Top
Image Alt

خلاف العلماء في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان

  /  خلاف العلماء في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان

خلاف العلماء في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان

وذلك يتضح في بعض الحالات التي اختلف العلماء فيها, أو في كونها سببًا يحصل بمباشرته الضمان، مثل: فتح الباب أو حل الرباط، فمن فتح باب حانوت ثم تركه مفتوحًا، فسُرق الحانوت، أو فتح شخص قفصًا فيه طائر فطار الطائر، أو فتح باب إسطبل فخرجت منه الدابة، أو حل رباطها فهربت، فهل هذا السبب الذي هو الفتح أو الحل، والذي ترتب عليه التلف أو الهروب أو السرقة أو نحو ذلك -يكون به المتسبب ضامنًا أم لا؟

ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن المتسبب لا يضمن في هذه الأمثلة وما شابهها؛ لأن مجرد الفتح ونحوه لا يعد إتلافًا لا مباشرة ولا تسببًا، لتدخل عنصر آخر في التلف وهو السرقة؛ أي: سرقة الحانوت بعد فتح الباب أو طيران الطائر أو هروب الدابة، أو غرق السفينة أو نحوها. وقالوا: إن السارق في مثال سرقة الحانوت هو المباشر، والطائر أو الدابة هو الذي اختار الهرب، والماء أو الريح هو الذي كان سببًا في الغرق أو ضياع المال، فلم يكن مجرد فتح الباب أو فتح الرباط سببًا محضًا، فلا حكم له في نظر أبي حنيفة وأبي يوسف.

أما المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية, فقالوا: إن هذا المتسبب ضامن؛ لأنه تسبب في الإتلاف، وحدوث الضرر أمر متوقع في الطبع والعادة.

والشافعية ذهبوا إلى أن الحكم يختلف في حال تدخل عنصر آخر في التلف, بحسب درجة تدخل هذا العنصر, فقالوا في مسألة فتح قفص الطائر: إذا كان الفاتح له هيّج الطائر -حثه على الطيران- فطار في الحال, ضمن الفاتح للباب أو للقفص؛ لأنه ألجأه إلى الفرار. أما إذا اقتصر الأمر على الفتح فقط، ولم يهيجه فطار الطائر، فلا يضمن عند الشافعية.

والرأي الأظهر عندهم: أنه إن اقتصر على الفتح فطار الطائر عقب الفتح, ضمن الفاتح للقفص أو الباب؛ لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره، وكأن الطيران في الحال يشعر من الفاتح كأنه يحث الطير على أن يطير. أما إن وقف الطائر ثم طار فلا يضمن؛ لأن طيرانه بعد أن وقف مدة يشعر بأنه اختار الطيران من تلقاء نفسه؛ لأنه لا تنفير, ولا حث من الفاتح للقفص عليه.

وهذا التفصيل أيضًا عند الشافعية ينطبق على حل رباط البهيمة أو فتح باب الإسطبل أو نحو ذلك، ومن ذلك أيضًا: من حفر بئرًا فتردى فيها إنسان أو حيوان، إن حفره تعديًا ليس في ملكه وكان في طريق المارة؛ فهذا الحافر يكون ضامنًا. أما إذا تدخل عنصر آخر، كما لو جاء غير الحافر مختارًا وأردى فيها إنسانًا أو حيوانًا كان الضمان عليه دون الحافر، ولكن أي الآراء الثلاثة هو الأولى بالقبول؟

الرأي الذي نرجحه هنا هو رأي المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن, والذين قالوا بوجوب التضمين؛ لأن هذا الأمر الضمان فيه ضرورة؛ لأن الفاتح للقفص والفاتح للإسطبل ونحو هذين المثالين يعتبر ضامنًا؛ لأن حدوث الضرر أمر متوقع في الطبع والعادة؛ لأن هذا حيوان مغلق عليه باب، وهذا طائر مغلق عليه باب، فحدوث الطيران أو الخروج أمر متوقع في الطبع والعادة, لذا كان الموافق لمقتضيات العقول هو هذا القول؛ لأنه هو الذي يتفق مع مقتضيات العقول ومع الطبع والعادة.

وقالوا مثالًا آخر من الأمثلة التي اختلف العلماء في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان, وهو فتح وعاء السمن أو الزِّقّ, فلو فتح إنسانٌ زِقًّا -الزق خاص بالسمن- أو وعاء فيه دهن أو زيت أو نحوهما, فخرج ما فيه، فما رأي الفقهاء في هذا المثال؟

نفس الآراء التي قلناها هناك نقولها هنا بالنسبة لهذا المثال؛ فأبو حنيفة وأبو يوسف لهما رأي، والمالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن لهم رأي، والشافعية ذهبوا إلى التفصيل.

error: النص محمي !!