Top
Image Alt

(دراسات نقدية) للسحرتي، والفرق بين المعالجة النقدية القديمة والجديدة

  /  (دراسات نقدية) للسحرتي، والفرق بين المعالجة النقدية القديمة والجديدة

(دراسات نقدية) للسحرتي، والفرق بين المعالجة النقدية القديمة والجديدة

كتاب (دراسات نقدية) للشاعر والناقد مصطفى عبد اللطيف السحرتي:

ومن الكتب التي أراها مهمة أيضًا في مجال الدراسات النقدية، لما احتوته من تعريف بعدد كبير من الشعراء، وإشارات إلى خصائص التعبير والتصوير عندهم وتعرضت لبعض القضايا النقدية المهمة: كتاب (دراسات نقدية) للشاعر والناقد مصطفى عبد اللطيف السحرتي.

وقد اشتمل هذا الكتاب على العديد من الموضوعات، التي تعالج دراسات موجزة لبعض الدواوين أو لبعض الشعراء، أو تلقي الضوء على بعض القضايا، فمن موضوعات هذا الكتاب شعر اليوم، والمراد بشعر اليوم الشعر الجديد، الذي دعا إليه أصحاب الاتجاه الواقعي الاشتراكي، ما يسمى بالشعر الحر أو الشعر الجديد أو شعر اليوم، شعر اليوم عرض وتقدير، شعر اليوم قضية الشعر الجديد، شعر اليوم ونماذجه الجديدة، هذا كله اهتمام بقضية الشعر الجديد أو الشعر الحر.

ثم نجد موضوعًا بعنوان: مواقف شعرية متضاربة، ثم عنوان: محمود حسن إسماعيل، بعد ذلك: محمود أبو الوفا، صالح جودت، هلال ناجي، روحية القليني، محمد طاهر الجبلاوي، محمد الحديدي، عرض وتقديم لبعض قصائد اليوم، ديوان (الحب والموت) للشاعر عبده بدوي، (عاشق من إفريقيا) محمد الفيتوري، (قبل ما تسقط الأمطار) كيلاني حسن سند، (فارس الأمل) حسن فتح الباب، (قلبي وغازلة الثوب الأزرق) لمحمد إبراهيم أبي سنة، (الطوفان والمدينة السمراء) ديوان للشاعر كامل أيوب.

وهذا نموذج من الدرس النقدي، الذي قدمه مصطفى عبد اللطيف السحرتي في كتابه، كتب عن الشاعر محمود أبو الوفا فقال:

أحببنا الشاعر محمود أبو الوفا؛ لأنه من الشعراء الثائرين ونحن نحب الثائرين، ثار بشعره على الديباجة التقليدية وعلى الأغراض التقليدية، كما ثار في شعره على الأعراف والمواضعات، فشعره يمثل شخصيته القوية المتسامية الثائرة أقوى تمثيل، فلمحمود أبو الوفا فضل الريادة في الصياغة المصرية السيالة التي لم يعرفها من جيله أحد -على ما نعلم- تلك الصياغة التي أضحت اليوم المصطلح التعبيري للصياغة المعاصرة، فإذا رجعتم إلى قصائده التي كتبها من ثلاثين أو أربعين سنة، لمستم هذا الأسلوب المصري في سهولته وخفته، ففي قصيدته (أنفاس الزهر) من ديوانه (الأعشاب) الذي أخرجه من حوالي الثلاثين سنة، يقول:

تعالي زهرة الوادي

نذيع العطر في الوادي

فتحملنا نسائمه

كما شاءت أمانينا

وتشدونا حمائمه

أغاني للمحبينا

وتشجينا الصبا والحب

من وادٍ إلى وادي

تعالي زهرة الوادي

نذيع العطر في الوادي

بمثل هذه الصياغة السهلة السيالة المليحة، وبمثل هذه النغمات الصافية، وبمثل هذه الكلمات الرقيقة أنزل محمود أبو الوفا المصطلح اللغوي الفصيح المبهرج أو الغريب الوحشي الذي كان سائدًا في جيله إلى المصطلح العصري السهل – أنزله إلى دنيا الواقع، وهو بهذا يعد من الثائرين.

وكما ثار محمود أبو الوفا على المصطلح المزركش، ثار ثورة أخرى على الأغاني الركيكة الخليعة الأغاني المائعة الماجنة، فالناقد يجعل هذه السهولة الرقيقة في صياغة الشعر عند محمود أبو الوفا كأنها ثورة على طريقة الصياغة الفخمة التي كانت سائدة قبل أبي الوفا، ويلمح الناقد إلى أن هذه الثورة كانت طبيعة في نفس محمود أبو الوفا؛ لأنها لم تقف عند الشكل التعبيري في الشعر، وإنما أثرت هذه الثورة في شعره الوجداني في مضامين الشعر الوجداني والشعر الاجتماعي والشعر الإنساني أيضًا، وذلك كما في قصيدته (الأسد السجين) التي يقول فيها:

أهذا الليث ذو البطش الشديد

يسام الضيم في القفص الحديد

عجبت لمنطق العصر الجديد

أجل يا منطق العصر المجيد

لقد علمتني لغة العبيد

وبعد هذا السخر يثور ويدعو السجين، إلى فك أغلاله والثورة عليها، فيقول:

ألا يا ليث لست أقول صبرا

فقد جربتَ هذا الصبر دهرا

فلم ينفع وزاد العيش مرا

ولكن إن قدرتَ وكنت حرا

فحطم كل هاتيك القيود

ويقول الناقد مصطفى السحرتي: هذه الثورة في شعره النفسي والاجتماعي الإنساني هي ثورة حقيقة صادقة غير مفتعلة، وإن شئنا سميناها ثورة فسيولوجية مشتعلة في دمه وعروقه وأعصابه، وقد أفصح عنها أقوى وأجمل إفصاح، في قصيدته المطولة (النشيد) حيث يقول:

صرخات لست أدري كنهها

لا ولم أعرف لها كيف أبين

كل ما أعرف عنها أنها

في دمي تنصب حمراء الرنين

وكأني من صدى ضوضائها

عائم في مثل بحر من طنين

ذلك المكبوت مني في دمي

ما له كالوحش مسعور العرين

ويقول: هذه الثورة التي انبثقت في شعره، فطبعت شعره النفسي والاجتماعي الإنساني بطابع السخط والسخر والتمرد على البيئة ومواضعاتها ليست ثورة سلبية ولا ثورة إنسان متشائم، ولكنها ثورة بانية لتغيير الأوضاع، ثورة لتحطيم الفاسد لإقامة جديد صالح، ثورة لإنجاب حياة طيبة، يسود فيها الحب والوئام والسلام، ومن الطبيعي أن تتجه به ثورته النفسية هذه إلى مجال السياسة المجتمع، كهذه الأبيات الساخرة التي يقول فيها:

تسمعون الآن شكوى الفقراء

دائمًا يشكون ظلم الأغنياء

ما الذي تشكونه يا جحداء

عندنا الراديو وسهرات المساء

وليالي أم كلثوم الوضاء

ليلة واحدة فيها الغناء

عن غذاء وكساء ودواء

بل عن السودان أيضًا والجلاء

قل لهم استشعروا بعض الحياء

فهو هنا يسخر من النظام السياسي الذي كان قائمًا، وكانت البلاد تعاني من الفقر وتعاني من الجهل والتأخر، وعندما يشكو الفقراء ظلم الأغنياء، يرد عليهم: ما الذي تشكون منه أيها الجاحدون؟ إن الحياة عندنا مليئة بالسعادة، فعندنا الراديو وعندنا سهرات المساء، وعندنا أم كلثوم تغني وتضيء الليالي بغنائها، وهذا كله يغنينا عن الغذاء والكساء والدواء، بل يغنينا عن التحرر، وكل هذا يكفينا؛ فاستشعروا الحياء أيها المتضررون أيها الشاكون… هذه سخرية مرة لاذعة تدفعها ثورة في نفس الشاعر تريد أن تنقل الحياة إلى الأمل وإلى التقدم وإلى الاستقامة؛ ولذلك ركز أبو الوفا في شعره على آمال الإنسان، وسخر سخرية مريرة من الذين يقفون في طريق هذا الإصلاح الإنساني، كما في قوله:

عاد لي الروح وقد نحا القناع

قال كم في الأرض كم ألف اختراع

زادت الدنيا اتساعًا لاتساع

مع هذا أكثر الناس جياع

أيها الناس ألا من يخترع

اختراعًا واحدًا يشفي الطمع

ويداوي الناس من داء الجشع

اضمنوا لي الآن هذا الاختراع

وأنا أضمن إشباع الجياع

هذا لون من النقد يقدمه مصطفى السحرتي، لبعض أشعار محمود أبو الوفا، وقد ركز فيها الناقد على الثورة النفسية، التي تجلت في شعر هذا الشاعر.

الفرق بين المعالجة النقدية القديمة والجديدة:

بعد أن قدمنا هذه المؤلفات وهي مؤلفات جديدة، لا بد أن نشير إلى الفرق الكبير بين المعالجة النقدية للنصوص في هذه الكتب والمعالجة النقدية للنصوص في كتاب (الوسيلة الأدبية) لحسين المرصفي وفي كتاب (رغبة الآمل من كتاب الكامل) لعلي بن عبد الله المرصفي أيضًا، وهذا الفرق فرق بين القديم والنهج المحافظ الذي كان وما أفادته الدراسة النقدية من تطور، هذا التطور ترك أثره المفيد في تحليل النص ووصف ما تميز به مضمون النص، وما تميز به أداء النص في لغته وصوره وتعبيره، وربط بين النص وأحداث الحياة للشاعر، وبين النص ونفسية الشاعر، هذا كله من الفرق الواضح، بين معالجة نقدية ومعالجة نقدية أخرى.

على هذا النحو مضت مسيرة النقد الأدبي في العصر الحديث من مرحلة إلى مرحلة، وكل مرحلة لها رجالها، الذين قدموا جهودًا مشكورة في خدمة النقد والأدب من مرحلة المحافظة والإحياء إلى مرحلة التجديد والتمهيد لما يسمى بالثورة النقدية التي أحدثها نقاد المذهب الجديد أو الجيل الجديد: شكري، والعقاد، والمازني، ثم بعد ذلك مرحلة نقاد المهجر، ثم نقاد أبوللو، ثم ما بعد أبوللو ما يسمى بالواقعية الاشتراكية.

وقد قدمت لك بعض المؤلفات المهمة التي كان لها إسهام متميز في مسيرة النقد الأدبي، وهناك مؤلفات بالطبع كثيرة غيرها … لكننا نكتفي بالإشارة وعليك أنت أن تستزيد، وبهذا تتقدم مسيرة النقد ومسيرة الأدب من مرحلة إلى مرحلة حتى يومنا هذا، وفي كل مرحلة يقدم النقد فوائد مهمة جدًّا، للأديب وللقارئ وللمجتمع؛ لأن الأدب تصوير للحياة والنقد يفسر هذا الأدب ويوجهه، ويوضح غموضه ويرسم أحيانًا له طريقه، ويقيم الجسور بين هذا الأدب وبين القراء.

error: النص محمي !!