Top
Image Alt

خطبة هاشم بن عبد مناف

  /  خطبة هاشم بن عبد مناف

خطبة هاشم بن عبد مناف

خطبة هاشم بن عبد مناف في الإصلاح بين القرشيين والخزاعيين بدأها بقوله:

“أيها الناس، نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة وسكان الحرم”:

وهو في هذا يرُد القوم إلى أصولهم، ويذكرهم بأنهم ينحدرون من أصول واحدة، فأبوهم إبراهيم، وهم أبناء إسماعيل، وهم أبناء النضر بن كنانة، وهم أبناء قصي بن كلاب، ثم يذكُر لهم أنهم أرباب مكة وسكان الحرم، وهو بهذا كأنه من البدء يبين لهم أنه لا يليق بهم أن يختلفوا.

“لنا ذروة الحسب والنسب”، والذروة: هي القمة وأعلى شيء؛ يخبرهم بأنهم من الحسب والنسب في أعلى مكان.

“لنا ذروة الحسب والنسب ومعدن المجد”:أي: أصله.

“ولكلٍّ في كلٍّ حلف يجب عليه نصرته وإجابة”:

لكل من الفريقين عند صاحبه حق يجب رعايته وعهدٌ يجب الوفاء به، وكل فريق يجب عليه أن يجيب دعوة الآخر، وأن ينصره، ثم استثنى من ذلك بقوله:

“إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم”:

فإذا كانت الدعوة إلى عقوق عشيرة -العشيرة هي الأقارب- أو إذا كانت الدعوة إلى قطع رحم، أو كان الفعل يؤدي إلى شيء من ذلك- فإنه لا إجابة ولا نصرة، وبهذا يبين الرجل أنه حريص على الحق وحريص على الرحم، فإذا كان بين القوم ما يدعو إلى عقوق أو يدعو إلى قطيعة رحم أو يدعو إلى باطل- فإنه لا ينبغي على أحد أن يعين أحدًا في شيء من ذلك.

ثم قال: “يا بني قصي، أنتم كغصني شجرة، أيهما كُسر أوحش صاحبه”:

نلاحظ في هذا النداء أنه يردّهم إلى الجد القريب؛ لم يقل: يا بني إبراهيم ولا يا بني إسماعيل، وإنما قال: يا بني قصي، فهذا جدّ أقرب، وذكرهم له في هذا المقام أسرع، وقوله: “أنتم كغصني شجرة” هذا تشبيه؛ يشبه الفريقين أو القبيلتين؛ لأنهما يرتدان إلى أصول واحدة يشبههما بغصني شجرة، وأغصان الشجرة ترتد إلى جذر واحد؛ “أيهما كُسر أوحش صاحبه”: هذه الصورة قامت على التشبيه، وهي صورة صحيحة ومعبّرة، تبين أن القبيلتين أيهما حدث فيه مكروه فإن ذلك يؤثر على القبيلة الأخرى؛ لأنهما مثل غصني الشجرة، والغصنان من الشجرة إذا كسرا أحدهما فإن الغصن الآخر لا بد أنه تصيبه بذلك وحشه.

ثم قال: “والسيف لا يصان إلا بغمده”:

أي: كل منكما سيف وصاحبه غمدٌ له؛ يريد أن كل منكما يجب عليه أن يحافظ على صاحبه كما يحافظ الغمد على السيف، والسيف لا يُصان إلا بغمده، وغمد السيف هو جرابه الذي يحفظ فيه ويوضع فيه.

“ورامي العشيرة يصيبه سهمه”:

مَن يقذف عشيرته وأقاربه وقومه ويرميهم بسهم، فإن هذا السهم يرتد إليه ويصيبه. “ومَن أغضبه اللجاج أخرجه إلى البغي”:

اللجاج: هو الجدال الكثير، والكلام الطويل، كلٌّ يخاصم أخاه ويريد أن يغلبه، فكثرة اللجاج وطول الجدل يمكن أن يسبب غضبًا، وهذا الغضب يؤدي إلى البغي، أي: الظلم.

ثم قال: “أيها الناس”، وفي هذا النداء تنبيه لهم.

“الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز”:

نلاحظ أن هذه جمل قصيرة، تتكون كل منها من كلمتين اثنتين: مبتدأ وخبر “الحلم شرف”، والحلم: هو ضبط النفس عند الغضب، وكبح جماحها وعدم الاستجابة لما يثيرها. “والصبر ظفر”: عطف قوله: “الصبر ظفر” على قوله: “الحلم شرف”، والصبر أيضًا مبتدأ، وظفر خبر، والصبر: هو حمل النفس على ما تكره، والظفر: هو الفوز، يقول لهم: الحلم ضبط النفس وعدم استجابتها لما يثيرها ويغضبها -هذا شرف وسيادة، والصبر ظفر-، مَن يتحكم في نفسه ويقدر على قيادتها وكبح جماحها هو الفائز الظافر، “والمعروف كنز”: فعل الخير وبذل المعروف كنز يبقى لصاحبه، يُذكر به عند الله، ويُذكر به عند الناس، وفي قوله: “المعروف كنز” تشبيه يجعل المعنوي محسوسًا، فالكنز هو ما يكنزه الناس ويدخرونه من الأموال؛ لينتفعوا به في وقت الحاجة، فشبّه به المعروف وهو فعل الخير.

“والجود سؤدد”:

الجود هو الكرم، والسؤدد السيادة، والجملة أيضًا مبتدأ وخبر.

“والجهل سفهٌ”:

أيضًا؛ جملة من مبتدأ وخبر.

“والأيام دولٌ”:

الأيام دول: الأزمان متغيرة؛ يومٌ لك ويوم عليك، وهي أيضًا مبتدأ وخبر.

“والدهر عِبر”: أي: الزمن مملوء بالعبر ومملوء بالدروس، والعاقل من يستفيد من هذه العبر وتلك الدروس.

“والمرءُ منسوب إلى فعله”:

كل واحد من الناس منسوبٌ إلى فعله، عمله باقٍ يُذكر به ويُنسب إليه، ويوضح هذه الجملة بقوله: “ومأخوذ بعمله”.

“والمرء منسوبٌ إلى فعله ومأخوذٌ بعمله”:

ونلاحظ أن بين هاتين الجملتين وقع سجع، فنهاية الجملة الأولى كلمة “فعله” تشبه نهاية الجملة الثانية “بعمله”.

ثم يقول: “فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد”:

اصطنعوا: فعل وفاعل، والمعروف: مفعول به. اصطنعوا: فعل أمر، وتكسبوا: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر، تكسبوا: فعل وفاعل، والحمد: مفعول به، وكأن الجملة تجعل كسب الحمد والثناء مرتبطًا باصطناع المعروف؛ من يريد مدحًا وحمدًا وثناءً عليه أن يعمل المعروف.

“ودعوا الفضول؛ يتجنبكم السفهاء”:

أيضًا “دعوا”: فعل أمر، وواو الجماعة فاعل، والفضول: مفعول به، ويتجنبكم السفهاء -أيضًا: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر، والسفهاء: فاعل، وكأنه اشترط لتجنب السفهاء أن يترك الإنسان الفضول وهو ما لا طائل تحته.

“وأكرموا الجليس يعمر ناديكم”:

أيضًا جملة فعلية، بدأت بفعل الأمر، أكرموا: فعل وفاعل، والجليس: مفعول به، و”يعمر ناديكم”؛ يعمر: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر، وناديكم: فاعل. إذا أردتم أن يعمر ناديكم فأكرموا جلساءكم؛ هذا معنى الكلام.

“وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم”:

إذا دافعتم عمن يخالطكم ويجاوركم ويعاشركم- أحب الناس جواركم ورغبوا في التقرب منكم، أما إذا لم تحاموا عن الخليط ولم تحاموا عن الجيران فإن الناس سترغب عن جواركم وتبتعد عنكم.

“وأنصفوا من أنفسكم يُوثق بكم”:

أيضًا الجملة جاءت فعل أمر وجواب الأمر، أنصفوا: فعل وفاعل، من أنفسكم: جار ومجرور، يُوثق: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر..

“وعليكم بمكارم الأخلاق؛ فإنها رفعة”:

“عليكم بمكارم الأخلاق”: أسلوب إغراء؛ يدعوهم إلى التزام مكارم الأخلاق والحرص عليها، وقوله: “فإنها رفعة”: تعليل؛ أي: التزموا واحرصوا على مكارم الأخلاق؛ لأن مكارم الأخلاق ترفع أصحابها.

“وإياكم والأخلاق الدنيئة”:

هذا أسلوب تحذير، فقوله: “عليكم بمكارم الأخلاق” أسلوب إغراء، وقوله: “وإياكم والأخلاق الدنيئة” أسلوب تحذير. والتحذير يكون من الأشياء السيئة، وهو هنا يحذّرهم من أن يتلبسوا بالأخلاق الدنيئة والصفات السافلة النازلة أو السيئة، إياكم وإياكم وإياكم والأخلاق الدنيئة.

وقوله بعد ذلك: “فإنها تضيع الشرف وتهدم المجد”:

تعليل؛ أي: لأن التلبس بالأخلاق الدنيئة والصفات المرذولة يُضيعُ الشرف ويهدم المجد، وفي قوله: “تهدم المجد”، تصوير للمجد على أنه بنيانٌ محسوسٌ، وأن الأخلاق السيئة تهدمه وتزيله.

“وإن نهنهة الجاهل أهون من جريرته”:

ساق الكلام هنا بأسلوب التوكيد باستخدام “إن”الداخلة على الجملة الاسمية، والنهنهة معناها: الزجر والإبعاد والتأديب، “وإن نهنهة الجاهل” أي: تأديبه والأخذ على يده، والجاهل هنا معناها: الطائش الذي يجر على نفسه وعلى قومه ما لا تُحمد عواقبه، “وإن نهنهة الجاهل أهون من جريرته” أي: أسهل من تحمّل نتائج أفعاله الوخيمة.

“ورأس العشيرة يحمل أثقالها”:

الكبير في قومه مسئول عنهم، ويحمل تبعات ما يأتيه أبناءُ قبيلته وأفراد عشيرته.

“ومقام الحليم عظة لمن انتفع به”:

مقام الحليم ينتفع به العقلاء الذين يتدبرون وينتفعون بالعبر والمواعظ التي تمر عليهم.

النص الثاني: خطبة عبد المطلب بن هاشم سفير قومه إلى اليمن:

حين حرّرها سيف بن ذي يزن ملكها من الأحباش؛ فهزّ ذلك الحادث العظيم قلوب العرب، فذهب وفدٌ من قريش لتهنئة الملك سيف بن ذي يزن، وكان على رأس الوفد عبد المطلب بن هاشم، قال في خطبته:

“أيها الملك، إن الله أحلّك محلًّا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزّت جرثومته، ونبل أصله وبسق فرعه في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعامودها الذي عليه العماد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولم يهلك من أنت خلَفُه، ولن يخمُل من أنت سلفه، نحن -أيها الملك- أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا بكشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة”.

نلاحظ على هذه الخطبة أن عبد المطلب يبدأها بالتوجه إلى الملك: “أيها الملك”؛ لأن الكلام لتهنئته، وهو المقصود به، فناسب أن يبدأ بتوجيه النداء إليه في قوله: “أيها الملك”.

ثم قال: “إن الله أحلك محلًّا رفيعًا صعبًا منيعًا باذخًا شامخًا”:

نلاحظ في هذا الكلام، “إن الله”: أسلوب مؤكد بـ”إن”، ولفظ الجلالة اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وخبر إن الجملة الفعلية التي أتت بعد ذلك: “أحلك محلًّا رفيعًا”، والمحل الرفيع المقصود به المكانة التي فيها الملك سيف بن ذي يزن، “محلًّا رفيعًا” أي: مكانة عالية، “صعبًا منيعًا”: صعبًا لا يستطيع أكثر الناس الوصول إلى هذه المكانة،. “باذخًا شامخًا”: باذخًا: أي عظيمًا، وشامخًا: مرتفعًا عاليًا. وصف المحل بأنه رفيع، وأنه صعب، وأنه منيع، وأنه باذخ، وأنه شامخ، محلًّا: مفعول به للفعل أحل، وهو مفعول ثانٍ؛ لأن “أحلك”: أحل فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقدير هو يعود إلى لفظ الجلالة، والكاف في أحلك ضمير في محل نصب مفعول أول، وهي عائدة إلى الملك، ومحلًّا مفعول ثانٍ، ورفيعًا صفة للمفعول الثاني، وصعبًا صفة ومنيعًا صفة، وباذخًا صفة، وشامخًا صفة، ونلاحظ الجناس والسجع بين رفيعًا ومنيعًا، وباذخًا وشامخًا.

وقوله: “وأنبتك منبتًا طابت أرومته وعزّت جُرثومته”:

الأرومة: الأصل، أي: أنشأك الله في منبت أصيل طيب، والجرثومة: الأصل أيضًا، وعزت أي: اتصفت بالعزة؛ يريد أن يقول للملك: أنت من أصل طيب عزيز منيع، فجملة: “وعزّت جرثومته” معطوفة على “طابت أرومته”. وكلتاهما في محل نصب نعت لمنبت؛ أنبتك منبتًا يتصف بأنه طابت أرومته وعزت جرثومته.

“ونبل أصله وبسق فرعه”:

جملتان معطوفتان على ما قبلهما، وهما أيضًا في موضع النعت للمنبت؛ “أنبتك منبتًا طابت أرومته وعزت جرثومته ونبل أصله وبسق فرعه”.

وقوله: “نبل أصله وبسق فرعه” تصوير لهذا الأصل بالشجرة الطيبة ذات الأصل الثابت والفروع الباسقة العالية.

“في أكرم معدن وأطيب موطن”:

نلاحظ هنا أن كلمة “معدن” تنتهي بالنون، وكلمة “موطن” أيضًا تنتهي بالنون، وجملة “طابت أرومته” وجملة “عزت جرثومته” بينهما تشابه في النهاية كالتشابه بين معدن وموطن، وهذا ما يسمى سجعًا.

ثم يقول للملك: “فأنت أبيت اللعن”:

أبيت اللعن: تحية ودعاء، كان الجاهليون يدعون به لساداتهم وأشرافهم وملوكهم؛ “أبيت اللعن” أي: تنزّهت عن السب والشتم واللعن، فهي جملة اعتراضية -“أبيت اللعن” فعل وفاعل ومفعول- لا محل لها من الإعراب، اعترضت بين المبتدأ والخبر.

“أنت رأس العرب”:

اعترضت الجملة بين المبتدأ والخبر، فجاء الكلام: “فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب”. “رأس العرب” خبر المبتدأ “أنت”، وفصلت جملة الدعاء بينهما.

“فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب وربيعها الذي به تخصب”:

هذا تشبيه شبهه، فرأس كل شيء أعلاه، شبهه بالرأس وشبهه بالربيع وهو الفصل الذي يكون فيه الخصب، وهذا كناية عن شرفه في العرب وعن كرمه وإغداقه وسماحة نفسه.

“وملكها الذي به تنقاد”:

هذه جملة جاءت على سبيل الحقيقة، فهو ملكها الذي به تنقاد، لكنه وصفه باستخدام الاسم الموصول وصلته ليدل على مكانته فيهم، وأنهم يستجيبون وينقادون له.

و”عمودها”، أي: عمود العرب.

“وعمودها الذي عليه العماد”، وقوله: “وعمودها الذي عليه العماد” شبه الملك بالنسبة للعرب بالعمود بالنسبة للخيمة.

ثم أثنى عليه بقوله: “سلفك خير سلف”، والسلف هم الجدود والآباء.

“وأنت لنا بعدهم خير خلف”، والخلف هو الذرية التي تأتي من الجدود والآباء؛ يُثني على جدوده وآباءه ويثني عليه.

“ولن يهلك من أنت خلَفُه”، يعني السابقون -جدودك وآباؤك- لم يهلكوا، ولن يندثر من التاريخ ذكرهم؛ لأنك أنت خلفهم.

“ولن يخمل من أنت سلفه”، ذريتك من بعدك لن يخمل ذكرها؛ لأنك وفّرت لهم من المجد ما يكفيهم.

ثم قال: “نحن -أيها الملك- أهل حرم الله وذمته، وسدنة بيته”:

يعرِّفه بنفسه وبقومه الذين تحدث باسمهم، وهم وفد قريش.

“أشخصنا إليك الذي أبهجنا”، أي: جاء بنا إليك الذين أبهجنا؛ وهو انتصار الملك على الأحباش. “أبهجنا” أي: أدخل البهجة إلى نفوسنا.

“بكشفك الكرب الذي فدحنا”، أي: باسترداد ملكك وانتصارك على الأحباش، وكان احتلال الأحباش لليمن كربًا فدح العرب جميعًا وأحزنهم.

“فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة”، والتهنئة تكون في الخير، أما المرزئة فهي المصيبة.

وتلاحظ في الفقرة السابقة الجناس والسجع بين الألفاظ: سلف وخلف، ونهايات الجمل كقوله: ولن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه.

error: النص محمي !!