Top
Image Alt

خلاف الفقهاء في العبد المفلس, المأذون له في التجارة

  /  خلاف الفقهاء في العبد المفلس, المأذون له في التجارة

خلاف الفقهاء في العبد المفلس, المأذون له في التجارة

اختلف الفقهاء في العبد المأذون له في التجارة، والعبد المأذون له في التجارة هو عبد يأذن له سيده أن يتاجر، فهذا العبد المأذون له في التجارة إذا أفلس؛ ما شأن الديون التي تكون عليه؟ فهنا هذا العبد، وهو تابع لسيده ومملوك له، والعبد وما ملكت يداه لسيده -قد أفلس وأصبح ما عليه من ديون أكثر مما عنده من مال.

اختلف الفقهاء؛ فذهب قول إلى أنه يتبع بالديون في رقبته, أي: يباع وتسدد ديونه من ثمنه الذي يباع به، هذا رأي.

أما الإمام مالك وأهل الحجاز فقالوا: لا يباع، وإنما يتبع بما في يده فقط لا في رقبته، ثم إن أعتق يتبع بما بقي عليه، أي: لا تباع رقبته ويسدد منها، وإنما ما عليه من ديون إذا كان ليس معه ما يسدد والباقي يدفع به بعد عتقه.

وذهب رأي آخر إلى أن سيده يلزم بما عليه، حتى وإن اشترط السيد عدم التزامه، فأصحاب هذا الرأي, قالوا سيده يلزم بما عليه.

ووجهة نظر الذين قالوا: يباع: أن ذلك أشبه بالجنايات، فإذا جنى جناية تكون في رقبته، فكذلك ما عليه من ديون تكون في رقبته، ووجهة نظر أهل الحجاز والمالكية أنهم قالوا: إنما عامل الناس على ما في يده فأشبه الحُرّ، فالناس قد عاملوا هذا على ما تحت يده من مال، فإذا كان ما تحت يده من مال يفي بما عليه فخير وبركة، وإن لم يفِ يظل ما عليه إلى أن يعتق.

أما القائلون بأن يرجع على سيده، فوجهة نظرهم أنهم قالوا: يشبه ماله مال سيده, فلسيده أن ينتزع منه هذا المال؛ لأنه هو وما ملكت يداه لسيده، فما دام لسيده أن ينتزع منه هذا المال, إذًا سيده ملتزم بما هو عليه.

وما ذكرناه إنما هو في أحكام المفلس الذي له من المال ما لا يفي بديونه, أما المفلس الذي ليس له مال أصلًا، ونحن قلنا في بداية الكلام في الإفلاس: إن المفلس قد يكون له مال، ويحجر عليه لسداد ما عليه من ديون من هذا المال، لكن قد يسمى الشخص المعدم أيضًا مفلسًا، وليس له مال أصلًا، فالفقهاء قالوا: إن العدم -أي: عدم وجود مال أصلًا- له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت الميسرة، وقد حكي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه طلب من دائني هذا المفلس أن يؤاجروه، أي: يأتوا إليه، ويستأجروه ويستعملوه بالأجر، ويخصموا ما عليه من ديون بما له عليهم من أجر.

حكم ادعاء المدين الفلس, ولم يعلم صدقه:

لو ادعى شخص أنه مفلس، ولم يعلم أنه صادق أو كاذب، فقد أجمع الفقهاء على أنه يحبس حتى يتبين صدقه، أو يقر له بذلك صاحب الدين، أي: هو بين أمرين, فالشخص الذي ادعى أنه مفلس أو له على الناس ديون، ولم يتبين صدقه هل هو صادق فيما يدعي أم لا؟ قالوا: هذا يحبس، فكما قلنا عن الإمام أبي حنيفة من أنه قال: يحبس حتى يسدد ما عليه من ديون، هذا معنا أيضًا هنا في هذه الجزئية في الشخص الذي لم يعلم صدقه في ادعائه الفلس، حيث قال: إذا كان كذلك يحبس حتى يتبين صدقه، أو أن صاحب الدين يقر له بذلك، أي: صاحب الدين يأتي ويقول: أنا أقر أنه ليس عنده مال، فإن كان كذلك وجاء صاحب الدين وأقر بأنه صادق فيما يدعيه يخلى سبيله.

وهناك ما يروى عن أبي حنيفة في هذه المسألة؛ أن لدائنيه -دائني هذا الشخص الذي يدعي الفلس، ولم يتبين أنه صادق- أن يدوروا معه حيث دار, ومعنى ذلك: أنهم يظلون يتابعونه وعينهم عليه حتى يكشفوا كذبه؛ فإذا تبين أنه كاذب ووقعت أعينهم على مال له أبلغوا الحاكم، والحاكم يحجر عليه، أو أن وجهة نظر أبي حنيفة: أنهم يدورون معه حيث دار، إذا أبلغوا الحاكم ليحبسه حتى يسدد ما عليه من ديون، ولذلك قال الفقهاء وأجمعوا غالبًا على القول في الحبس في الديون، وإن كان لم يأتِ في ذلك أثر صحيح.

أما العلامة ابن رشد فقال: وإن كان لم يأتِ في ذلك أثر صحيح، وهو القول بالحبس في الديون, إلا أن ذلك أمر ضروري في استيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض، وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة، وهو ما يسمى بالمصلحة المرسلة، أو القياس المرسل، وقد أخرج أبو داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم حبس رجلًا في تهمة، وهذا جائز لأن هذا من الأمور الضرورية في استيفاء الناس حقوقهم، وخاصة أننا نرجع إلى رأس المسألة، وهي أن ناسًا كثيرين يدّعون الإفلاس ولم يعلم صدقهم، وقد يكون لهم من الأموال الكثير والكثير.

error: النص محمي !!