Top
Image Alt

دراسة الآيات التي تحتمل المفعولية والمصدرية، والآيات التي تنوب فيها الصفة عن المصدر، ومن المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة “سبحان”

  /  دراسة الآيات التي تحتمل المفعولية والمصدرية، والآيات التي تنوب فيها الصفة عن المصدر، ومن المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة “سبحان”

دراسة الآيات التي تحتمل المفعولية والمصدرية، والآيات التي تنوب فيها الصفة عن المصدر، ومن المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة “سبحان”

1. دراسة بعض الآيات التي تحتمل المفعولية والمصدرية:

في قوله تعالى: {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف: 14] “شططًا” من الممكن أن تعرب مفعولًا مطلقًا، أو أن تعرب مفعولًا به، والأفضل أن تكون وصفًا مفعولًا مطلقًا نيابة؛ لأن شططًا صفة لمصدر محذوف، وتقدير الكلام: لقد قلنا إذن قولًا شططًا.

وفي قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} [البقرة: 100] {عَهْداً} مفعول مطلق جارٍ على غير فعله، ومصدر عاهد معاهدة، ومن الممكن أن يعرب “عهدا” مفعول به، إذا ضمنا عاهد بمعنى أعطى، أي: أوكلما أعطوا عهدًا نبذه فريق منهم، والأفضل البعد عن التضمين؛ لأنهم قالوا: إن التضمين ليس مقيسًا.

وفي قوله تعالى: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ} [النساء: 50]، الكذب مفعول به، أو مفعول مطلق؛ لأنه يلاقي العامل في المعنى، فالافتراء والكذب متقاربان أو معناهما واحد؛ إذ الافتراء كذب.

وفي قوله تعالى: {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] أي: وبصدهم عن سبيل الله ناسًا كثيرًا؛ فيكون مفعولًا بالمصدر، وإليه ذهب الطبري، أو بصدهم عن سبيل الله صدًّا كثيرًا، فيكون مفعولًا مطلقًا بالنيابة صفة لمصدر محذوف، وهو الأفضل والأوضح، أي: أن تقول: وبصدهم عن سبيل الله صدًّا كثيرًا.

2. آيات تنوب فيها الصفة عن المصدر:

من الألفاظ التي تنوب عن المصدرِ صفةُ المصدر، مثل قولهم: اشتمل الصماء، أي: اشتمل الشملة الصماء، فالصماء منصوبة على المصدرية بالنيابة؛ لأنها صفة نابت مناب المصدر، وقد قيد أبو البقاء هذه المسألة بقوله: وكذلك صفة المصدر إذا أضيفت إليه، نحو: سرت أشد السير؛ لأن الصفة هي الموصوف في المعنى، وإنما قُدمت لتدل على المبالغة.

وعندما نظرنا في الشاهد القرآني وجدنا توجيهًا آخر لهذه المسألة؛ ذلك لأن نيابة الصفة عن المصدر قسمان:

الأول: صفة خاصة بالمصدر تدل عليه إذا حُذف، ومَثّلوا لذلك بقولهم: اشتمل الصماء، ومنه أيضًا “رغدًا” من قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} [البقرة: 35]؛ لأن الرغد سعة في الأكل والعيش، أي: أكلًا رغدًا، هذا هو القسم الأول الذي تكون فيه الصفة نائبة عن المصدر، ولا تكون نائبة عن المصدر دالة عليه إلا إذا كانت خاصة به.

الثاني: صفة تنوب عن المصدر مع وجوده، وذلك بأن تتقدم عليه وتُضاف إليه، ومثل ذلك: سرت أشدَّ السير، والأصل: سرت السير الأشد، وهذا هو القسم الذي أشار إليه أبو البقاء -رحمه الله.

فالمسألة لا يصح أن تكون قصرًا على الصفة المضافة إلى المصدر، أي: إن الصفة النائبة عن المصدر لا تنحصر في نوع واحد، وهي أن تكون مضافة إلى المصدر، وإنما نيابة الصفة عن المصدر، وهي مضافة إلى المصدر قسم من الصفات التي تنوب عن المصدر، وهذا القسم أمثلته كثيرة في القرآن الكريم.

فمن ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [البقرة: 121]، أي: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه تلاوةً حقًّا، فحقًّا صفة للمصدر تلاوة، قُدمت هذه الصفة على الموصوف وأضيفت إليه، فصار: حق تلاوته.

ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91]، إذ الأصل: وما قدروا الله قدره الحق، فقُدمت الصفة على الموصوف وأضيفت إليه، ثم انتصبت انتصاب المصدر.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] أي: واتقوا الله تقاة حقًّا، فلما تَقدم الوصف على الموصوف وأضيف إليه؛ انتصب انتصاب المصدر.

كانت هذه أمثلة من القرآن الكريم للصفة النائبة عن المصدر، وهي مضافة إلى المصدر، وهو أحد قسمين للصفة النائبة عن المصدر.

وبهذا نكون قد أوضحنا الصفة النائبة عن المصدر، فهي: إما صفة خاصة بالمصدر، وعند حذف المصدر تقوم الصفة مقامه، أو أن الصفة تقدمت على المصدر وأضيفت إليه، فنابت عنه في الانتصاب على المصدرية مع وجوده، وهذا القسم الثاني هو الذي أراد به أبو البقاء حصر مسألة الصفة فيه، وفي الحقيقة أن الصفة النائبة عن المصدر قسمان.

3. نيابة المصدر عن الفعل:

المصدر يقوم مقام فعله المستعمل أو المهمل، ومن المصادر التي نابت عن أفعال مهملة: ويل زيد، وويحه، وبله الأكف.

والموجود من هذه المصادر في القرآن الكريم “ويلكم”، كما في قوله تعالى: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [طـه: 61]، وفي قوله تعالى: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الأحقاف: 17]، وفي قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ} [القصص: 80].

جاءت “ويل” منصوبة على المصدرية في مواطن ثلاث؛ لأنها مضافة، وقد اختلف العلماء في تقدير الناصب للفظة “ويلكم”، من ذلك أنهم قالوا: إن العامل في: ويل زيد وويحه، يقدر بـ”أحزن الله زيدًا ويله، وأحزن الله زيدًا ويحه”. 

فالعامل في “ويل” من قوله: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} لفظة “أحزن” المقدرة، والعلة لمن ذهب إلى أن العامل المقدر لفظة “أحزن”، أن الويل والويح بمعنى الحزن، وهذا هو تقدير أبي البقاء.

وقيل: يقدر العامل بـ”أهلك”؛ لأنهما بمعنى: الهلاك، وبعضهم فصل “ويحه” عن ويله؛ لأن ويح معناها: رحم، لأنها كلمة ترحم، ويقدر لها: رحم الله زيدًا ويحه، وقيل: “ويل” معناها: عذب؛ لأنها كلمة عذاب، ويقدر لها: عذب الله زيدًا ويله.

هذا خلاف العلماء في تقدير الفعل العامل في هذه المصادر النائبة عن أفعالها المهملة.

وهناك نوع آخر من المصادر نائب عن أفعاله المستعملة -أي: مصدر نائب عن فعل مستعمل- وهو موجود في القرآن، مثل: “بعدًا”، وذلك في قوله تعالى: {أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُود} [هود: 60]، “فبعدًا” مصدر بمعنى الدعاء، كأنه قيل: أبعدهم الله بعدًا.

ومن المصادر النائبة عن فعل مستعمل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ} [محمد: 8]، “فتعسًا” منصوب بفعل مضمر من لفظه، والتقدير: تعسهم الله تعسًا.

وكذلك: “سحقًا” من قوله تعالى: {فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِير} [الملك: 11]، والتقدير: سحقهم الله سحقًا.

ومن المصادر النائبة عن أفعال مستعملة أيضًا “غفران”: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} [البقرة: 285]، أي: اغفر غفرانًا؛ لأن الغفران مصدر {كالفرقان والقرآن، وغفرانك منصوبة: مفعول مطلق نائب عن الفعل. والمصادر النائبة عن أفعالها لا تجتمع مع أفعالها.

ومن ذلك “حجرًا محجورًا” من قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: 22]، و”حجرًا” كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء العدو، يضعونها موضع الاستعاذة، وهي من: حَجَرَه إذا منعه، ووصف بـ”محجور” لتأكيد معنى الحجر، فـ”حِجرًا” مفعول مطلق أو منصوب على المصدرية، وهو مصدر نائب عن فعله.

ومن المصادر النائبة عن أفعالها في القرآن الكريم: {مَعَاذَ اللّهِ}، والعامل في هذا المصدر مقدر من لفظه، أي: نعوذ بالله معاذًا من أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، أي: عياذًا بالله من فعل السوء.

ومن المصادر النائبة عن أفعالها في القرآن الكريم: “سلامًا” من قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا} [الحجر: 52]، و”سلامًا” في الحقيقة نعت لمصدر محذوف، والتقدير: قالوا قولًا سلامًا، أو أن سلامًا مقتطع من جملة محكية، إذ التقدير: سلمت سلامًا، فيكون سلامًا من السلامة.

ومن المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة “سبحان”، من قوله تعالى: {وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين} [يوسف: 108]، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1].

وفي الصبان: “سبحان الله” مضاف للمفعول، وهو مصدر من الثلاثي استُعمل بمعنى مصدر الرباعي، ويجوز أن يكون مصدر: سبح في الأرض والماء كمنع، إذا ذهب وأبعد، أي: أبعد عن السوء إبعادًا، أو أبعد من إدراك العقول وإحاطتها، فيكون مضافًا إلى الفاعل، فـ”سبحان” مصدر نائب عن فعله المستعمل، وهو: سبّح سبحان، كالحسبان: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان} [الرحمن: 5] وهو مصدر حسب، والفرقان مصدر فرق، والقرآن مصدر قرأ، والغفران مصدر غفر، والبهتان مصدر بهت، كلها مصادر على فعلان من فعل ثلاثي، ولكننا نقول في سبحان: إن الأفضل أنها تكون مصدرًا جاريًا على فعل رباعي، وهو سبح.

error: النص محمي !!