Top
Image Alt

خليل مطران ناقدًا

  /  خليل مطران ناقدًا

خليل مطران ناقدًا

الشاعر الناقد خليل مطران:

ونترك القسطاكي الحمصي إلى ناقد آخر كان علامة مهمة في طريق التجديد هو خليل مطران:

وخليل مطران شاعر له جهد في تجديد الشعر، ويبدو أنه كان يريد أن يأخذ معه الشعراء جميعًا إلى مراحل تجديد مبكرة، فبث دعوته إلى التجديد في بعض الصحف، وكان صاحب دعوة جريئة إلى إعادة النظر في البناء الفني للقصيدة، ويمكن حصر آرائه النقدية فيما يلي:

أولًا: دعا خليل مطران إلى وحدة القصيدة العربية، وإلى التجديد في مضمون الشعر، وأن يكون هذا الشعر صورة للحياة الجديدة، التي يعيشها الناس في هذا العصر، وطالب في هذا المجال الشعراء بأن يطلعوا على ما أنتجه الغربيون من الأدب، وأن يفيدوا من مذاهب الشعر الغربي، وينعي مطران على القصيدة العربية عيب التفكك، فليس بين أبياتها ارتباط بين المعاني، التي تتضمنها القصيدة الواحدة، وليس بين أجزائها تلاحم، ولا مقاصد عامة تقام عليها أبنيتها، ويقول: ربما اجتمع في القصيدة الواحدة من الشعر، ما يجتمع في أحد المتاحف من النفائس، ولكن بلا صلة ولا تسلسل.

ثانيًا: طالب مطران بتحرير الشعر من المناسبات، أو البعد به عن المناسبات، والمراد بالمناسبات: مدح ذوي الجاه والسلطان، أو تهنئتهم أو رثاؤهم، أو الاعتذار إليهم، وهذا الأمر -موضوع المناسبات- سنجد العقاد والمازني وشكري أيضًا يتحدثون عنه، والموضوع فيه جدل؛ لأن مطران نفسه لم يتخلص من شعر المناسبات.

ثالثًا: دعا مطران إلى إدخال الاتجاه القصصي في الشعر، وقد مارس هو في شعره هذا الأمر، ووردت قصائد كثرة في ديوانه تنحو هذا المنحى.

رابعًا: الالتفات إلى حقيقة الشعر وجوهر طبيعته، وأنه تعبير عن الشعور الحر، ومطابقة للحقيقة دون مبالغة أو تقصير، فالشعر في رأيه يجب أن يكون فنًّا منبهًا للتصوير، والحث عن طريق الرمز، ومع هذه الآراء النقدية، التي عبر عنها خليل مطران في بعض مقالاته، وفي مقدمة ديوانه قدم في شعره ما استطاع أن يقوم به من تجديد، وهو يعد في الحقيقة مرحلة بين مرحلة الإحياء والبعث، ومرحلة التجديد الواضح، أو ما يسمى بمرحلة الثورة عند بعض المؤرخين.

في هذه المرحلة التي تحاول أن تتلمس طريقها إلى التجديد، ظهرت كتب كثيرة تأثر أصحابها بالمناهج الغربية في التأليف، وجعلت النقد موضوعها من هذه الكتب ما كتبه طه حسين عن أبي العلاء، وحصل به على درجة الدكتوراه من الجامعة المصرية، وما كتبه مصطفى عبد الرازق عن البهاء زهير، ففي هذين الكتابين وغيرهما من الكتب، التي تشبههما، أو التي حاولت أن تأخذ منهجًا جديدًا في الكتابة النقدية، نجد الاهتمام بالتبويب والتقسيم، ومحاولة التأصيل، واستخلاص النتائج، والتركيز على البيئة التاريخية والأحداث، التي أثرت في الشاعر أو الكاتب أو الأديب، المراد نقد أعماله ودراستها.

وكان أصحاب هذه الكتابات مقتنعين جدًّا بضرورة أن يكون هناك منهج جديد في النقد على النحو، الذي نراه من قول طه حسين في مقال له عن النقد، وحقيقته، وأثره وشروطه؛ إذ يقول عن النقد: ميز الخبيث من الطيب والغث من الثمين، واستخلاص الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وفك العقول من إيثار التقليد وعقال الجمود، وإعانة الطبيعة على إحياء النافع، وتخليد المفيد كل هذا هو النقد، الذي نرغب فيه وندعو إليه، ونود لو اشتدت عناية الناس به، وكثر إقبالهم عليه؛ لأنه أقدم سبيل إلى نمو العقل المصري، وبلوغه أقصى منزلة تسمو إليها الأمم الناهضة من الرقي الصحيح.

ويضيف ذلك إن أرقى ما ينزع إليه المصلحون في التربية العقلية للأفراد، والجماعات أن يمدوا ظل العقل، ويبسطوا سلطانه على جميع الأعمال والآمال، وكافة النزعات والحركات النفسية والجسمية، التي تصدر عنا في كثير من الأحيان من غير أن يكون للعقل شعور بها، أو سلطان عليها، فالعقل الإنساني الآن سراج قاصر الضوء لا تكاد تهتدي به النفس، إلا في قليل من حقائق هذا العالم على كثرتها، وتشعب أطرافها، وتعدد مناحيها.

وإذا تلمسنا مصدر هذا القصور لم يعد بنا البحث شيئًا واحدًا هو ذلك السحاب المركوم، الذي اشتركت العادة، والقوة والوراثة في إقامته حجابًا كثيفًا، يحول بين هذا السراج، وبين كثير من الحقائق المختلفة، في الدين والسياسة والاجتماع، وقد كان هذا السحاب علة حقيقية لجمود العقل، ووقوفه عن الحركة أو قلة نصيبه منها، حتى لزمه كثير من الضعف والفتور، وتوجه طه حسين إلى الشعراء والكتاب، وإلى الجماهير يبين لهم ضرورة النقد، ومنهج النقد الصحيح.

فيقول: كلا كلا أيها الشعراء المفلقون، والكتاب المجيدون، والجمهور المخدوع، ليس النقد كما تظنون سبيلًا من سبل الشهرة أو طريقًا من طرق الصيت، وإنما هو مقياس للخطأ والصواب، ومميز الحق من الباطل، وهو المنظر لحركات عقولكم المصلح لنفثات أقلامكم، الحافظ لمجيدكم حق الإجادة، والمرغم رديئكم على اتباع الجيد وابتغاء الرقي.

كانت هذه المرحلة التي كثرت فيها الآراء المجتهدة في تجديد النقد، والتخطيط له، ووضع المناهج الجديدة مستفيدة في ذلك بما تركه العرب، وبما ألفه الغرب كانت هذه المرحلة هي البيئة، التي ظهرت فيها، كانت هذه المرحلة هي البيئة، التي مهدت لظهور مدرسة الديوان، وهذه المدرسة بعض المؤرخين للنقد الأدبي الحديث يجعلونها هي أهم مرحلة تجديدية، وبعضهم كما أسلفت يطلق على هذه المدرسة، والفترة التي ظهرت فيها: مرحلة الثورة.

error: النص محمي !!