.

ج. استخدام الأدلة المنطقية والآراء الفلسفية:

كان الشعر في العصر العباسي ميدانًا فسيحًا للأفكار العميقة والمنطق المرتب؛ فقد رتبوا معانيهم، واستدلوا عليها، وضربوا الأمثال وذكروا الحكم على ألسنة الحيوان والطير، واقتبسوا معاني فلسفية من البيئات العلمية النشطة في هذا العصر، مما يدل على ذلك مثلًا قول بشار:

إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِبًا

*صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه

فَعِش واحِدًا أَو صِل أَخاكَ

*فَإِنَّهُ مقارِف ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه

إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِرارًا عَلى القَذى

*ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه

ومَنْ ذا الّذي تُرضى سَجاياه كُلُّها

*كَفَى المَرْءَ نُبْلًا أنْ تُعَدَّ مَعايبُهْ

ومن ذلك أيضًا قول أبي العتاهية:

يا عَجَبًا لَلناسِ لَو فَكَروا

*وحاسَبوا أَنفُسَهُم أَبصَروا

وَعَبَروا الدُنيا إِلى غَيرِها

*فَإِنَّما الدُنيا لَهُم مَعبَرُ

الخَيرُ مما لَيسَ بِخفى هُوَ

*المَعروفُ وَالشَرُّ هُوَ المُنكَرُ

وَالمَوعِدُ المَوتُ وَما بَعدَهُ

*الحَشرُ فَذاكَ المَوعِدُ الأَكبَرُ

لا فَخرَ إِلّا فَخرُ أَهلِ التُقى

*غَدًا إِذا ضَمَّهُمُ المَحشَرُ

عجبت للإنسان في فخره

*وهو غدًا في قبره يقبر

ما بال من أوله نطفة

*وجيفة آخره يفخر

أصبح لا يملك تقديم ما

*يرجوه ولا تأخير ما يحذر

وأصبح الأمر إلى غيره في

*كل ما يقضى وما يقدر

فأنت تُلاحظ أن الأفكار مُرتبة ومستدل عليها استدلالًا منطقيًّا في هذه الأبيات، والتي قبلها.

د. ظهور بعض الألفاظ الأعجمية: وجاء هذا نتيجة اختلاط العرب بغيرهم من الأمم.

هـ. ظهور التعبيرات العلمية والتعبيرات الفلسفية:

وجاء هذا نتيجة لنشاط الدرس العلمي في العصر العباسي الذي كان غنيًّا بالثقافة والعلم في شتى الفروع، ومن هذا مثلًا ما جاء في شعر ابن الرومي من قوله:

أباح العراقيُّ النبيذَ وشربَهُ

*وقال حرامان المدامةُ والسُّكرُ

وقال الحجازيُّ الشرابان واحدٌ

*فحلّتْ لنا بين اختلافهما الخمرُ

فهو يُحاول أن يصل إلى هذه النتيجة بخبث من خلال التوفيق أو التلفيق بين ما قاله العراقي والحجازي، وذلك بالتأكيد نوع من استخدام الأسلوب العلمي في مجال الشعر. ومن هذا أيضًا ما ورد في قول أحدهم:

ولو قبلت في حادث الدهر فدية

*لقلنا على التحقيق نحن فداؤهم

فقوله: “على التحقيق” أسلوب من أسلوب العلماء والفقهاء، وقد استحسنه بعض النقاد كابن رشيق، ولم يستحسنه بعضهم.

ومن هذا الباب أيضًا استعمالهم للتعبيرات الفلسفية؛ كـ: التناهي، والتوليد، والمعاد، والتجزؤ، والجوهر، والمادة… وغير ذلك من الألفاظ الفلسفية.

و. كثرة المبالغة:

بالغ الشعراء في أوصافهم، وفي مدحهم، وتصويرهم للحقائق؛ مما لفت الأنظار إلى هذه المبالغات، وجعل النقاد ينقسمون بإزائها إلى من يجيزها ومن لا يجيزها، وإلى الذهاب إلى الحدود المقبولة في المبالغة أو الأمور التي تجعلها مقبولة مثلًا.

من أمثلة المبالغة في المدح قول منصور النمري في المدح:

خليفة الله إن الجود أودية

*أحلك الله منها حيث تجتمع

إذا رفعت امرأ فالله رافعه

*ومن وضعت من الأقوام متضع

من لم يكن بأمين الله معتصمًا

*فليس بالصلوات الخمس ينتفع

إن أخلف القطر لم تخلف

*مخايله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع

فهذه الأبيات تشتمل على مبالغات كثيرة تجاوزت حدود المقبول والمعقول.

ومن المبالغة في الذم والهجاء قول ابن الرومي:

لو كان قصرك يا ابن يوسف كله

*إبرًا يضيق بها فناء المنزل

وأتاك يوسف يستعيرك إبرة

*ليخيط قدَّ قميصه لم تفعل

فابن الرومي يهجو رجلًا اسمه ابن يوسف، يهجوه بالبخل؛ فيقول له: لو كان قصرك كله مملوءًا أو عبارة عن إبر يضيق بها فناء هذا القصر، وجاءك يوسف أبوك يستعير منك إبرة ليخيط قطعًا في قميصه لم تفعل، لن تعير أباك إبرة يخيط بها قميصه وقصرُك كله مملوء إبرًا، فهذا من المبالغة في الهجاء والذم كما ترى.

ز. براعة الابتداء والانتقال والانتهاء:

براع الشعراء العباسيون في مطالع القصائد وافتتاحها، وبرعوا كذلك في الانتقال من غرض إلى غرض أثناءها، بطريقة لا تدل على النقلة المفاجئة، كما كان انتهاؤهم لا يدل على ترقب غير منتظر أو نهاية غير محمودة؛ فحسنت ابتداءاتهم وانتقالاتهم وانتهاءاتهم.

ومن الابتداءات الحسنة -مثلًا- قول أبي نواس:

لِمَن دِمَنٌ تَزدادُ حُسنَ رُسومِ

*عَلى طولِ ما أَقوَت وَطيبِ نَسيمِ

ومنها قول البحتري:

بِوُدِّيَ لَو يَهوى العَذولُ وَيَعشَقُ

*فَيَعلَمَ أَسبابَ الهَوى كَيفَ تَعلَقُ

ومن حسن التخلص والانتقال من غرض إلى غرض، قول مسلم بن الوليد في يحيى البرمكي وابنه جعفر:

أَجَدِّكِ هل تَدرينَ كم رُبَّ لَيلَةٍ

*كَأَنَّ دُجاها مِن قُرونِكِ يُنشَرُ

لهوت بها حَتّى تَجَلَّت بِغُرَّةٍ

*كَغُرَّةِ يحيى حينَ يمدح جَعفَرُ

فقد أحسن الانتقال من النسيب والغزل إلى المدح في البيت الثاني من هذين البيتين.

ومن براعة الختام أو حسن الانتهاء، ما جاء في قول أبي نواس في آخر رثائه للأمين:

وَكُنتُ عَلَيهِ أَحذَرُ المَوتَ وَحدَهُ ُ

*فَلَم يَبقَ لي شَيءٌ عَلَيهِ أُحاذِر

ومنه أيضًا قوله في آخر قصيدته التي يمدح بها الخصيب، والتي أولها:

أَجارَةَ بَيتَينا أَبوكِ غَيورُ

*…. …. …. ….

قوله في آخرها:

فَإِن تولِني مِنكَ الجَميلَ فَأَهلُهُ

*وَإِلّا فَإِنّي عاذِرٌ وَشُكور

2. السمات الفنية في المعاني والمضامين الشعرية:

أضاف الشعراء العباسيون إلى المعاني التي تناولها الشعراء قبلهم أبعادًا أظهرتها في ثوب جديد حينما تناولوها وعبَّروا عنها، كما أضافوا معاني جديدة مبتكرة.

فمن المعاني الطريفة ما جاء في قول بشار بن برد:

يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ

*وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا

قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم

*الأُذنُ كَالعَينِ تُوفي القَلبَ ما كانا

هَل مِن دَواءٍ لِمَشغُوفٍ بِجارِيَةٍ

*يَلقَى بِلُقيانِها رَوحًا وَرَيحانا

ومن هذا أيضًا قول أبي تمام:

وَإِذا أَرادَ اللَهُ نَشرَ فَضيلَةٍ

*طُوِيَت أَتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ

لَولا اِشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَت

*ما كانَ يُعرَفُ طيبُ عَرفِ العودِ

ومن هذا الباب أيضًا قوله:

لا تُنكِري عَطَلَ الكَريمِ مِنَ الغِنى

*فَالسَيلُ حَربٌ لِلمَكانِ العالي

وَتَنَظَّري خَبَبَ الرِكابِ يَنُصُّها

*مُحيي القَريضِ إِلى مُميتِ المالِ

ومنه أيضًا قول ابن الرومي:

وإذا امرؤ مدح امرأً لنواله

*وأطال فيه فقد أراد هجاءَهُ

لو لم يقدِّر فيه بُعْدَ المُسْتقَى

*عند الورود لَمَا أطال رشاءَهُ

ومنه قول أبي نواس في المدح:

أَنتَ اِمرُؤٌ أوليتني مننًا

*أَوهَت قِوى شُكري فَقَد ضَعُفا

لا تحدثن إِلَيَّ عارِفَةً

*حَتّى أَقومَ بِشُكرِ ما سَلَفا

أما المعاني القديمة التي تناولها الشعراء السابقون على العصر العباسي؛ فقد أضاف إليها شعراء هذا العصر عندما تناولوها، وأظهروها في معارض جديدة، وأضافوا إليها أبعادًا لم تكن فيها من قبل، وقد مثل النقاد لذلك بقول النابغة الذبياني الشاعر الجاهلي في الاعتذار للنعمان بن المنذر:

فَإِنَّكَ كَاللَيلِ الَّذي هُوَ مُدرِكي

*وَإِن خِلتُ أَنَّ المُنتَأى عَنكَ واسِعُ

فهذا معنى جاهلي تناوله بعض الشعراء العباسيين؛ فأضافوا إليه، وممن تناول هذا المعنى فأضاف إليه سلم الخاسر والبحتري، فسلم يقول:

فأَنتَ كَالدَهرِ مَبثوثًا حَبائِلُهُ

*وَالدَهرُ لا مَلجَأٌ مِنهُ وَلا هَرَبُ

وَلَو مَلَكتُ عِنانَ الريحِ أَصرِفُها

*في كُلِّ ناحِيَةٍ ما فاتَك الطَلَبُ

وتناول البحتري هذا المعنى فقال:

وَلَوَ اَنَّهُم رَكِبوا الكَواكِبَ لَم يَكُن

*ينجيهم مِن خوف بَأسِكَ مَهرَبُ

يقول الدكتور إبراهيم أبو الخشب -عليه رحمة الله- في التعليق على هذه الأبيات:

“لا نشك في أن النابغة مع اعتقادنا أنه وفَّى المعنى؛ إذ يصور حالة نفسه أبلغ تصوير، في أن الجريمة تلاحقه في كل وجه من وجوه حله وترحاله، وسيره وإقامته، لا ينجيه منها هرب؛ لأن الذي يطالبه بها قد أخذ عليه كل منفذ، وقطع عليه كل سبيل، وهو النعمان الذي يعتذر إليه النابغة”.

لكن الدكتور أبو الخشب يفضِّل أقوال العباسيين، فيقول عن سلم الخاسر الذي قال: “فأنت كالدهر” يقول: “إنه أعطانا صورة تمثيلية تأخذ بالخاطر، وتتملك الإعجاب، في الدهر المبثوث حبائله، وعنان الريح التي يصرفها”.

ويقول عن البحتري في قوله:

وَلَوَ اَنَّهُم رَكِبوا الكَواكِبَ لَم يَكُن

*ينجيهم مِن خوف بَأسِكَ مَهرَب



“إنه دار بخياله ركوب الكواكب؛ كأنه هو الآخر نموذج من السحر، وصورة طريفة من صور الجمال”.

ثم يقول: “ومن حقنا بعد هذا الذي ذكرناه أن نأخذ على النابغة تشبيهه النعمان بن المنذر بالليل، وفي الليل السواد والظلمة والوحشة والانقباض، وهو في مقام التذلل له، وكان من حق هذا المقام أن يهزه بكلام رقيق ولفظ أنيق، إلا إذا اعتذرنا له بأن غير الليل من الكلمات لا يفي بهذا الغرض؛ لأنها ربما كانت مع وفائها بمعنى الإحاطة والإدراك والملاحقة والطلب لا تفيد معنى الرهبة والخوف، على أن الشاعر وهو يستمد التشبيه من وجدانه وشعوره لم يجد ما يفي بحاجته من التشبيه، والدنيا في عينيه سواد قاتم، شيئًا وراء الليل الذي يُسدل جناحيه على السكون، وينشر همته على الخليقة، سواء منها ما كان متعرضًا له، أو متواريًا عنه”.

ثم يقول: “وقد اتفق علماء النقد الأدبي على أن الذي يأخذ معنى من سابق عليه إن لم يزد فيه زيادة تكبر من شأنه، وتعلي من قدره، وتجعل القارئ له يكاد يشهد له بالإبداع، ويوقن له بالانفراد، لا يكون أخذه له إلا مسخًا أو سلخًا، وهو التشويه والاغتصاب والسطو والسرقة، وقد كان الشاعر العباسي إذا ما راق في نفسه معنى لا يرضى بأخذه إلا إذا خلع عليه من فنه، وأضفى عليه من حسن عرضه، وأضاف إليه من رائع عبقريته، ما يجعله مثار إعجاب وموضع غرابة ودهشة”.

وهذا في تعليقه على الأبيات التي سلفت.

ويورد الدكتور أبو الخشب -رحمة الله عليه- مثالًا آخر من الشعر الجاهلي، وهو البيت الذي يقول فيه صاحبه:

وَلست بنظّار إِلى جانِب الغِنى

*إِذا كانَت العَلياء في جانِب الفَقر

ويوازن بينه وبين قول أبي تمام من شعراء العصر العباسي:

يَصُدُّ عَنِ الدُنيا إِذا عَنَّ سُؤدُدٌ ألهت

*وَلَو بَرَزَت في زِيِّ عَذراءَ ناهِدِ

فيقول: “وتكون كلمته -أي: كلمة أبي تمام- أخلد على الدهر من الدهر نفسه؛ لأنه تحدث حديث خبير، وصاغ صياغة حاذق، وعبر تعبير فيلسوف؛ فإذا كان صاحبه يقول: “الغنى” فإنه يقول: “الدنيا” وهي أضخم وأفخم، وإذا كان صاحبه يقول: “العلياء” فإنه يقول: “السؤدد” وهي علياء وزيادة. ثم يزيد عليه بعد ذلك كله كلمة “عذراء ناهد” التي تغري العابد، وتثير صبابة الحليم”.

هكذا كان الشعراء العباسيون في تناولهم لمعاني السابقين عليهم، يضيفون إليها ويظهرونها في معارض جديدة، كما أنهم اخترعوا معاني جديدة كما أسلفت.

error: النص محمي !!