Top
Image Alt

خطر إهمال المقاصد الشرعية

  /  خطر إهمال المقاصد الشرعية

خطر إهمال المقاصد الشرعية

عَلِمنا أن مقاصد الشريعة هي البحر الواسع الذي ينهل من فيضه العالمُ والمجتهدُ، وأن هذه المقاصد هي سبب سعادة البشرية في الدارين، فإهمال مقاصد الشريعة الإسلامية يُشكِّلُ خطرًا عظيمًا على الإسلام والمسلمين؛ حيث يكمن هذا الخطرُ في: أولًا: إهمال المقاصد أدخل في الشريعة ما ليس منها، فالإفراط بالقياس والتوسع باستخدام الرأي، وإهمال المقاصد الربانية، يجعل أحكام الشريعة متضاربة ومتعارضة، فأصحاب الرأي والقياس يميلون للرأي والقياس، فاضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثيرٍ من النصوص والقياس، ثم اضطربوا؛ فتارة يقدمون القياس، وتارة يقدمون النص، وتارة يفرقون بين المشهور وغير المشهور، فاعتقدوا أن كثيرًا من الأحكام شُرعت على خلاف القياس، ثم أكدوا على أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية. ثانيًا: إظهار العمل في صورة مشروعة مع إهمال مقاصد الشريعة تحايلٌ، فإن من الجهل أن يعمد أحدٌ إلى ما لا يجوز فيجوِّزه زاعمًا أنه غير ممنوع، وهذا تحيلٌ على الشرع. ثم إن التحيل يخالف بين قصد المكلف وقصد الشارع، والأصل أن يكون قصد الشارع من المكلف في العمل موافقًا لقصد الشارع في التشريع، والدليل على ذلك ظاهرٌ من وضع الشريعة؛ إذ قد مر أنها موضوعةٌ لمصالح العباد، والمشروعات إنما وُضِعَتْ لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خُولِفَتْ لم يكن في تلك الأفعال التي خُولِفَتْ بها جلب مصلحةٍ ولا درء مفسدة، وكل من يسلك طريق التحيل فهو بعيد عن فهم وحكمة ومقصود الشارع، كما أن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إلى المحرم؟! ثالثًا: إهمال المقاصد يطعن في صلاحية الشريعة وخلودها. إننا حين نتكلم عن مقاصد الشريعة الإسلامية لا نقتصر على الاجتهاد المقاصدي الفقهي فقط، ولكننا نقصد الاجتهاد المقاصدي العام، الذي يشمل جميع مجالات الحياة الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية، والتشريعية، وعند إهمال مقاصد الشرعية والتوقف عن الاجتهاد المقاصدي، يجعل أفعال الناس وأعمالهم ضربًا من العبث؛ لأن الأمور مرتبطة بغاياتها ومقاصدها، ومقدماتها وأسبابها؛ لذلك نرى معظم فقهاء التجديد اعتمدوا الفقه المقاصدي، وربطوه بمصالح البشر؛ ليخلصوا الاجتهاد من العقلية القديمة المتحجرة، التي تعمَد إلى استخدام وسائل قديمة لمواجهة مشاكل العصر المستجدة، والتي لا تصلح لها. وبإهمالنا للمقاصد نسير خلف السراب، ونبدد الجهود، فالاجتهاد المقاصدي، والتجديد، والنمو التشريعي، والامتداد هو دليل خلود هذا الدين، وهو من طبيعة الخلود ولوازمه، فإغلاقه نوع من محاصرة النص الخالد، والحكم العملي بعدم صلاحيته لكل زمان ومكان، فالمقاصد خير أداة لتوسيع الاجتهاد وتمكينه من استيعاب الحياة بكل تقلباتها وتشعباتها، وبهذا خرج الفقه عن ثوبه التقليدي، وتحرر من الجمود، وأصبح أكثر قدرة على معالجة الجديد من النوازل، وضمانًا لكثير من الحلول والمشكلات المختلفة التي طرأت على عالمنا الإسلامي، وهذا هو الوجه الصحيح لهذه الشريعة السمحة. رابعًا: إهمال المقاصد، يؤدي إلى عدم معرفة دلالات النصوص واستنباط الأحكام، فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعيشون بين مصدر الشرع (النبي الكريم)، فلم يكونوا بحاجة إلى قواعد لفهم النصوص واستنباط الأحكام، كما أنهم كانوا يعرفون اللغة العربية وبلاغتها، ويدركون المقصد من النص، ولكن بعد مرور الزمن، أصبح الناس غرباء عن لغتهم، يحتاجون إدراك بلاغتها وشرح معانيها، هنا أصبحوا لا يدركون مقاصد الشارع. من هنا كان لا بد من تفسير النصوص في ضوء مقاصد الشريعة، التي من أجلها كانت النصوص، وحتى يكون تفسير النص صحيحًا فلا بد من معرفة المصالح التي لأجلها نزلت هذه النصوص. خامسًا: إن إهمال المقاصد يحول بين استنباط الحكم من الأدلة المتعارضة والمسائل المستجدة، والشريعة الإسلامية لا تعارض فيها ولا تناقض، وإن المجتهد يلجأ إلى الدليل عند الحكم، وإن ظهر له دليل آخر يعارض الدليل الأول كان لزامًا عليه أن يعمل لأجل التوفيق بين الدليلين، وإنَّ خير معين لهذا التوجيه هو العلم بمقاصد الشريعة، التي هي الحَكم الفصل بين الدليلين.

error: النص محمي !!