Top
Image Alt

خطأ المحتسب وما يترتب عليه من الضمان، وعزل المحتسب

  /  خطأ المحتسب وما يترتب عليه من الضمان، وعزل المحتسب

خطأ المحتسب وما يترتب عليه من الضمان، وعزل المحتسب

أ. خطأ المحتسب, وما يترتَّب عليه من الضمان:

المحتسب مأمور بإزالة منكر، فله أن يحتسب على كل من اقترف شيئًا من المعاصي، وأن يعاقبه عليها بما يراه مناسبًا، وقد يحدث أثناء ذلك التأديب تجاوز في العقوبة، فيتسبَّب عنه تلف في المال أو في البدن، فهل يضمن شيئًا من ذلك؟

اختلف الفقهاء في حكم التجاوز في إتلاف المال, على الوجه الآتي:

ذهب الحنفية وأحمد في إحدى الروايات عنه، إلى عدم الضمان مطلقًا، أي: لا في مال ولا في غير مال، وقال الحنابلة: لا ضمان في إتلاف خمر وخنزير، وكذا لو كسر صليبًا أو مزمارًا، أو آلة من آلات الموسيقى، أو كسّر صنمًا؛ للنهي عن بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام؛ ولحديث: “بعثت بمحق القينات والمعازف” وهذا حديث أخرجه أحمد من حديث أبي أسامة، وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وذكر أحمد والطبراني أن فيه ضعفًا؛ ففيه علي بن يزيد وهو ضعيف، فهو حديث ضعيف استدلوا به.

وذهب المالكية والشافعية وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة، إلى الضمان؛ إذا تجاوز المحتسب القدر المحتاج إليه, كأن يحتاج مثلًا إلى عقوبة خفيفة فعاقب بعقوبة أشد؛ فأدَّى ذلك إلى تلف المال. قال صاحب (تحفة الناظر) من المالكية: “إذا لم يقع التمكُّن من إراقة الخمر إلّا بكسر أنابيبها وتحريق أوعيتها؛ فلا ضمان على من فعل ذلك على الوجه المتقدم في هذا النوع، وإن كان زوال عينها مع بقاء الوعاء سليمًا، ولم يخف الفاعل مضايقة في الزمان ولا في المكان؛ ضمن المحتسب قيمته، إن كان لأمثاله قيمة، وهو ينتفع في غير الخمر”.

وقال الغزالي: “وفي إراقة الخمور يتوقَّى كسر الأواني إن وجد إليه سبيلًا، وحيث كانت الإراقة متيسرة بلا كسر، فكسرها؛ لزمه الضمان” وقال أيضًا: “الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه، وله أن يأمر بكسر الظروف -أي: الأوعية- التي فيها الخمر زجرًا، وقد فُعِلَ ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدًا للزجر، ولم يثبت نسخه، ولكن كانت الحاجة إلى الزجر شديدة، فإذا رأى الوالي باجتهاده ذلك؛ جاز له، وإن كان هذا منوطًا بنوع اجتهادٍ دقيق، لم يمكن ذلك لآحاد الرعية، هذا للوالي ولمن يقيمه مقامه”.

أمّا الشق الآخر وهو الضمان في تلف النفوس؛ بسبب ما يقوم به المحتسب، فإن للفقهاء أقوالًا في ذلك:

فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن من مات من التعزير لم يجب ضمانه، أي: لا دية على المحتسب فيه؛ لأنها عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم يضمن من تلف بها كالحد, ولأنه فعل ما فعل بأمر الشرع، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة.

أمَّا المالكية فقد قال صاحب (التبصرة): “فإن عزّر الحاكم أحدًا فمات أو سرى ذلك إلى النفس، فعلى العاقلة، أي: له حكم القتل الخطأ، وكذلك تحمل العاقلة الثلث فأكثر” وفي بعض كتب المالكية كـ(عيون المجالس) للقاضي عبد الوهاب: “إذا عزَّر الإمام إنسانًا فمات بالتعزير؛ لم يضمن الإمام شيئًا، لا دية ولا كفارة”، وذهب المحققون من فقهائهم إلى أنَّ عدم الضمان مبنيّ على ظنّ السلامة، فإن شكَّ فيها ضمن.

والشافعي يرى التضمين في التعزير إذا حصل به هلاك، أي: على من فعل ذلك الضمان، والضمان هنا الدية، ولا يعفي من التعزير أحدًا، إلّا أن يكون الهلاك بنحو توبيخ بكلام وصفع، فلا شيء فيه ولا ضمان على من عزر غيره بإذنه، ولا على من عزره ممتنعًا من أداء حق عليه، وإن أدى إلى قتله.

يقول الرملي -وهو أحد فقهاء الشافعية المصريين المتأخرين-: للحاكم تعزير الممتنع من أداء دين عليه بعد طلب مستحقه بحبس أو ضرب، وإن زاد على التعزير، بل وإن أدى إلى موته؛ لأنه بحق، لا ضمان عليه فيه، ولا يكون التعزير بما يقتل غالبه، إن ضربه ضربًا يقتل غالبًا، أو بما يقتل غالبًا، أو قصد قتله، وجب القصاص، أو وجب دية مغلظة في ماله، أي: كأنه يشبه القتل العمد.

لكن ما مقدار الضمان؟ وعلى من يجب؟

وحيث قيل بوجوب الضمان، ففي قدره قولان: لزوم كامل الدية؛ لأنه قتل حصل من جهة الله، وعدوان الضارب، فكان الضمان على العادي، كما لو ضرب مريضًا سوطًا فمات به، والثاني عليه نصف الضمان؛ لأنه تلف بفعل مضمون وغير مضمون، وكان الواجب نصف الدية.

أما على من يجب في غير حالات التعمد والتعدي إذا قلنا: يضمن الإمام، فهل يلزم عاقلته أم بيت المال؟

اختلف العلماء إلى قولين:

أحدهما: أنَّه في بيت المال؛ لأن خطأه يكثر، فلو وجب ضمانه على عاقلته أجحف بهم، وهو قول الحنفية ورواية عند المالكية.

القول الثاني: على عاقلته؛ لأنها وجبت بخطئه، فكانت على عاقلته، كما لو رمى صيدًا فقتل آدميًّا، وهو قول المالكية والشافعية والرواية الثانية عند الحنابلة.

ب. عزل المحتسب:

أجمل الماوردي أسباب العزل من الولاية, في عدة أمور:

أحدها: الخيانة.

الثاني: أن يكون سبب العزل القصور.

الثالث والرابع: أن يكون السبب اختلال العمل من عسف وجور، أو ضعف وقلة هيبة.

الخامس: أن يكون سببه وجود من هو أكفأ منه.

وذكر صاحب (معالم القربة): أنه إذا بلغ المحتسب أمر وتركه أثم، وإن تكرّر شكوى ذلك منه سقطت ولايته شرعًا، أو خرج عن أهلية الحسبة، وسقطت مروءته وعدالته، ولا يبقى محتسبًا شرعًا.

هكذا إذا توافرت هذه الشروط عُزِلَ المحتسب؛ لأنه لا عُذر له في الخيانة، ولا عذر له في العجز أو القصور، ولا عذر له في اختلال العمل، إن لم يقل له أحد: تعسف أو جر على الآخرين، وإذا رأى أن الذي يعطله عن العمل إنما هو شفاعات الناس، أو عجزه عن إقامة ما يجب، فعليه أن يرفع الأمر إلى من هو أعلى منه، الذي عيَّنه أو اختاره أو أجرى عليه راتبه، فإن لم يفعل ذلك، ووجد من هو أكفأ منه عُزل؛ لأن الغرض من توليته هذا المنصب إنما هو أن يقوم بالمعروف إذا ترك الناس فعله، وينهى عن المنكر إذا ظهر هذا المنكر وشاع بين الناس. فإذا كان لا يؤدي هذه الوظيفة بصورة تليق بها، فلا معنى لوجوده فيها؛ فليذهب وليعيّن من ولَّاه شخصًا آخر.

error: النص محمي !!