Top
Image Alt

خصائص ولاية المظالم, والفرق بينها وبين القضاء

  /  خصائص ولاية المظالم, والفرق بينها وبين القضاء

خصائص ولاية المظالم, والفرق بينها وبين القضاء

تكوين المجلس, الذي يفصل في قضايا المظالم بين الناس:

هو في الواقع مجلس كبير، يتكون من أنواعٍ من الناس، على رأسهم يأتي الوالي -والي المظالم- وهذا الوالي يعينه الخليفة أو السلطان أو الحاكم العام على الإقليم.

وكان الذي يُختار لولاية المظالم لا بد من أن تتوفر فيه عدة شروط, منها:

أن يكون جليل القدر -أي: أن يكون رجلًا له مكانة عظيمة.

وأن يكون نافذ الأمر -أي: إذا قال نفَّذ ما قال, كالوزير مثلًا.

وأن يكون عظيم المهابة, له شخصيته القوية النفسية والجسمانية والفعلية.

 وأن يكون ظاهر العفة -أي: لا يفكر في السطو على أموال الناس, أو أخذ الرشاوى.. وما إلى ذلك.

وأن يكون قليل الطمع، كثير الورع؛ حتى لا يطمع في أموال الناس.

هذا الوالي كان الخليفة يقلّده كما يقلّد القاضي، فالخليفة له أن يباشر هذا الأمر بنفسه، وله أن يولي من يباشره نيابة عنه أو وكيلًا عنه، فإن كان المباشر ممن له الولاية العامة في الأمور كالوزراء والأمراء؛ فإن النظر فيها ومباشرتها لا يحتاج إلى تقليد وتولية من الإمام، وذلك لعموم ولايته، وإن لم يكن للمباشِر ولاية عامة احتاج إلى تقليد -أي: احتاج إلى خطاب أو إلى إسناد أو تعاقد- يكلَّف به من قِبَل من له الحكم على الولاية أو على المنطقة التي سيقضي فيها؛ بشرط أن يتحقق فيه شروط التولية، وأن يكون ممن يجوز له تولي الوظائف مثل: ولاية العهد، وزارة التفويض، الإمارة على البلاد.

هذا إذا كان نظره في المظالم عامًّا، أمَّا إذا كان نظره قاصرًا على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه، وقصَّرت يدهم أو يد غيرهم عن إمضائه؛ جاز أن يكون دون هذه الرتبة, فليس من الضروري أن يكون ولي العهد أو وزير التفويض أو الإمارة على البلاد يجوز أن يكون قاضيًا، ويكون أقل من هذه الرتب السابقة، ويُدْعَم؛ أي: يُقوّى ويسند من جانب الوالي أو من جانب الخليفة، ويختار بحيث يكون لا تأخذه في الحق لومة لائم.

أيضًا ينبغي تخصيص يوم لنظر المظالم, لكن عليه أن يعلن ذلك للناس؛ حتى يقصده فيه المتظلِّمون، ويشارك أيضًا في مجلس الوالي نخبة من خمسة أصناف، لا يكمل المجلس إلّا بحضورهم، وهم:

أولًا: الحماة والأعوان: وكانوا من القوة بحيث يستطيعون التغلب على من يلجأ إلى العنف، ويبدو أن هذه الحماية تكون من الشرطة، أو فرقة من الجيش، أو ناس أقوياء ومعهم السلاح، حتى إذا حكم والي المظالم على شخص، ورفض هذا الشخص الحكم، أو حاول أن يستعمل العنف أو الشدة؛ يقابل بشدة من هؤلاء الحماة.

ثانيًا: القضاة والحكَّام: ويكون مع الوالي أيضًا بعض القضاة؛ لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق, فيستأنس بل يستشيرهم، ويطَّلع على ما عندهم من علم فيما يثبت من الحقوق وما لا يثبت، ومَن هو صاحب الحق, ومن هو الظالم، ومن هو المظلوم.

ثالثًا: أيضًا يكون معه بعض الفقهاء؛ حتى يستشيرهم فيما أشكل عليه من الأمور الشرعية.

رابعًا: بعض الكتاب؛ حتى يكتب الكاتب ويثبت في سجلاته ما انتهى إليه والي المظالم من حكم.

خامسًا: بالإضافة إلى الشهود؛ ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم.

فإذا استكمل المجلس هذه الأصناف الخمسة، وحضروا جميعًا؛ شرع الوالي في نظر المظالم طبقًا لأحكام الشرع الشريف، مع استعمال ما يراه موصلًا إلى استخلاص الحق ورد المظالم.

أيضًا من سلطة القاضي أو الوالي الذي يتولَّى هذه السلطة -وهي ولاية المظالم- الإحالة إلى غيره, فإذا رأى أن هذه القضية تحال مثلًا إلى قاضٍ من القضاة يحولها إليه، وإذا رأى أن يستعين بشخصيات أخرى من أهل الخبرة في مجلسه طلب عَوْنهم، فمن حق والي المظالم أن يُحيل الظلامة أو القضية التي فيها مظلمة ومعروضة عليه إلى قاضٍ آخر ليصلح، أو إلى خبراء في الصلح، فيدعوهم إلى المصالحة بدلًا من الاستمرار في الخصومة، وهكذا؛ فولاية المظالم متعددة وذات أغراض.

أهم الفروق بين القضاء العادي, وقضاء ولاية المظالم:

هناك عدة فروق وقد نبه عليها الفقهاء الذين ألَّفوا في أدب القضاء؛ كالماوردي، وغيره من الفقهاء.

أهم هذه الفروق خمسة:

الأول: أنَّ لناظر المظالم من فضل الهيبة، وقوة اليد -القدرة على التنفيذ- ما يكفّ الخصوم عن التجاحد، ويمنع الظلمة من التغلُّب. أما القاضي العادي فيحكم ويحيل الحكم إلى جهة تنفيذية تنفذ؛ لكن والي المظالم مطالب بأن ينفذ بالفعل ويملك أدوات التنفيذ.

الثاني: أنَّ والي المظالم له أن يقابل -أي: يواجه- من ظهر ظلمه بالتأديب مباشرة قبل البحث في القضية، فيؤدبه بالجلد أو بالسجن أو بالزجر، حسب ما يرى؛ حتى يقلع عن ظلمه, لكن ليس هذا للقاضي العادي، فالقاضي العادي لا بد أن يبحث في القضية ثم يحكم.

الثالث: لوالي المظالم أن يرد الخصوم -أي: يعيد القضية- لمن يفصل في النزاع بينهم عن طريق الصلح إذا رأى مثلًا أنهم أقارب, فإذا رأى أن القضية لو حكم فيها من الممكن أن تؤدي إلى عداوات وخصومات أكثر بين المتخاصمين؛ فمن الممكن أن يردها إلى الصلح، وتنتهي بالصلح؛ إذ الصلح خير.

الرابع: أنَّ والي المظالم له أن يسمع شهادة المستورين، أي: الذين ليسوا عدولًا إنما هم مستورون، أما القاضي العادي فلا يأخذ إلا بشهادة العدول المزكين، لكن من حق قاضي المظالم أو والي المظالم أن يأخذ بشهادة المستورين.

الخامس: يجوز لوالي المظالم أن يبتدئ باستدعاء الشهود، لكن في الفقه الإسلامي بالنسبة للقاضي العادي لا يبدأ القاضي باستدعاء الشهود؛ إنما يطلب من المدعي، فيقول لرافع الدعوى: أين شهودك؟ فيقدمهم المدعي.

ولنا أن نتساءل أيضًا: هل ولاية المظالم مطبقة في بعض الدول الآن؟

نعم، توجد، وولاية المظالم في بعض البلاد العربية والإسلامية قد لا تسمى بهذا الاسم، لكنَّها موجودة في القضاء المصري باسم القضاء الإداري، أو النيابة العامة، وبعض حكام مصر في الفترة الأخيرة حثوا عليها، وكان لهم ديوان يسمى ديوان المظالم، وموجودة في بعض البلاد العربية والإسلامية مثل: المملكة العربية السعودية.

error: النص محمي !!