Top
Image Alt

خطوات المنهج الاستقرائي التجريبي

  /  خطوات المنهج الاستقرائي التجريبي

خطوات المنهج الاستقرائي التجريبي

أما عن خطوات المنهج الاستقرائي التجريبي: فهي كثيرة، ويختلف العلماء فيما بينهم في الأخذ بها، لكن خطواته الأساس تتمثل في أربع خطوات:

أولًا: الملاحظة المشاهدة، أو الرصد والتتبع لتصور الظاهرة موضوع البحث.

ثانيًا: وضع الفروض لتفسير الظاهرة؛ بحيث يتجاوز الباحث مرحلة الوصف إلى مرحلة التفسير، وبيان الروابط بين الظاهرة وغيرها، ويضع من الفروض ما يمكن أن يكون تفسيرًا لهذه الظاهرة أو ذلك الحديث، ويقوم الباحث بتصفية هذه الفروض واستبعاد ما لا يصلح منها حتى لا يبقى لديه إلا فرضًا واحدًا يصلح تفسيرًا للظاهرة، وهو ما يُعرف عند المسلمين بتنقيح المناط أو دليل الثبر والتقسيم، وقد سماه فرنسيس بيكون بمنهج الحذف والاستبعاد.

ثالثًا: التجريد حيث يقوم الباحث باختبار صحة الفرض الذي ترجح لديه من حيث تلازمه مع الظاهرة أو الحديث في كل الأحوال وجودًا بوجوده وعدمًا بغيابه، وهو ما يُعرف بالدوران عند الأصوليين، والدوران -كما يقول الإمام القرافي- عين التجربة، وقد تكثر فتفيد القطع، وقد لا تكثر فتفيد الظن، فقطع الرأس مستلزم للموت حتمًا، والموت مظنون بالسم، والخطوات الثلاث السابقة تشكل في مجموعهامرحلة أولى في المنهج التجريبي وهي ما يطلق عليها مرحلة التحليل، ثم تليها مرحلة ثانية وهي ما تعرف بمرحلة التركيب أو مرحلة التقنين، والتي تتمثل في الخطوة الرابعة وهي:

رابعًا: تقنين النتائج الجزئية، بحيث تُجمع هذه النتائج الجزئية المتناثرة ويصاغ منها قانون كلي تبنى عليه المعارف، وهكذا يصبح العلم الحسي الجزئي أساسًا للحكم العقلي الكلي؛ لأن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية ولا سبيل إلى صدق القضية الكلية في مجال الطبيعيات إلا من خلال التجريب للجزئيات المحسة المشاهدة مثل قوانين الجاذبية، والنسبية، والطفو وغيرها.

وبعض عرض خطوات المنهج التجريبي نسوق عدة ملاحظات ينبغي الانتباه إليها:

الملاحظة الأولى: أن الدراسات التجريبية لم تعد قاصرة على مجالات العلوم الطبيعية والذي يعد المنهج التجريبي أساسها الأول، وإنما استخدمها العلماء في العلوم الإنسانية وفق معايير وضوابط دقيقة لدراسة مختلف الظواهر الإنسانية، وقد أعلن “ويليام فونت” في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي عن إنشاء أول مختبر علمي لدراسة الظواهر النفسية، وبذلك دخلت الظواهر النفسية المتعلقة بأحد العلوم الإنسانية إلى المعمل، وانتشر على إثر ذلك البحث التجريبي بوصفه بحثًا علميًّا يتناول دراسة مختلف الظواهر الإنسانية.

وأصبح ما يعرف بالمتغير التابع والمتغير المستقل في دراسة الحالات، وقد عارض كثير من العلماء تطبيق المنهج التجريبي بإطلاقه على العلوم الإنسانية؛ لأنها تختلف في طبيعتها عن العلوم الطبيعية، وأثاروا إشكاليات كثيرة في وجه تطبيق المنهج التجريبي في مجال العلوم الإنسانية.

الملاحظة الثانية: أن العلم الآن يتجه إلى الاتساق المعرفي العام، بمعنى أنه لا بد من معرفة الصلة بين العناصر المكونة للحقيقة ثم الصلة بين الحقائق بعضها ببعض، ولا ينظر إلى الحقائق المجزئة على أنها علم، وإن كانت توصف بأنها من ضروب المعارف، فالعلم في مفهومه الحديث يُعد تراكمًا للمعرفة المتسقة، وأنه بدون الاعتقاد بوجود اتساق داخلي في عالمنا هذا فإنه يستحيل قيام العلم؛ إذ إن العلم هو محاولة لاكتشاف هذا العالم ومعرفة العلاقات فيه، بما فيها من تداخل واتساق.

يقول العالم الفرنسي “هنري فون كاريه”: “إن العلم معرفة لا تتعلق بالأشياء أو الظواهر في ذاتها، بل هو إدراك ما يربط بين هذه الأشياء والظواهر من علاقات، وكأن العلم في مفهومه العالم يتجه إلى التصور والتجريد، ولم يعد قاصرًا على النشاط في المعامل والمختبرات، وإنما أصبح يشمل كل نشاط يهدف إلى دراسة العلاقات بين الظواهر المختلفة، وإيجاد القوانين التي تحكم هذه الظواهر، وأصبحت معرفة آلاف الحقائق الجزئية عن الطبيعة دون إدراك الروابط التي تنتظمها في مجموعة من القوانين لا يمكن أن يطلق عليها وصف العلم”.

الملاحظة الثالثة: أن صياغة القوانين الكلية من خلال الجزئيات المستقرئة هو منهج علماء المسلمين والذي استلهموه من روح القرآن الكريم في قوله تعالى: {سُنّةَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح: 23]؛ حيث بين الله سبحانه وتعالى أن السنة الجارية في حالة معينة أو جزئية معينة هي سنة عامة لسواها من نوعها، وهذا ما قرره علماء المنهج العلمي في الغرب تحت صيغة المسلمات العلمية، ويقصدون بها الأمور المسلمة لدى الباحث، وهي في جملتها أمور مشاهدة ومدركة لا مجال للريب فيها، وهي تنقسم إلى نوعين:

أولًا: مسلمات عامة.

ثانيًا: مسلمات خاصة.

فالمسلمات العلمية العامة تتعلق بالبحث في ذاته مثل:

أولًا: مسلم الحتمية، ويعني هذا المسلم أن كل شيء في ظواهر الكون محكوم بقانون، أو هو في حقيقته نتاج لسنة من السنن، وأنه لا يمكن لشيء أن ينتج عن لا شيء، ولا توجد ظاهرة في الكون تحدث بدون سبب حتى الظواهر الاجتماعية، وقد دخلت مفاهيم جديدة على قانون السببية تخالف ما كان شائعًا من قبل؛ فأصبح مفهوم المتغير المستقل بديلًا عن مفهوم السبب، ومفهوم المتغير التابع بدلًا عن المسبب أو النتيجة، فإن قلنا الحديد يتمدد بالحرارة؛ فإن الحرارة هي المتغير المستقل والتمدد هو المتغير التابع.

ثانيًا: مسلم الاطراد: ويعني هذا المسلم أن ما حصل في الماضي يمكن أن يحصل في الحاضر، وأن الأشياء تقع بشكل متكرر وفق نظامٍ معينٍ ثابتٍ وهو ما يعني الاطراد في وقوع الحوادث.

ثالثاً: مسلم الوضعية، ويعني هذا المسلم الحسية في المعرفة حيث يرى علماء الغرب أن العالم والباحث لا بد أن ينطلق من الأمور المحسوسة أمامه، ولا يضع أيَّ اعتبارٍ لما لا يقع تحت الحس، كالغيبيات والأخبار التي تأتي عن طريق الوحي؛ حيث إن العلم يعتمد في بدايته على الحواس فهي نقطة الانطلاق، ثم يأتي بعد ذلك دور المنطق الوضعي، أي: أن المعرفة تحتاج بالإضافة إلى انطلاقها من المشاهدات الحسية إلى الخبرة الإنسانية، والعمل الذهني من أجل الوصول إلى القوانين العامة والكلية.

والذي نراه حول هذه المسلمات العلمية التي قال بها علماء الغرب، وادعوا أنها مسلمات يقينية ينبغي التسليم الجازم بها، ولا يجوز الخروج عنها في ميادين البحث، وهي الحتمية والاطراد والوضعية والحسية.

نقول: إن هذه المسلمات ليست محل تسليم مطلق، كما يدعون، وهي لا تعبر عن واقع العلم، فقد جاءت نظرية النسبية عند “أينشتين” ونظرية الاحتمالات في علوم الرياضيات الحديثة التي وضعها “كينز” لتهدم هذه المسلمات، وتنقلها من دائرة الإلزام إلى دائرة الاحتمال، فلم تعد العلاقة بين السبب والمسبب حتمية ضرورية لا تتخلف، بل أصبحت محتملة بدرجة ما من درجات الاحتمال على حسب الفرص المتكافئة في حدوث الظاهرة أو عدم حدوثها، وأصبحت الظواهر الطبيعية ليست خاضعة لقانون الحتمية، وإنما هي خاضعة لقانون أعلى وأسمى، وهو قانون المشيئة الإلهية، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يقول الله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، {إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً} [الإنسان: 3] كما أوضحت نظرية النسبية أن المادة التي يتألف منها الكون عبارة عن طاقة هوائية متجمدة في شكل ذرات غير مرئية.

وأثبت “أينشتين” أن المادة والطاقة شيء واحد، وقد أثبتت التجارب ذلك فتفتت الذرة وتحولت مادتها إلى طاقة وقوة هائلة، وعلى ذلك فقد نقد “أينشتين” حتمية الوضعيين ولم يضع أي اعتبار لوضعية الماديين وحسيتهم.

ومن هنا يصحب وضع هذه الأمور كمسلمات للعلم أمرًا لا يتفق مع مقررات العلم ذاته، وقد تنبه علماء المسلمين إلى ذلك فقالوا: إن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة عادية، وليست لزومية، فقد تتخلف كما حدث مع سيدنا إبراهيم حينما وضع في النار، فلم تحرقه، وكما حدث مع سيدنا موسى عليه السلام حينما ضرب بعصاه البحر فانفلق طرقًا، وانخرم قانون السيولة في الماء، وتحول الماء إلى جدار صلد، قال تعالى {فَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ مُوسَىَ أَنِ اضْرِب بّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلّ فِرْقٍ كَالطّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63].

وفي ضوء نظرية الاحتمالات تصبح العلاقة بين الأسباب والمسببات عادية وليست لزومية، فليس من الضروري إذا حدثت الظاهرة (أ) أن تحدث الظاهرة (ب)، وإنما الصحيح أن نقول إذا حدثت الظاهرة (أ) فيمكن أن أو يحتمل أن يتبعها الظاهرة (ب).

error: النص محمي !!