Top
Image Alt

دراسة آيات تمييز المقادير، وآيات التمييز المحول عن الفاعل والتمييز المحول عن المفعول، وجر التمييز بـ”من”

  /  دراسة آيات تمييز المقادير، وآيات التمييز المحول عن الفاعل والتمييز المحول عن المفعول، وجر التمييز بـ”من”

دراسة آيات تمييز المقادير، وآيات التمييز المحول عن الفاعل والتمييز المحول عن المفعول، وجر التمييز بـ”من”

1. دراسة آيات تمييز المقادير:

ليس في القرآن الكريم مثال للمقادير، وإنما القرآن الكريم فيه مثال لأشباه المقادير.

نقل الشيخ –رحمه الله- عن الرضي قوله: المقادير إما مقاييس مشهورة، وإما مقاييس غير مشهورة ولا موضوعة للتقدير، قال تعالى: {مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا}.

في (معاني القرآن) للفراء: نصبت الذهب؛ لأنه مفسرٌ لا يأتي مثله إلا نكرة، فخرج نصبه كنصب قولك: “عندي عشرين درهمًا” و”لك خيرهما كبشًا”، ومثله قوله تعالى: {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}.

وفي (معاني القرآن) للزجاج: “ذَهَبًا” منصوبٌ على التمييز، قال سيبويه وجميع البصريين: إن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين الملء أن يكون مجرورًا -والاسم المخفوض وهو الأرض.

وفي (البحر) نقلًا عن الكسائي: أن “ذَهَبًا” نصب على إضمار من -أي: من ذهب- كقولك: {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} أي: من صيام، وقرأ الأعمش: “مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبٌ” بالرفع، قال الزمخشري: ردٌّ على “مِلْءُ” كما يقال: “عندي عشرون نفسًا رجالٌ”، ويعني بالرّدِّ البدل، ويكون من بدل النكرة من المعرفة، وفي قوله تعالى: {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} “صِيَامًا” تمييزٌ -تمييز ذات- للعدل كقولك: “لي مثله رجلًا”.

وفي دراسة “غير” و”مثل” يقول الشيخ عضيمة نقلًا عن (شرح الكافية) للرضي: وقولك: “وعندي مثل زيدٍ رجلًا”، أو “عندي غيرك إنسانًا”، و”عندي سواك رجلًا”، فمحمولٌ على مثلك بالضدية، وقد اختُلف في نكرات منها: “مثل”؛ فمنع الكوفيون التمييز بها لإبهامها فلا يُبين بها، وأجازه سيبويه، فيقول: “لي عشرون مثله”، و”لي ملء الدار مثلك”.

إذن: البحث في “مثل” من ناحيتين:

الناحية الأولى: أن تعقب بمميز لها، كما تقول: “عندي مثل زيدٍ رجلًا”، وهي في ذلك شبيهة بالمقدار.

الناحية الثانية: أن تكون هي التمييز، وقد أجازه سيبويه فيقول: “لي عشرون مثله”، و”مثل” هنا ليست معرفة؛ لأن “مثل” موغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة.

ومن الكلمات المبهمة المنكرة، المختلف في وقوعها تمييزًا: “غير”؛ حيث منع الفراء التمييز بها؛ لأنها أشد إبهامًا، وأجازه يونس وسيبويه بعلة أنه لا يخلو من فائدة، وقد جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] وقوع التمييز للمثل لا وقوع المثل تمييزًا، فمثل شبيه بالمساحة وليس مساحةً حقيقةً، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبطٍ بحد. وحُمِل على هذا في الدلالة على المماثلة ما يفيد المغايرة نحو: “إن لنا غيرها إبلًا”، وهم يحملون الغير على المثل كما يحملون المثل على المثل.

ومن الآيات التي جاء فيها تمييز لـ”غير” قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]؛ فـ”دِينًا” في الآية منصوبٌ من وجهين:

أحدهما: أن يكون منصوبًا لأنه مفعول “يبتغ”، ويكون “غَيْرَ” منصوبًا على الحال، أي: “ومن يبتغ دينًا حالة كونه على غير الإسلام”.

الثاني: أن يكون منصوبًا على التمييز.

وفي (البحر) عن أبي حيان: انتصب “دِينًا” على التمييز لـ”غَيْرَ”؛ لأن “غَيْرَ” مبهمة فسرت بدين، كما أن مثلًا مبهمة فتفسر أيضًا، وهذا كقولهم: “لنا غيرها إبلًا وشاهًا”.

2. دراسة آيات التمييز المحول عن الفاعل، في القرآن الكريم:

الفاعل في المعنى هو السببي، وعلامته أن يصلح للفاعلية بعد جعل أفعل فعلًا، وما ليس بفاعلٍ في المعنى هو ما أفعل التفضيل بعضه، مثال ذلك قولك: “زيدٌ أفضل فقيه” أي: بعض الفقهاء، وما ليس بفاعلٍ في المعنى في أسلوب التفضيل يجب جره -إلا إذا كان أفعل مضافًا نحو: “زيدٌ أكرم الناس رجلًا”- تقول: “زيدٌ أكرم رجلٍ”؛ لأن رجلا من جنس المفضل، و”زيدٌ أكرم الناس رجلًا” يجب نصب رجل؛ لأن أكرم أضيفت، فلا تضاف لرجل.

ومن آيات اسم التفضيل في القرآن الكريم: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138]، فـ”صِبْغَةً” منصوبٌ على التمييز، وهو تمييزٌ منقولٌ عن المبتدأ كما جاء في (البحر)، والتقدير: “ومن صبغته أحسن من صبغة الله”.

والتمييز إذا كان محولًا عن مبتدأ أو فاعل يجب نصبه، ولا يجوز جره، ولا يكون محولًا إلا إذا كان من جنس المفضل، فإن كان من غير جنس المفضل كان محولًا كما في “صِبْغَةً”؛ لأنها ليست من جنس المفضل.

وفي قوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} [الأنعام: 19] “شَهَادَة” تمييزٌ محولٌ عن المبتدأ، والتقدير: “شهادة أي شيءٍ أكبرُ”.

والتمييز محولٌ عن الفاعل في مثل قوله تعالى: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأنعام: 80]، {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98]، {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89]، فـ”عِلْمًا” في الآيات الثلاث تمييزٌ محولٌ عن الفاعل، والأصل: “وسع علم ربي كل شيء”.

وفي قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 68]، “خُبْرًا” تمييزٌ أي: “ما لم يحط به خبرك”، فهو منقولٌ عن الفاعل.

وفي قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، “شَيْبًا” تمييزٌ منقولٌ عن الفاعل، أي: “واشتعل شيب الرأس”.

وفي قوله تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم: 26] “عَيْنًا” تمييزٌ محولٌ عن الفاعل، أي: “فكلي واشربي ولتقر عينك”.

3. التمييز المحول عن المفعول:

التمييز المحول عن المفعول إما أن يكون له ضابط، وإما أن يكون بغير ضابط، فمثال: غرست الأرض شجرًا، وملئت الكوب ماءً، تمييز محول عن المفعول، ولا ضابط لمثل هاتين الجملتين.

أما التمييز المحول عن المفعول وله ضابط، فهو ما وقع بعد صيغة التعجب القياسية، مثال: ما أحسن زيدًا أدبًا! فأصله: ما أحسن أدبَ زيد! وذلك واضح إذا كان التمييز من غير جنس المتعجب منه، أما إذا كان التمييز من جنس المتعجب منه فلا يكون محولًا، مثال: ما أحسن زيدًا رجلًا؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: ما أحسن رجل زيد.

ومن أمثلة التمييز المحول عن المفعول من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا} [القمر: 12] وكذلك: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28]، وهاتان الآيتان مثالان لتمييز المحول عن المفعول الذي لا ضابط له، فالآية الأولى وهي: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا} فيها “عُيُونًا” تمييز، والتقدير: جعلت الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من “وفجرنا عيون الأرض”، ومن منع مجيء التمييز من المفعول أعربه حالًا، ويكون حالًا مقدرة، وأعربه بعضهم مفعولًا ثانيًا كأنه ضمن “فَجَّرْنَا” معنى: صيرنا بتفجير الأرض عيونًا.

وفي قوله تعالى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}، {عَدَدًا}-أي: معدودًا محصورًا- انتصابه على الحال من “كل شيء” وإن كان نكرة؛ وسيبويه يقيس مجيء الحال من النكرة. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر لـ”أَحْصَى” لأنه في معنى “أَحْصَى”، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون تمييزًا، أي: يجوز أن يكون عددًا تمييزًا، فيكون منقولًا عن المفعول، إذ أصله: وأحصى عدد كل شيء، وفي كونه -أي: التمييز المنقول عن المفعول- ثابتًا بلسان العرب خلاف.

4. جر التمييز بـ”من”:

يجوز إظهار “من” مطلقًا مع التمييز، إلا إذا كان تمييز عدد أو تمييزًا محولًا -أي: التمييز المحول عن الفاعل، أو المحول عن المفعول، أو المحول عن المبتدأ- أما ما وراء ذلك فيجوز إظهار “من” مع التمييز، تقول: ملأت الكوب ماءً وملأت الكوب من ماءٍ، وتقول: لله دره فارسًا ولله دره من فارس؛ لأنه أسلوب تعجب غير قياسي، وتقول: لي أمثالها من إبلٍ ولي أمثالها إبلًا، ولي غيرها شاءً ومن شاءٍ، وويحه من رجل ورجلًا، وحسبك به رجلًا ومن رجلٍ، ويا لك من ليلٍ.

وفي قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] في معاني القرآن “رَفِيقًا” منصوب على التمييز ينوب عن رفقاء؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو قولك: هو أحسن فتًى وأجمله، والمعنى: هو أحسن الفتيان وأجملهم.

وفي (الكشاف): وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقًا! والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفردًا بُيّن به الجنس في باب التمييز.

وفي (البحر): الرفيق: الصاحب، سمي بذلك للارتفاق به، وعلى هذا يجوز أن ينتصب رفيقًا على الحال من أولئك، أو على التمييز.

وإذا انتصب على التمييز فيحتمل ألا يكون منقولًا، فيجوز دخول “من” عليه ويكون هو المميز، وجاء مفردًا إما لأن الرفيق مثل الخليط والصديق، يكون المفرد والمثنى والمجموع بلفظٍ واحد، وإما لإطلاق المفرد في باب التمييز اكتفاءً ويراد به الجمع.

ويحتمل أن يكون منقولًا من الفاعل فلا يكون هو المميز، والتقدير: وحسن رفيق أولئك، فلا تدخل عليه “من”، ويجوز أن يكون “أُوْلَئِكَ” إشارة إلى من يطع الله والرسول، وجمع على معنى “من”، ولكن يظلّ “رَفِيقًا” منتصبًا على الأوجه السابقة التي سبق أن ذكرناها.

error: النص محمي !!