Top
Image Alt

خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ونماذج أخرى

  /  خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ونماذج أخرى

خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ونماذج أخرى

والآن وقد عرفنا عوامل رقي الخطابة وازدهارها في صدر الإسلام، إليكم خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: قال ابن إسحاق، وهو يسرد حجة النبي صلى الله عليه وسلم: “ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حَجّه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا؛ أَيّهَا النّاسُ إنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلّغْت، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنّ كُلّ رِبًا مَوْضُوعٌ وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللّهُ أَنّهُ لَا رِبَا، وَإِنّ رِبَا عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلّهُ، وَأَنّ كُلّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنّ أَوّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، فَهُوَ أَوّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ، أَمّا بَعْدُ: أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيّهَا النّاسُ {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ} [التوبة: 37]، ويحرموا ما أحل الله، وَإِنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللّهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَرَجَبُ مُضَرَ، الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَمّا بَعْدُ: أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ وَعَلَيْهِنّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنّ اللّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنّ رِزْقُهُنّ وَكُسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنّهُنّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنّ شَيْئًا، وَإِنّكُمْ إنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَاتِ اللّهِ، فَاعْقِلُوا أَيّهَا النّاسُ قَوْلِي، فَإِنّي قَدْ بَلّغْت، وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيّنًا، كِتَابَ اللّهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ، أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلّمُنّ أَنّ كُلّ مُسْلِمٍ أَخٌ الْمُسْلِمِ وَأَنّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ فَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَلَا تَظْلِمُنّ أَنَفْسَكُمْ اللّهُمّ هَلْ بَلّغْت؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: اللّهُمّ اشْهَدْ)).

وهكذا وجه صلى الله عليه وسلم هذه الخطبة في حجة الوداع، وحرص على افتتاحها بمقدمة وجيزة، ” أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا “، ومن شأن هذه المقدمة أن تجمع انتباه الناس؛ ليركزوا حول ما يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لا يستدعي المؤمنون فحسب، لكنه يستدعي الناس جميعًا “أيها الناس” فما تحويل الخطبة من قواعد إنما يؤسس حياة الإنسان حيثما كان ذلك الإنسان، وتتأكد بذلك عالمية الدين القاضية بالتمسك بآدابه، بقدر ما ترفض استيراد المبادئ من هنا وهناك، من أُنَاسٍ هُم أساسًا مَدْعُوّن مِثْلُنا ليقيموا حياتهم على هذه المبادئ الشاملة الكاملة.

ومسك الختام، ذلك الإصرار منه صلى الله عليه وسلم على أن يستشهدهم على أنفسهم أنه بلغهم رسالة ربهم “ألا هل بلغت” فيجيبون بملء قلوبهم: نشهد أنك بلغت، وأديت ونصحت صلى الله عليه وسلم، ثم إليكم بعدما سمعتم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، نماذج من الخطب في عصور الإسلام المختلفة:

جاء في (البيان والتبيين)، قال أبو الحسن المدائني، عن مسلمة بن محارب، وعن أبي بكر الهذلي: “قدم زياد البصرة واليًا لمعاوية بن أبي سفيان، وضَمّ إليه خراسان، وسجستان، والفسق بالبَصرة كثير فاش ظاهر، قالا: فخطب خطبة بتراء، لم يحمد الله فيها.

وقال غيرهما: بل قال: “الحمد الله على أفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه، اللهم كما زدتنا نعمًا فألهمنا شكرًا، أما بعد؛ فان الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغي الموفي بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته؛ والعَذَاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا، وسَدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تُسبَقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، هذه المواخير المنصوبة، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل، ألم تكن منكم نهاة عن دلج الليل، قربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون عن المختلس؛ كل امرئ منكم يذب عن سفيه صنيع من لا يخاف عاقبة، ولا يرجو معادًا، ما أنتم بالحُلَمَاء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسًا في مكانس الرّيب، حَرامٌ عليّ الطّعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا، إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإنّي أُقْسِم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمُقْبِلَ بالمُدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم؛ حتى يلقى الرجل منكم أخاه؛ فيقول: انج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم، إن كذبة المنبر بلْقاء مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ، واعلموا إن عندي أمثالها، من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه؛ فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكُوفة، ويَرْجِع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية؛ فاني لا أجد أحدًا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة؛ فمن غرق قومًا غرقناه، ومن حرق قومًا حرقناه، ومن نقب بيتًا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفنَّاه حيًّا فيه، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني؛ ولا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني، وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مُسيئًا فلينزع من إساءته، إني والله لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم اكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم؛ فرب مبتئس بقدومنا سيُسر، ومسرور بقدومنا سييأس. أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت فلن أُقَصّر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم، ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاءً ولا رزقًا عن إنائه، ولا مجمرًا لكم بعثًا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تُشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرًّا لكم، أسأل الله أن يعين كلًّا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله، وايم الله إن لي فيكم لصرعى، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي”.

error: النص محمي !!