Top
Image Alt

خطورة التكفير، وإمكان الحكم بالكفر على المعينين

  /  خطورة التكفير، وإمكان الحكم بالكفر على المعينين

خطورة التكفير، وإمكان الحكم بالكفر على المعينين

أولًا: خطورة التكفير: 

لا شك أن التكفير والحكم على الشخص بأنه قد خرج من دائرة الإسلام من حق الله تعالى، وحق رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن نحكم على شخص بأنه قد خرج من الدين، ودخل في الردة ونكفره إلا إذا كان الله -جل جلاله- قد كفره، أو كفره رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن القلوب لا يعلم أسرارها إلا علام الغيوب، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التسرع في التكفير؛ فقال في الحديث الصحيح: ((من قال لأخيه: يا كافر؛ باء بها أحدهما)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) وفي (صحيح مسلم) من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له، وأحبطت عملك))، فيجب ترك الناس، والحكم عليهم حسب الظاهر وأن يحسن المرء الظن بإخوانه المسلمين، ولا يتجرأ في إصدار الأحكام عليهم بالكفر بمجرد الظن والوسوسة، أو مخالفة الرأي وكما قال بعض العلماء: “من دخل في الإسلام بيقين لا يخرج منه إلا بيقين”، وبسبب التساهل في التكفير؛ فقد ظهرت فرقة في المسلمين يسمون جماعة التكفير، ومنهجها: تكفير الحكام والمحكومين، وادعاء أن الناس كلهم كفار، وأن العالم الإسلامي يعيش جاهلية معاصرة تشبه حالة الجاهلية الأولى، كل ذلك بسبب ترك العلم الشرعي، وعدم التقيد بالكتاب والسنة في إصدار الأحكام، ومن ذلك مسألة التكفير.

ثانيًا: إمكان الحكم بالكفر على المعينين:

لما كانت هذه النواقض تقع في الواقع المشاهد، وأن المرء قد يتلبس بها، وأنه يصبح كافرًا، فيمكن حينئذٍ أن نحكم على معيَّن بالكفر لوقوعه في ناقض معين، فمن ذبح لغير الله؛ فقد كفر بذلك الفعل، لوقوعه في ناقض معين وهو الشرك، ومن استهزأ بالله تعالى أو جعل يسخر من رسل الله، أو من دين الله تعالى، فنقول: إن هذا الإنسان المعين وقع في ناقض معين وهو الاستهزاء بدين الله تعالى أو كتابه، أو رسوله، وهكذا بقية النواقض، ومما يدل على أن المسلم يمكن أن يصبح كافرًا بعد إسلامه: ما قرره علماء الفقه في جميع المذاهب في باب حكم المرتد، يقول ابن النجار الفتوحي الحنبلي –رحمه الله- في (منتهى الإرادات): “باب حكم المرتد: وهو من كفر، ولو مميزًا طوعًا، ولو هازلًا بعد إسلامه ولو كرهًا بحق، فمن ادعى النبوة أو أشرك بالله تعالى أو سبه أو رسولًا أو ملكًا له أو جحد ربوبيته أو وحدانيته، أو صفة، أو كتابًا أو رسولًا، أو وجوب عبادة من الخمس، ومنها: الطهارة أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًّا؛ كتحريم زنا، أو لحم خنزير، أو حلِّ خبز ونحوه، ومثله لا يجهله، أو يجهله وعُرِّف وأصرَّ أو سجد لكوكب أو نحو، أو أتى بقول صريح في الاستهزاء بالدين، أو امتهن القرآن، أو ادعى اختلافه، أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته؛ كفر، لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده”. انتهى كلامه.

يقول الدكتور صالح العبود في بيانه لعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله-: “وهذه النواقض التي ذكرها الشيخ هي مسألة التكفير لخصها الشيخ من كلام العلماء قال الشيخ: وذكر –أي: الشيخ أبو النجا مؤلف (الإقناع في الإقناع): إجماع المذاهب كلها على ذلك، ثم قال: “كان عند أحد كلمة تخالف ما ذكروه في مذهب من المذاهب فيذكرها وجزاه الله خيرًا، والغالب أنه ليس عند أحد علم يخالف ما ذكروه وإنما العناد، يقول الشيخ: “وإن كان يبغي يعاند كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام العلماء ولا يصغي لهذا أبدًا؛ فاعرفوا أن هذا الرجل معاند ما هو بطالب حق، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران: 80].

ثم بين الشيخ أن هؤلاء الذين يعتذرون بالتكفير؛ ليس لأنه مشكل عليهم تكفير الناس بأعيانهم؛ فقد اشتبه أمرهم، بل إذا تأمل المتأمل أحوالهم يجد أن هؤلاء أعداء للموحدين يبغضونهم ويستثقلونهم، والمشركون والمنافقون هم ربعهم الذي يستأنسون إليهم، كما جرى من رجال في الدرعية وفي العيينة الذين ارتدوا وأبغضوا الدين، ثم يقول الشيخ بعد أن أورد النواقض العشرة: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكن وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، ويُقرِّر الشيخ أنها تقع من المعينين، وممكن أن يرتد المسلم ويكفر بعد إسلامه -والعياذ بالله- ومن ذلك فقد عُرِّف المرتد في باب حكم المرتد بأنه: المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، فهذا يفيد الحذر والخوف والاستعاذة  بالله، وقد بيَّن الشيخ لرجل من أهل الْأَحْسَاءِ استشكل تكفير المعين؛ لأنه يقول: “لا إله إلا الله”، وإن عبد الأوثان مع هذه عبادة أكبر من عبادة اللاة والعزى وسب دين الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما شهد به مثل سب أبي جهل، فالشيخ يبين به أحكام هذه المسألة من كلام أهل العلم المتقدمين، والمتأخرين فيقول -مخاطبًا هذا المستشكل-: “فأول ما أنصحك به: أنك تفكر هل الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك صلى الله عليه وسلم ينهى عنه أهل مكة، أو شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه أم هذا أغلظ؟!.

فإذا أحكمت المسألة، وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات وسمع كلام أهل المتقدمين والمتأخرين وأقربه، وقال: أشهد أن هذا هو الحق ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أن الحق ويصرح بحسن الشرك واتباعه، وعدم البراءة من أهله فتفكر هل هذه المسألة إلا مسألة الردة الصريحة التي ذكرها أهل العلم في الردة؟ ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر، أما استدلالك بترك النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم، فقد عرفه الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمة واحدة، أو فعلًا واحدًا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يقتلون شر قتلة، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين الذي نشهد أنه دين الرسول صلى الله عليه وسلم وتبرءوا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبقَ إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه، أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت وهدموا البيوت المعبودة؛ فقل لي؟!

وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر من هذا فقل لي!

وإن كنت تزعم أن الإنسان لا يكفر إذا أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين وأظهر سب دين الأنبياء وسماه دين أهل الأرض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين، وجل ماله؛ فهذه مسألتك وقد قررتها، وذكر أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدًا ولم يكفروه من أهل الملة، أما ذكرت قول الله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 60، 61]، واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: {أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران: 80].

واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في (صحيح البخاري وشرحه) في الكفالة، واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلًّا بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} [المائدة: 93] مع كونه من أهل بدر، وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردتهم وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحباء، مع كونهم من أهل القرن الأول أخذوا العلم عن الصحابة.

ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردته وقتله؛ لطال الكلام، لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد ملوك مصر وطائفتهم وهم يدعون أنهم من أهل البيت ويصلون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة، أجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم”. انتهى كلامه.

error: النص محمي !!