Top
Image Alt

دراسة القصيدة وتذوق مواطن الجمال فيها

  /  دراسة القصيدة وتذوق مواطن الجمال فيها

دراسة القصيدة وتذوق مواطن الجمال فيها

لقد لَخَّصَ الشاعر قصته في أول بيتين، حيث قال:

هذه الكعبة كنا طائفيها

*والمصلين صباحًا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها

*كيف بالله رجعنا غرباء

هذه: اسم إشارة، والكعبة المراد بها هنا: دار المحبوبة، وليس المراد الكعبة المشرفة التي هي بيت الله الحرام والتي يحجها المسلمون، ولكن الشاعر أراد أن يشعرنا بما لهذه الدار من قيمة في نفسه، فرفع هذه الدار إلى تلك المكانة المقدسة، وأشار إليها بهذا اللفظ: “هذه الكعبة” ولم يكتفِ ناجي بذلك، بل قال: “كنا طائفيها” فأوهمنا أنه يتحدث عن الكعبة الحقيقية -الكعبة المقدسة- باستخدام لفظ “طائفيها” وهو يريد بالطواف الزيارة التي كان يَنعم بها عندما يجيء إلى هذه الدار، بل إنه في الشطر الثاني من هذا البيت الأول: “والمصلين صباحًا ومساء”؛ فذكر الكعبة والطواف والصلاة كله من وحي أن ناجي يريد أن يدلنا على مكانة هذه الدار في نفسه، فاستخدم هذه الألفاظَ التي هي من حقل القَداسة المتعلقة بالكعبة المشرفة.

وفي البيت الثاني يقول ناجي: “كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها” فجعل تقربه للجمال أو للمحبوبة التي كانت تسكن هذه الديار عَبَّر عن ذلك بلفظ السجود والعبادة.

ثم تساءل متعجبًا من الحال التي آلت إليها هذه الدار، والحالة التي آل إليها الشاعر، فقال: “كيف بالله رجعنا غرباء”، بعد هذه العلاقة الوطيدة وهذه الذكريات الحميمة: “كيف بالله رجعنا غرباء” فهنا استفهام المراد منه التعجب.

ففي هذين البيتين -كما قلت- لخص إبراهيم ناجي القصة؛ قصة حبه البدء والنهاية، والوصل والهجر، والسعادة والشقاء، والأمن والغربة، “كيف بالله رجعنا غرباء”.

وأخذ بعد ذلك يفصل الأحداث ويجتر المشاعر، ويعدد الصور، فهذه الكعبة أو هذه الدار هي دار أحلامه وموطن حبه، هذه الدار تلقاه اليوم في جمود وهمود وعبوس، وتنكره كأن لم يك بينه وبينها سابق ألفة وغابر مودة، وهي التي كانت من قبلُ تهش للقائه، وتبش لحضوره، وتسعد برؤيته، وتضيء له الأنوار.

لا بد في البداية: أن نذكر أننا بحكم ذوقنا الإسلامي لا نوافق على التعبير بالكعبة في هذا المقام؛ لأن الكعبة أقدس وأشرف مِن أن يدل بلفظها على دار المحبوبة التي رحلت.

هذه المفاجئة التي وجدها الشاعر من دار أحبته، وجد الدار خربة مهجورة لم يشعر فيها بالحياة كما كانت من قبل، لَمْ يشعر أنها تستقبله كما كانت تستقبله، لم يشعر أنها ترحب به كما كانت ترحب به، هذه المفاجئة التي وجدها أذهلت عقله وجرحت فؤاده، فرفرف القلب في جَنبه أو في صدره كالطائر المذبوح، فأخذ الشاعر يهدهده ويهدئه، ويخاطبه: “اتئد اتئد” أي: اهدأ، فيتظاهر الدمع والماضي والقلب مظاهرة حزينة آسية رافضة: “لم عدنا ليت أنا لم نعد”.

هذه الأبيات:

دار أحلامي وحبي لقيتنا

*في جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا

*يضحك النور إلينا من بعيد

رفرف القلب بجنبي كالذبيح

*وأنا أهتف يا قلب اتئد

فيجيب الدمع والماضي الجريح

*لم عدنا ليت أنَّا لم نعد

إذن، القلب والدمع والماضي الجريح كلها كأنها تتظاهر وتحتج على الشاعر متسائلةً: “لِمَ عدنا” استفهام إنكاري، ثم يأتي هذا التعبير: “ليت أنا لَمْ نعد” وليت: تفيد التمني، كأن الماضي الجريح والدمع والقلب كلها كانت تتمنى ألا يحدث هذا الموقف؛ لأن الذكريات الماضية السعيدة ستثير الشجون، وستثير الأحزان على ما كان:

لم عدنا أو لم نطو الغرام

*وفرغنا من حنين وألم

استفهام إنكاري كذلك.

ورضينا بسكون وظلام

*وانتهينا لفراغ كالعدم

بعد أن انتهت قصة الحب، وفرَّق الزمن بين المحب ومحبوبته:

ورضينا بسكون وظلام

*وانتهينا لفراغ كالعدم

إن النهاية كانت مظلمة وكانت فارغة، أو الحياة بعد هذا الحب الضائع أصبحت حياة فارغة كالعدم، لكن العودة ستعيد الذكريات الكامنة، ستذكِّر بالحب الذي كان، ومن أجل ذلك فالقلب والدمع والماضي الجريح كلها تعترض على الشاعر، وتتساءل منكرةً عليه: “لم عدنا ليت أنا لم نعد”.

ثم يلتفت الشاعر إلى كعبته أو إلى دار أحبّته، فيسألها عن الأليف الذي ترك عشه، وماذا يصنع أليفُه بعد ذلك، فيقول:

أيها الوكر إذا طار الأليف

*لا يرى الآخر معنى للهناء

العش: موضع أو بيت العصفورين يبنيانه، فإذا طار أحدهما منه وهجَرَ أليفه وصاحبه، فإن الأليف الآخر لا يرى معنًى للهناء، ويرى الأيام صُفرًا كالخريف نائحاتٍ كرياح الصحراء.

ويتوجع الشاعر بعد ذلك متعجبًا من المصير الذي آلَ إليه حبه، ومن الحال التي أصبحت عليها دار محبوبته، ويسأل عن ذلك الماضي الجميل الذي ذهب، والأحلام الحلوة التي ضاعت.

وكلما أجال الشاعر نظرَه في الدار أو حولها، انهمرت دموعه؛ لِمَا يراه من السأم والبلى، والظلام والخراب، في هذه الدار التي كانت موطنًا للحسن والحب والحياة.

ويستحضر الشاعر صورة الماضي، فيصيح متعجبًا فزعًا: كيف تمتد يد البلى إلى هذا المكان وذكريات ماضيه لا تزال حية في قلبه، وتزلزل الأحزانُ كيانَه، فيجلس ليخاطب طَلله بحنو ورفق، معلنًا أنه ركنه ومغناه، وظله ومكان راحته، قصده ليلقي على بابه حقائبه، ويستريح عنده من أسفاره وغربته في الحياة، ولينجو في رحابه من محنته النفسية القاسية.

لقد كان هذا الطلل هو وطن الشاعر الذي إليه يأوي قلبه، وفي رحابه تستريح نفسه، وعلى أرضه يحط رحاله، لكنه اليوم طريد حُكِم عليه بالنفي الأبدي في عالم البؤس والشقاء، فإذا عاد يومًا إلى هذه الدار أو إلى هذا الطلل، فإنه يعود للنجوى ووفاءً للذكرى، ثم يرجع ويعود بعد سكب العبرات عائدًا إلى عالم نفيه، معذبَ القلب محمل النفس بالحسرات.

هذه هي عودة ناجي لدار حبه وكعبة قلبه.

هذه هي القصيدة، وهذا موضوعها، وتلك بعض معانيها.

الصياغة الفنية في القصيدة:

لا شك في أن الجيلَ المتأخر من الشعراء -شعراء جماعة أبولو- الذين يمثلهم إبراهيم ناجي ورفاقه- انتقلوا بالشعر نقلةً واسعةً في مجالي التعبير والتصوير، ولقد اكتسبت اللغة في شعرهم رقة وعذوبة بقدر كبير، ويندر أن تجدَ في أكثر قصائدهم لفظًا صعبًا أو كلمةً تحتاج في معرفة معناها إلى مراجعة المعاجم، ويحسب لهم أن يعبرون بالألفاظ الموحية التي تزيد المعنى اتساعًا وعمقًا، وتمتد ظلالها لتضيف إلى الشعر ثراءً إلى ثراءٍ.

ودراسة قصيدة “العودة” ودراسة الصياغة الفنية فيها تطلعنا على كثير من تفوق إبراهيم ناجي في استخدام اللغة استخدامًا مؤثرًا، وتقودنا إلى ما يدل على قدرة الشاعر على الصياغة الفنية الرقيقة العذبة التي تشيع فيها ظلال الألفاظ وإيحاءاتها، وتتعانق خلالها الصور والمجازات، وتؤدي الموسيقى الشعرية فيها دورًا لا يمكن إغفاله أو تجاهله.

ونلاحظ أن الشاعر قد نوع في القافية، فاستخدم قافية لكل بيتين مع توحد القافية بين شطريهما، وقد وفر هذا التنوع النغمي للقصيدة ثراءً موسيقيًّا ضاعف من خفتها وعذوبتها مع ما لكل قافية من أثر معنوي في الموضع الذي وردت فيه.

وإذا أردنا أن نضع أيدينا على بعض مواطن الجمال في القصيدة نتذوق معنى هذا الجمال، لا بد أن نقف عند هذا المطلع المهيب الذي افتتح به الشاعر قصيدته:

هذه الكعبة كنا طائفيها

*والمصلين صباحًا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها

*كيف بالله رجعنا غرباء

هو مطلع مَهيب بحق، يفتح نافذةً على نفس الشاعر، ويشير إلى صدق حبه وقيمة هذه الدار دار أحبته في نفسه، فهي كعبته التي كان بها يطوف ويتقرب إلى الحبيب عندها، ويعشق في رحابها الحسن والجمال، وإن كنا -كما أسلفت- لا نوافق بمقتضى ذوقنا الإسلامي على أن تستخدم الكعبة المشرفة رمزًا في مثل هذه المواطن التي هي بالطبع لا تسمو إلى منزلة الكعبة، ولا تكاد، والأمر كذلك في التعبير بالعبادة والسجود.

أيضًا من مواطن الجمال التي يمكن أن نتذوقها ونتلمسها في هذه القصيدة: المقابلة بين الحاضر الكئيب الذي صدَمَ الشاعر عندما رأى دار محبوبته، والماضي السعيد الذي يعرفه الشاعر لهذه الدار وهذه المقابلة في البيتين الثالث والرابع من القصيدة:

دار أحلامي وحبي لقيتنا

*في جمود مثلما تلقى الجديد

هذا هو الحاضر: “أنكرتنا” أما الماضي:

…. وهي كانت إن رأتنا

*يضحك النور إلينا من بعيد

فالمقابلة بين حالة الدار في حاضرها وحالتها في ماضيها، توضح لنا وتبين هذه الحالة النفسية للشاعر عندما يوازن بين ما كان وما حدث.

ثم بعد ذلك نقف عند هذه المجازات المتراكبة التي تصور المعنوي في صورة المحسوس وتجسده، ثم تشخصه، وتثبت له صفات الأحياء من الحركة والإحساس على نحو عجيب، فالنور يضحك، والدار تنكر، والقلب يرفرف، والدمع يجيب، والماضي يتكلم، وكل هذه صور استعارية، حيث يشبه الشاعر كلَّ شيء من هذه الأشياء بإنسان حي يتحرك ويحس ويشعر ويتكلم ويجيب. هذا في قوله:

رفرف القلب بجنبي كالذبيح

*وأنا أهتف يا قلب اتئد

فيجيب الدمع والماضي الجريح

*لم عدنا ليت أنا لم نعد

والاستعارة أو التشخيص بالنسبة للدار وبالنسبة للنور في قوله عن الدار:

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا

*يضحك النور إلينا من بعيد

ويستمر إبراهيم ناجي على هذا النحو من التصوير البديع، فيجسد البلى -البلى هو الفناء- حتى يدعي أنه أبصره رأي العين، ويثبت له يدين تنسجان على سبيل الاستعارة، ويجسد السأم ويثبت له أنفاسًا، ويصور الليل جاثمًا وأشباحه تجري، ويثبت للزمن أقدامًا يسمع وقعها، ويثبت للوحدة خطًى، إلى غير ذلك من الصور النابضة بالحياة، وذلك في قوله:

والبلى أبصرته رأي العيان

*ويداه تنسجان العنكبوت

صحت يا ويحك تبدو في مكان

*كل شيء فيه حي لا يموت

كل شيء من سرور وحزن

*والليالي من بهيج وشجي

وأنا أسمع أقدام الزمن

*وخطى الوحدة فوق الدرج

ومن الجدير بالملاحظة أيضًا -ونحن نتذوق مواطن الجمال في هذه القصيدة- أن ننظر في الأساليب المتنوعة التي استخدمها الشاعر بين الاستفهام، والتعجب، والتوجع، والنداء، في مثل قوله: “لم عدنا”، وفي مثل قوله: “ليت أنَّا لَمْ نعد”، وفي مثل قوله: “أيها الوكر إذا طار الأليف” نداء، “لا يرى الآخر معنًى للهناء”، وفي مثل قوله: “آه مما صنع الدهر بنا”، فهذا أسلوب تعجب وتوجع، وفي قوله: “أو هذا الطلل العابث أنت” استفهام تعجبي، وقوله: “شد ما بِتنا على الضنك وبت”، وقوله: “أين ناديك وأين السمر” هذا استفهام أيضًا:

أين ناديك وأين السمر

*أين أهلوك بساطًا وندامَى

كلما أرسلت عيني تنظر

*وثب الدمع إلى عيني وغام

والأسلوب في هذا البيت الأخير أسلوب خبري، يوضِّح لنا أو يرسم لنا صورةَ الشاعر في موقفه وهو يتأمل دارَ محبوبته ويناجيها.

من الجدير بالالتفات إليه كذلك في هذه القصيدة: الألفاظ الموحية التي نجَحَ الشاعر في توظيفها؛ للدلالة على تجربته النفسية الصادقة، ومن هذه الألفاظ التي ينبغي أن نتأملها في سياقها: الكعبة، والمصلين، وسجدنا، وعبدنا، وهذه الألفاظ توحي بالمكانة العالية التي تأخذها وتحتلها هذه الدار من نفس الشاعر، حتى إنه يجعلُها كالكعبة، ويجعل تردُّده عليها كالطواف وتقربه إلى من كان فيها كالسجود… وهكذا.

من هذه الألفاظ أيضًا كلمة: غرباء، “كيف بالله رجعنا غرباء” فالكلمة توحي بمرارة الاغتراب، وأن الشاعر لا يستريح في حياته التي يعيشها بعد فشل حبِّه، وبعد الفراق الذي حدث بينه وبين محبوبته، فهو يعيش في حياته غريبًا، وإن كان يراه الناس يعيش حياة كاملة فقد تزوج وعنده أبناء، لكنه بينه وبين نفسه يشعر بهذه الغربة، وقوله: “كيف بالله رجعنا غرباء”؛ يشرك معه هذه الدار في الإحساس بتلك الغربة.

أيضًا من هذه الألفاظ كلمة: جمود، “دار أحلامي وحبي لقيتنا في جمود” وكلمة الجمود توحي بالهمود والفناء، وتستدعي إلى الذاكرة ما كانت تحفل به هذه الدار في القديم من الحياة، والحركة، والسعادة، والإقبال على الحياة، لكنها تلقاه في جمود، ولاحظ هذا التشبيه مثلما تلقى الجديد، فأنت أيها المخاطب عندما تلقى أي شيء جديد عليك ليس بينك وبينه ألفة، فإنك تقابله باغتراب أو استغراب، الشاعر يذكر أن هذه الدار لقيته في جمود مثلما تلقى الجديد.

ومن هذه الألفاظ: أنكرتنا، ومن هذه الألفاظ: يضحك النور، ومن هذه الألفاظ: رفرف، “رفرف القلب بجنبي” ومنها: اتئد، أي: اسكن أيها القلب، ومنها: الجريح، والأليف، وصفرًا، ونائحات، والصحراء، والطلل العابث في قوله:

…. …. …. ….

*أو هذا الطلل العابث أنت؟!

والخيال المطرق الرأس أنا

*…. …. …. ….

والخيال المطرق الرأس، والضنك، وقوله: “وثب الدمع”، وفي قوله: “وثب الدمع” تأمل لفظَ “وثب” وهي تعني القفز، كأن الدمع كان يتدفق، وكلمة: السأم، وكلمة: “الليل” في موضعها، وكلمة: أشباح، وكلمة: البلى، وكلمة: العنكبوت، وكلمة: ركني الحاني، وكلمة: الطليح، وكلمة: غريب، ولفظ أو تعبير: “وادي المحن”، وقوله: “وطني أنت” يخاطب الطلل أو الدار أو البيت فيقول: “وطني أنت” كلمة “وطن” توحي بهذه الحاجة الملحة التي تكمن في النفس -في نفس الإنسان- إلى أن يكون له وطن ينتمي إليه، فالشاعر يخاطب هذه الدار على أنها وطنه: “وطني أنت”، ولكنه يستدرك بعد ذلك فيقول: “ولكني طريد”، هو مطرود من هذا الوطن لا يستطيع أن يستقر فيه، أو يمكث فيه، أو أن يدخله، فالدار مهجورة خَرِبة مغلقة بعد أن تركها أهلها:

وطني أنت ولكني طريد

*أبدي النفي  …. ….

هذا التعبير أيضًا “أبدي النفي” يعني: هو دائمًا وأبدًا منفي بعد أن فقد حبه، وبعد أن ضاع حلمه، “أبدي النفي في عالم بؤسي” انظر إلى هذه الإضافة في قوله: “عالم بؤسي” فهو في عالم بؤس، وهذا البؤس مضاف إليه ضمير المتكلم.

ثم انظر إلى هذا التعبير: “فإذا عدت -عدت إليك أيتها الدار- فللنجوى أعود”، “ثم أمضي”: لن يستقر ولن يستمر، “ثم أمضي بعدما أفرغ كأسي” وإفراغ الكأس هنا كِناية عن التعبير والبوح والوصف، وقول الشعر، والحديث عن الماضي السعيد الذي كان، والحاضر الأليم الذي يعيشه الشاعر:

فإذا عدتُ فللنجوى أعود

*ثم أمضي بعدما أفرغ كأسي

أيضًا لا بد أن نلتفت إلى التشبيهات المبتكرة في قوله مثلًا:

أيها الوكر إذا طار الأليف

*لا يرى الآخر معنًى للهناء

ويرى الأيام صفرًا كالخريف

*…. …. …. ….

فهو يشبِّه الأيام بالخريف، ويصفها بأنها صفرًا، ثم يقول عن هذه الأيام:

…. …. …. ….

*نائحات كرياح الصحراء

لاحظ التشبيه في الشطر الأول والتشبيه في الشطر الثاني.

أيضًا نتأمل الاستعارة في قوله:

موطن الحسن ثوى فيه السأم

*وسرت أنفاسه في جوه

وأناخ الليل فيه وجَثَم

*وجرت أشباحه في بهوه

“موطن الحسن ثوى فيه السأم”: فالسأم أقام في موطن الحسن، والسأم هو الملل، وهو شيء معنوي، لكن الشاعر جسده هنا وجعله يقيم في هذه الدار. “ثوى فيه السأم وسرت أنفاسه”: أنفاس السأم، “سرت في جوه”: في جو هذه الدار التي كانت موطنَ الحسن.

ولاحظ الاستعارة في البيت التالي: “وأناخ الليل فيه وجثَمَ”: فجعل الليل ينيخ في هذه الدار، ويحط رحله فيها، وجثم: أي: رقد واستراح.

“وجرت أشباحه في بَهْوه”: جرت أشباح الليل في بَهْو الدار التي كانت موطنَ الحسن. ولاحظ التعبير في البيت الأول:

موطن الحسن ثوى فيه السأم

*وسرت أنفاسه في جوه

والمواءمة بين “سرت أنفاسه” “في جوه”، مواءمة بين السريان والأنفاس والجو.

ولاحظ المواءمة في البيت الثاني بين “جرت” و”أشباحه” و”بهوه”، فالأنفاس تسري في الجو، أما الأشباح فإنها تجري وتجري في البهو.  نعيد قراءة البيتين ونحاول التذوق:

موطن الحسن ثوى فيه السأم

*وسرت أنفاسه في جوه

وأناخ الليل فيه وجثَمَ

*وجرت أشباحه في بهوه

الوَحدة في هذه القصيدة:

فقصيدة “العودة” تتحقق فيها وحدة عضوية تحققًا كاملًا، فالقصيدة ذات موضوع واحد، وتصور تجربة نفسية ناضجة، وتنمو القصيدة نموًّا متدرجًا من البداية إلى النهاية، مستوعبةً تفاصيل التجربة وجزئياتها، ويبدو أن حذفَ أبيات من القصيدة أو تغيير مكانها يخل ببنائها الفني، وينال من حسنها، فهي بناء متلاحم الأجزاء، لا تقوم على وحدة البيت كما هو الحال في القصيدة التقليدية.

وهذه القصيدة تدل على براعة ناجي، وإفادته من المدارس الشعرية المختلفة التي تأثر بها في الأدب العربي والأدب الغربي.

بهذا نكون قد انتهينا من دراسة قصيدة “العودة” لإبراهيم ناجي.

error: النص محمي !!