Top
Image Alt

دراسة القصيدة

  /  دراسة القصيدة

دراسة القصيدة

والقصيدة التي سندرسها لأبي ماضي دراسة تحليلية مفصلة قصيدةٌ من الشعر الوطني؛ لكنها نمط فريد في شعر الوطنية تتمثل فيها رؤية أبي ماضي ومنهجه وفلسفته على نحو ما سيتضح من تحليل هذه القصيدة التي عنوانها: “وطن النجوم”، والمراد بوطن النجوم: هو لبنان، وطن الشاعر، وإليك النص، ثم ننتقل بعد قراءته إلى دراسته، يقول أبو ماضي في قصيدته “وطن النجوم”:

وطنَ النجوم أنا هنا

*حدق أتذكر من أنا

ألَمَحْتَ في الماضي البعيد

*فتًى غريرًا أرْعَنا

جذلانَ يمرح في حقولك

*كالنسيم مدندِنا

المقتنَى المملوك ملـ

*ـعبُه وغير المقتنى

يتسلق الأشجار لا

*ضجرًا يحس ولا وَنَا

ويعود بالأغصان يبـ

*ريها سيوفًا أو قَنَا

ويخوض في وحل

*الشتا متهللًا متيمِّنًا

لا يتقي شر العيون

*ولا يخاف الألْسُنا

ولكم تشيْطن كي يقول

*القوم عنه تشيْطنا

أنا ذلك الولد الذي

*دنياه كانت ها هنا

أنا من مياهك قطرة

*فاضت جداول من سنا

أنا من ترابك ذرة ماجت

*كواكب من منى

أنا من طيورك بلبل

*غنَّى بمجدك فاغتنى

حمل الطلاقة والبشا

*شة من ربوعِك للدُّنا

كم عانقتْ روحي رُبا

*ك وصفَّقت في المنحنى

للأَرْز يهزأ بالريا

*ح وبالدهور وبالفنا

للبحر ينشرُه بنو

*ك حضارة وتمدُّنا

لليل فيك مصليًا

*للصبحِ فيك مؤذنا

للشمسِ تبطئ في ودا

*ع ذُرَاك كي لا تحزنا

للبدر في نيسان يكـ

*ـحَلُ بالضياء الأعيُنا

فيذوب في حدق ال

*مها سحرًا لطيفًا لينا

للحقل يرتجل الروائعَ

*زنبقًا أو سوسنا

للعشب أثقله الندى

*للغصن أثقله الجَنَى

عاش الجمالُ مشردًا

*في الأرض ينشد مسكنا

حتى انكشفتَ له

*فألقى رحله وتوطَّنَا

واستعرض الفنُّ الجبا

*ل فكنت أنت الأحسنا

لله سرٌّ فيك يا

*لبنانُ لم يعلنْ لنا

خلق النجومَ وخاف أن

*تغوَى العقولُ وتُفْتَنَا

فأعار أرزَكَ مجدَه

*وجلالَه كي تؤمِنا

زعموا سلوْتُكَ ليتهم

*نسبوا إليَّ الممكنا

فالمرءُ قد ينسى المسـ

*ـيءَ المفترِي والمحسِنا

والخمرَ والحسنَ والـ

*ـوتَر المرنَّح والغنا

لكنه مهما سلا

*هيهات يسلو الموطِنَا

التعليق على القصيدة:

قصيدة: “وطن النجوم” قصيدة في حب الوطن، وهذا الموضوع محل عناية من شعراء كثيرين من المهجريين وغيرهم، ويأتي تناول الشعراء له في عدة اتجاهات؛ منها: تمجيد الوطن، والإشادة بماضيه ومفاخره القديمة، ومنها: تصوير الحنين إليه، والرغبة في العودة إليه في أوقات الاغتراب والبعد عنه، ومنها: مناهضة أعدائه والدعوة إلى العمل من أجل تقدمه والنهوض به.

لكن هذه القصيدة تسلك اتجاهًا آخر؛ فهي أشبه بشعر الغزل، والوطن هنا هو الحبيبة التي يتأمل الشاعر جمالها، ويصور حسنها في أسلوب رقيق عذب بعيد عن المعهود في شعر الوطنية من صخب الموسيقى وجلجلة الألفاظ وخطابية الأسلوب.

تدل الأبيات الأولى على أن الشاعر عاد إلى وطنه بعد غياب؛ فتذكر أيام طفولته وزمن صباه وأخذ يذكر وطنه الحبيب بهذه الأيام ويذكره بنفسه ويعرفه بأوصافه وأفعاله التي تتكون منها ملامح صورته أيام كان طفلًا يلهو في ربوع هذا الوطن.

وأول بيت في هذه القصيدة يحتوي على نداء للوطن بإضافة النجوم إليه، والإضافة تعني الملكية والتخصيص:

“وطن النجوم أنا هنا”: وكأن الشاعر يخبر وطنه بمفاجأة سارة، ثم يدعوه إلى التأمل والتحديق من أجل التذكر، وكأن عودته إليه كانت شيئًا غير متوقع.

“حدق أتذكر من أنا”: إنه يرتد بذاكرة الوطن إلى الماضي البعيد؛ حيث كان الشاعر طفلًا غريرًا يمرح في الحقول مدندنًا كالنسيم، يظن أن كل شيء مسموح به، وأن الدنيا كلها ملك له، يتسلق الأشجار في نشاط، ويعود بالأغصان يبريها، ويصنع منها سيوفًا أو رماحًا يلعب بها، ويخوض في وحل الشتاء متهللًا متبسِّمًا غير مكترث بنظرات الناس ولا بألسنتهم؛ بل إنه كثيرًا ما كان يأتي أعمالًا طفولية يعجبه أن يتحدث قومه عنها ويصفوها بأنها “شيطنة”.

إن ذلك الماضي الجميل وهذه الدنيا البريئة اللاهية هي حقًّا دنياه التي كانت على أرض وطنه الحبيب.

وبعد هذا التذكر والتذكير بأيام الطفولة يؤكد الشاعر لوطنه أنه لم ينسه في أوقات غربته وبعده عنه، أجل… إنه ارتحل عن وطنه لينشر في الدنيا ضياءه ويسمعها غناءه، ويفيض عليها من جمال وطنه وبهائه.

إن روحه كثيرًا ما حلَّقتْ في أرجاء وطنه وهو غريب، لقد عانقت روحه رباه وصفقت لأَرزه وبحره، وليله وصبحه، وشمسه وبدره، وعشبه وغصنه، ونداه وجناه، وكل شيء في وطنه -حسب رؤيته- جميل.

لقد عاش الجمال مشردًا في الأرض يبحث له عن وطن؛ حتى رأى لبنان فاتخذه وطنًا، وكذلك فعل الفن؛ إن هذا الجمال في وطنه وراءه سر غامض لا يعلمه إلا الله؛ فكيف ينسى الشاعر وطنه وهو بهذا الوصف؟! إن وطنه يستعصي على النسيان.

هذا هو موضوع القصيدة، وهذا هو معناها العام.

بعد هذا التعليق الذي يبين موضوع القصيدة ويدل على المعنى العام لأبياتها، لا بد أن نتوقف عند عنصر مهم جدًّا من عناصر الشعر، هو: عنصر العاطفة.

العاطفة في هذه القصيدة عاطفة هادئة صادقة ومستمرة ومتنامية وغير مضطربة ولا متناقضة.

والتعرف على العاطفة والحكم عليها إنما يكونان من خلال الأساليب وطرائق التعبير؛ فالعاطفة هي إحساس الشاعر، والإحساس شيء غائب عنا واللغة هي التي تدل عليه.

والعاطفة في الأدب عامة وفي الشعر خاصة هي الدافع إليه وباعثة الحياة فيه، وهي روحٌ تسري في النص سريان الماء في النبتة الخضراء، وعلى قدر تدفقها وقوتها وصدقها يكون تأثُّرُنا بالشعر وتفاعلنا معه وإعجابنا به.

ونحن نستطيع أن نشعر بالعاطفة في هذه القصيدة ونحسها ونختبر الحكم عليها من خلال هذا الوصف البديع الذي قدمه الشاعر لوطنه، ومن خلال تصويره لحنينه إليه في مثل قوله: “أنا من مياهك قطرة… أنا من ترابك ذرة… أنا من طيورك بلبل…” إلخ.

فالشاعر جزء من هذا الوطن، ومن خلال تصويره لحنينه إليه في قوله:

كم عانَقَت روحي رباك

*وصفقت في المنحنى

ومن خلال نفيه القاطع لنسيانه إياه وتكذيب من زعم أنه سلاه في قوله:

زعموا سلوْتُكَ ليتهم

*نسبوا إليَّ الممكنا

ومن خلال تأكيده هذا المعنى في الأبيات الأخيرة من القصيدة حتى قال في آخرها:

لكنه مهما سلا

*هيهات يسلو الموطِنَا

قال الشاعر: إن الإنسان أو المرء قد ينسى المسيء المفتري والمحسنا، “والخمر والحسن -أي: الفتاة الحسناء- والوتر المرنح والغنا.

لكنه مهما سلا

*هيهات يسلو الموطِنَا

ففي هذه التعبيرات ما يدلنا على صدق عاطفة الشاعر تجاه وطنه.

وفي الإضافة والنداء الذي استخدمه الشاعر في البيت الأول في قوله:

وطنَ النجوم أنا هنا

*حدق أتذكر من أنا

ما يدل على هذه العاطفة التي تُكبِر هذا الوطن، وتعلي من شأنه، وتجعله وطنًا للنجوم، والمراد بالنجوم: نجوم السماء، وليس النجوم نجوم الفن أو الشعر أو الأدب، وإن كان المعنى الأول لا يمنع من أن يدخل المعنى الثاني تحته.

ثم بعد ذلك نتحدث عن التصوير في هذه القصيدة محاولين أن نتذوق بعض معاني الجمال وبعض مواطن الجمال؛ فنقول: الشاعر -أي شاعر- يستعين بألفاظ اللغة وتراكيبها -جملها وأساليبها- ويستعين بخياله ليوصل إلى المتلقي -السامع أو القارئ- أفكاره التي تدور في عقله، ومشاعره التي تموج في نفسه، والاستمتاع بالصورة الأدبية يدل على أمرين:

الأمر الأول: نجاح الأديب في توصيل ما أراد توصيله.

والأمر الثاني: هو قدرة القارئ على التذوق ونجاحه في التواصل مع الأديب؛ فبذل الجهد من القارئ أو من السامع في التذوق أمر ضروري، وقصيدة “وطن النجوم” حافلة بالصور التي وظَّفها الشاعر أحسن توظيف لحمل أفكاره ومشاعره.

من هذه الصور: الصورة الكلية التي رسمها الشاعر لطفولته الساذجة البريئة اللاهية السعيدة في الأبيات الأولى من القصيدة، والتعبير في هذه الصورة الكليَّة لا يميل إلى المجاز إلا قليلًا؛ مما يدل على أن الصورة يمكن أن تكون ناجحة حين تتوسل بالتعبير الحقيقي، المهم: هو براعة الشاعر في اختيار ألفاظه وبناء جمله حتى تكون مُصوِّرة لما يريد تصويره؛ حتى ولو كانت هذه الصورة حقيقية وليست خيالية.

تأمل الأبيات العشرة الأولى تجدها خالية من المجاز ما عدا التشبيه في البيت الثالث والتشبيه في البيت التاسع؛ لكن الأبيات -مع ذلك- تستحضر لنا صورة الطفل ماثلًا في الطبيعة الحية يتسلق أشجارها ليعود بالأغصان ليصنع منها سيوفًا ورماحًا، ثم يستعرض الشاعر صورة الطفل وهو يخوض في وحل الشتاء متهللًا متبسِّمًا؛ يقول إيليا أبو ماضي عن هذا الطفل الذي يريد أن يستحضر صورته:

وطنَ النجوم أنا هنا

*حدق أتذكر من أنا

ألَمَحْتَ في الماضي البعيد

*فتى غريرًا أرْعَنا

جذلانَ يمرح في حقولك

*كالنسيم مدندِنا

هذا هو التشبيه الذي ورد في البيت الثالث: “جذلان يمرح في حقولك”، جذلان: حال، ويمرح أيضًا جملة حالية، والتشبيه ورد في قوله: “كالنسيم مدندنا”.

المقتنَى المملوك ملـ

*ـعبُه وغير المقتنى

الطفل يعتبر كل شيء ملكًا له، يريد أن يستمتع بكل شيء وأن يلعب بكل شيء.

يتسلق الأشجار لا

*ضجرًا يحس ولا وَنَا

لا يحس بملل ولا يشعر بتعب.

ويعود بالأغصان يبـ

*ريها سيوفًا أو قَنَا

ويخوض في وحل

*الشتا متهللًا متيمِّنًا

لا يتقي شر العيون

*ولا يخاف الألْسُنا

لا يخاف الحسد ولا يخاف اللوم ولا يعبؤ بشيء، كل هذه تعبيرات حقيقية لا أثر للمجاز فيها؛ لكنها نجحت في رسم صورة الطفولة اللاهية البريئة التي لا تلوي على شيء.

ولكم تشيْطن كي يقول

*القوم عنه تشيْطنا

هذه لمحة تدل على الطفولة في كل طفل: يتشيطن، أو يلعب، أو يأتي بالأشياء العجيبة والألعاب الغريبة، هو يريد أن يلفت الأنظار إليه، يريد ويحب ويعجبه أن يقول الناس عنه: إنه يتشيطن.

أنا ذلك الولد الذي

*دنياه كانت ها هنا

إذن نجحت هذه الأبيات في رسم صورة هذا الولد الذي دنياه كانت ها هنا على حد تعبير الشاعر.

وكما أدى التعبير الحقيقي وظيفته في الصورة في هذه الأبيات -التي مرت- أدى المجاز وظيفته أيضًا في باقي القصيدة على نحو متميز يدل على خيال محلِّق، وشاعرية خصبة، وذكاء نافذ، ونفس عاشقة للجمال المبثوث في رُبى الوطن لبنان وربوعه.

من هذه المجازات الجديرة بالتأمل: المجاز المركب من التشبيه والاستعارة في الأبيات: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر:

أنا من مياهك قطرة

*فاضت جداول من سنا

أنا من ترابك ذرةٌ ماجت

*كواكبَ من مُنى

أنا من طيورك بلبلٌ

*غنى بمجدك فاغتنى

حمل الطلاقة والبشا

*شة من ربوعك للدُّنا

“أنا من مياهك قطرة”: تشبيه؛ فالمشبه “أنا”، والمشبه به “قطرة”؛ هذا تشبيه بليغ؛ لأن الأداة محذوفة، ثم قال بعد التشبيه: “فاضت جداول من سنا”، أي: هذه القطرة فاضت جداول من سنا، والسنا: هو النور أو الضوء، فتأمل كيف تحولت قطرة الماء إلى جداول؛ ليست جداول من ماء وإنما جداول من ضياء! فبعد التشبيه في الجملة الأولى: “أنا من مياهك قطرة” هنا استعارة في قوله: “فاضت جداول من سنا”.

وفي قوله: “أنا من ترابك ذرة” تشبيه بليغ حذفت الأداة، “ماجت”، أي: هذه الذرة تحولت وتحركت وصارت “كواكب من منى”، أيضًا هنا استعارة؛ ففي الجملة الأولى تشبيه وفي الجملة الثانية استعارة.

“أنا من طيورك بلبل”: هذا تشبيه، “غنى بمجدك فاغتنى” غنى هذا البلبل بمجدك أيها الوطن فاغتنى -وهنا استعارة- هذا البلبل -والمراد به الشاعر- “حمل الطلاقة والبشاشة من ربوعك” يا لبنان إلى الدنا جميعًا، والدنا جمع دنيا.

وفي قوله: “كم عانقتْ روحي رُباك…” “كم” هنا خبرية تفيد كثرة الفعل، أي: روحي عانقت رباك، وصفَّقت في المنحنى كثيرًا، و”صفَّقت” معناها: اهتزت روحي، “للأرز”: لشجر الأرز، وهو شجر معروف في جبال لبنان، وجملة: “يهزأ بالرياح”: جملة في موضع نصب حال والتعبير في قوله: “يهزأ بالرياح وبالدهور وبالفنا” مبني على الاستعارة؛ لأن شجر الأرز في الحقيقة لا يهزأ بالرياح ولا يهزأ بالدهور ولا يهزأ بالفناء؛ لكن الشاعر شخَّصه وجعله في شموخه كأنه يهزأ بالرياح وبالدهور وبالفنا على سبيل الاستعارة؛ فقد شبهه بالإنسان.

ثم قال: “للبحر -أي: صفَّقتْ روحه للبحر- ينشره بنوك حضارة وتمدُّنا”، وهنا أيضًا أسلوب مبني على الاستعارة؛ لأن البحر في حقيقته لا يُنشَر حضارة وتمدنًا.

“لليل فيك مصليًا” أي: صفقت روحي لليل فيك يا لبنان مصليًا، “للصبح فيك مؤذنًا”، والليل لا يكون مصليًا والصبح لا يؤذن؛ ففي هذا التعبير أيضًا استعارة.

“للشمس تبطئ في وداع ذُراك” أي: صفقت روحي أيضًا للشمس حالة كونها تبطئ في وداع ذراك، “كي لا تحزنا”: يصور الشمس وهي تغرب كأنها تبطئ في وداع وطنه كي لا تحزن الشمس على فراق هذا الوطن أو كي لا يحزن الوطن على فراق الشمس؛ على أي حال فالشمس هنا كأنها تشعر وتحس وتتجنب أو تبطئ في الوداع كي لا تشعر بالحزن، والوطن -على المعنى الآخر- هو الذي يشعر ويحس والشمس لا تريد أن تُحزنه فتبطئ في وداعه.

“للبدر”: صفقت روحه للبدر، “في نيسان”: في شهر نيسان -إبريل- “يكْحَل بالضياء الأعينا” جعل البدر يُكحِّل أعين البنات أو أعين الناس بالضياء؛ “فيذوب في حدق المها”: فيتحول هذا الضياء الذي يكحل البدر به الأعين، “والمها”: المراد بها النساء أو البنات الجميلات، وهذا تشبيه قديم في الشعر العربي: يصور الشاعر المرأة الجميلة بالمهاة، أو يشبه النساء بالمها: جمع مهاة، والمها: هو بقر الوحش، ووجه الشبه: هو جمال العيون؛ لأن البقرة الوحشية معروفة بسعة العين وسوادها؛ ومن هنا فالمراد: تشبيه النساء بالمها، وانظر إلى هذا التعبير الجميل الرقيق: “سحرًا لطيفًا لينا”.

“للحقل يرتجل الروائع” أي: صفقَّتْ روحي للحقل؛ فروحه صفقت للأَرْزِ وللبحر ولليل وللشمس وللبدر وللحقل، “يرتجل الروائع زنبقًا أو سوسنًا”؛ حيث تنبت النباتات والزهور الجميلة في هذا الوطن الجميل.

“للعشب أثقله الندى”: أيضًا صفقت روحه، “للعشب أثقله الندى للغصن أثقله الجنى”؛ فهذا تصوير للعشب حالة يُثقَل بالندى، وللغصن حالة يثقل بالثمر.

ثم يقول إيليا أبو ماضي:

عاش الجمال مشرَّدًا

*في الأرض ينشد مسكنا

حتى انكشفْتَ له

*فألقى رحله وتوطنا

في هذين البيتين يصور الشاعر الجمال في صورة إنسان مشرد يبحث عن موطن له، “عاش الجمال مشردًا في الأرض”: في كل الأرض، “ينشد مسكنًا”: يبحث له عن موطن، هذه استعارة، “حتى انكشفت له”: حتى ظهرت له يا لبنان؛ “فألقى رحله وتوطنا”: فألقى الجمال رحله فيك واتخذ منك موطنًا له، وهذه صورة بديعة مبنية على الاستعارة يصور فيها الشاعر الجمال مشردًا في كل الأرض، يبحث له عن مسكن حتى انكشفَ له لبنان؛ فألقى الجمال رحله فيه واتخذ منه موطنًا.

“واستعرض الفن الجبال”: كما بحث الجمال له عن موطن وكان قبل أن يظهر له لبنان مشردًا؛ الفن كذلك استعرض الجبال وأخذ يبحث عن مكان يتخذه وطنًا له؛ “فكنت أنت الأحسنا”؛ ففي هذا البيت أيضًا استعارة.

ثم يقول الشاعر:

لله سرٌّ فيك يا

*لبنان لم يعلن لنا

كأن سر الجمال الكائن والكامن في لبنان سرٌّ من صنع الإله، لا يستطيع الشاعر معرفة هذا السر ولا اجتلاءه.

ثم قال إيليا أبو ماضي:

خلق النجوم وخاف أن

*تغوى العقولُ وتُفتَنا

فأعار أرزَك مجده

*وجلاله كي تؤمنا

ولنا في هذا التعبير مع الشاعر وقفة؛ لأنه لا يليق أن يقول عن الله عز وجل: خلق النجوم وخاف أن تغوى العقول؛ لا يليق أن يُسنَد فعل خاف إلى الله عز وجل. “فأعار أرزك مجده” أي: أعار الله سبحانه وتعالىمجده لأَرْزِ لبنان، “وجلاله كي تؤمنا”: كي تكون مؤمنًا -يا لبنان- وكي تهتدي العقول بهذه المظاهر -مظاهر الجمال والجلال- التي تدل على قدرة الله سبحانه وتعالىعلى أي حال هذا التعبير في هذين البيتين تعبيرٌ لا يليق في خطاب الله I.

ثم قال إيليا أبو ماضي: “زعموا سلوتك”: أي زعم بعض خصومي أو بعض القائلين أني سلوتك، أي: نسيتك.

…. …. …. …. ….  ليتهم

*نسبوا إليَّ الممكنا

فالمرءُ قد ينسى المسـ

*ـيءَ المفترِي والمحسِنا

والخمرَ والحسنَ والـ

*ـوتَر المرنَّح والغنا

لكنه مهما سلا

*هيهات يسلو الموطِنَا

أي: والغناء؛ قد ينسى كل هذه الملذات وكل هذه الأشياء؛ لكنه مهما سلا -مهما نسي- هيهات يسلو الموطنا، خاصة إذا كان هذا الموطن هو لبنان الجميل الذي صوره شاعره إيليا أبو ماضي بهذا الجمال الفاتن؛ فيستحيل على الشاعر أن ينسى وطنه، هكذا يقول إيليا أبو ماضي.

والقصيدة -مع البراعة في التصوير- مشحونة بالألفاظ الموحية والأساليب الدالة… تأمل النداء والاستفهام في الأبيات الأولى، والتعبير بالجملة الاسمية في الأبيات: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، والتعبير بالفعل الماضي مرة وبالمضارع أخرى في الأبيات التي تليها، وتأمل تقديم الخبر على المبتدأ لإفادة القصر في قوله: “لله سِرٌّ فيك يا لبنان”.

أما دلالة التصوير على نفس الشاعر المبتهجة بالحياة المقبلة على ملذاتها، المتشبعة بالجمال، والمتتبعة لمظاهره فنجدها في قوله: “جداول من سنا”، و”كواكب من مُنى”، وفي: الطلاقة، والبشاشة، والتيمن، والبلبل، والأَرز، والبحر، والبدر، والحقل، والشمس، والضياء، والعشب، والندى، والغصن، والجنى؛ فكل هذه الألفاظ وكل هذه التعابير والتصاوير تدل على نفس مبتهجة مقبلة على الحياة إقبالًا شديدًا.

لكننا مع إعجابنا ببراعة الشاعر التصويرية في هذه القصيدة، لا نرتضي -كما أشرت- ما قاله في البيت الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، ولقد هممت بحذفهما من النص؛ لكني رجعت عن ذلك؛ وآثرت إثباتهما تحقيقًا للأمانة العلمية، وحريصًا مع ذلك على التنبيه على أننا لا نرضى هذا التعبير الجريء في سياق الحديث أو خطاب الله عز وجل.

ويبدو أن أبا ماضي كغيره من المهجريين يتجاوز أحيانًا حدود المقبول عقيدة للوصول إلى ما يريده فنُّه؛ فأي مؤمن بالله لا يفهم ولا يقبل هذا التعبير، ولا يستسيغ هذا التعبير الذي ورد قول أبي ماضي:

خلق النجوم وخاف أن

*تغوى العقولُ وتُفتَنا

فأعار أرزَك مجدَه

*وجلاله كي تؤمنا

فأي مؤمن بالله لا يفهم كيف خاف الله من غواية النجوم للناس فأعار مجده وجلاله لأرز لبنان.

إن الوحدة الفنية تحققت في هذه القصيدة من عدة جهات: هي وحدة الموضوع؛ فقد خلصت القصيدة لموضوع واحد، ووحدة الجو النفسي الناتجة عن تنامي العاطفة وصدقها واستمرارها وعدم اضطرابها، ومن ترابط الأفكار والتئام المعاني والألفاظ، ومن وحدة الوزن والقافية.

والقصيدة -مع هذا- لا تستعصي على الفهم ولا تفسد معانيها إذا حُذِف بعض أبياتها أو حدث فيها تقديم وتأخير في بعض أجزائها، وإن كان ذلك التغيير ينقص المعنى بلا شك.

error: النص محمي !!