Top
Image Alt

دراسة تطبيقية على بحر الرجز وصوره الإيقاعية

  /  دراسة تطبيقية على بحر الرجز وصوره الإيقاعية

دراسة تطبيقية على بحر الرجز وصوره الإيقاعية

أولًا: الرجز التام:

قال ابن دريد في المقصورة:

من لم يعظه الدهر لم ينفعه

*ما راح به الواعظ يومًا أو غدا

من لم تفده عبرًا أيامه

*كان العمى أولى به من الهدى

من لم يعظ/ مستفعلن، ه ددهر لم/ مستفعلن، ينفعه ما/ مستفعلن، وهي العروض صحيحة كما ترى، راح به ل/ مستعلن، واعظ يو/ مستعلن، من أو غدا/ مستفعلن، وهو الضرب صحيح أيضًا.

ولا قيمة لحذف الرابع الساكن في التفعيلتين الرابعة والخامسة، ويُسمى عندهم طيًّا؛ لأنه زحاف يطرأ ويزول، ومنه قول أبي دَهبل:

أورثني المجد أبًا من بعد أب

*رمحي رديني وسيفي المستلب

وتقطيعه هكذا: أورثنل/ مستعلن، مجد أبًا/ مستعلن، من بعد أب/ مستفعلن، رمحي ردي/ مستفعلن، نيين وسي/ مستفعلن، فلمستلب/ مستفعلن.

قال مهيار الديلمي:

في كل دار ناعق يخبط في

*جنبي وهو خاطب ودادي

وحالم لي فإذا استسعدته

*في يوم روع مال بالرقاد

في كل دا/ مستفعلن، ر ناعق/ مستفعلن، يخبط في/ مستعلن، وهي العروض حُذف منها الرابع الساكن، ويسمى ذلك طيًّا، وكان من حقها أن تدعوها مطوية، ولكن لما لم يلزم ذلك الطي في أخواتها عُدَّ كأنه لم يكن؛ لذا تسمى صحيحة، فالعروض صحيحة كما ترى.

جنبيي وه/ مستفعلن، وخاطبن/ متفعلن، ودادي/ متفعل، وهو الضرب حذف ساكنه الثاني حذفًا غير معتبر؛ لعدم لزومه في إخوته من الأضرب، ثم حُذف ساكن الوتد المجموع علن وسُكِّن ما قبله، ويسمى ذلك قطعًا، وهو سائر في القصيدة كلها.

فإذا جاء بيتها الأول مقطوع الضرب وجب أن تجيء الأضرب في باقي القصيدة مقطوعة؛ لذا يُسمى هذا الضرب مقطوعًا، والعروض صحيحة كما ترى.

إذن فالعروض صحيحة والضرب مقطوع، وقد جاء على هذا الوزن قول مهيار الديلمي:

كالشمس من جمرة عبد شمس

*غضبى سخت نفسي لها بنفس

في بلد يحرم صيد وحشه

*وهي به تحل صيد الإنس

ترى دم العشاق في بنانها

*علامة قد موِّهت بالورس

والنتيجة: إن تام الرجز لا بد أن تكون عروضه صحيحة، وإن ضربه يجري عليه الصحة والقطع.

ثانيًا: الرجز المجزوء:

قال عمر بن أبي ربيعة:

خود يفوح المسك من

*أردانها والعنبر

يضيق عن أردافها

*إذا يلاث المئزر

وتقطيعه هكذا: خودن يفو/ مستفعلن، ح لمسك من/ مستفعلن، وهي العروض صحيحة، أردانها/ مستفعلن، والعنبرو/ مستفعلن، هو الضرب صحيح كذلك، فمجزوء الرجز لا بد أن تكون عروضه صحيحة، وضربه كذلك صحيحًا، وقد جاء منه قول كليوباترا تخاطب أنطونيو:

ليس العبوس سنة

*لوجهك الطلق الندي

قلبك كنز الحب

*والرحمة والتودد

فاطوِ معي حوادث

*الأمس ولا تجدد

وامضِ معي في لذة اليوم

*ودع هم الغد

ثالثًا: الرجز المشطور:

قد شمَّرت عن ساقها فشدُّوا

*وجدت الحرب بكم فجدوا

هذان بيتان من الرجز: قد شممرت/ مستفعلن، عن ساقها/ مستفعلن، فشددو/ متفعل، هي العروض والضرب معًا حُذف الثاني حذفًا غير لازم، ولا يعتبر؛ فصارت متفعلن، وحذف ساكن الوتد المجموع، وسكِّن ما قبله، وهو القطع كما عرفت، فصارت متفعل، فالعروض والضرب مقطوعان، وقد جاء على هذا الوزن قول بشار يمدح عقبة بن مسلم:

يا طلل الحي بذات الصمد

*بالله خبِّر كيف صرت بعدي

أقفرت من دعدٍ وترب دعد

*سقيًا لأسماء ابنة الأشد

قامت ترائي إذ رأتني وحدي

*صدَّت بخد وجلت عن خد

ثم انثنت كالنفس المرتد

*عهدي بها سقيًّا له من عهد

تخلف وعدًا وتفي بوعد

*فنحن من جهد الهوى في وجد

وقد جاء في الشعر قول القائل:

هذا أوان الشد فاشتدي زيم

*قد لفها الليل بسواق حطم

هذان بيتان: هذا أوا/ مستفعلن، ن الشدد فاش/ مستفعلن، تددي زيم/ مستفعلن، وهي العروض والضرب معًا، وهما صحيحان كما ترى، ومنه قول القائل:

إنك لا تجني من الشوك العنب

ومنه:

الشعر صعب وطويل سلمه

*إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه

*…. …. …. ….

وعلى هذا الوزن جاء قول شوقي في توت عنخ آمون والنيل:

قم سابق الساعة واسبق وعدها

*الأرض ضاقت عنك فاصدع غمدها

واملأ رماحًا غورها ونجدها

*وافتح أصول النيل واستردها

فقد عُلم أن المشطور قد يكون عروضه وضربه مقطوعين، وقد يكونان صحيحين.

رابعًا: الرجز المنهوك:

يا ليتني فيها جذع

*أخب فيها وأضع

هذان بيتان أيضًا، يا ليتني مستفعلن، فيها جذع مستفعلن، العروض صحيحة وهي الضرب، فالمنهوك عروضه وضربه صحيحان:

إلهنا ما أعدلك

*مليك كل من ملك

لبيك إن الملك لك

*الحمد والنعمة لك

والملك لا شريك لك

*…. …. …. …. …. ….

الزحافات سائغة في الرجز، غير نابية عن الذوق، وقد تجتمع جميعًا في بيت واحد دونما ثقل أو نشوز، كما في قول عبدة بن الطبيب، أو قعنب ابن أم صاحب:

باكرني بسحرة عواذلي

*وعذلهن خبل من خبل

باكرني/ مفتعلن، بسحرتن/ مفاعلن، عواذلي/ مفاعلن، وعذلهن/ مفاعلن، ن خبلن/ فعلتن، من خبل/ فاعلن، وقد يستغني الشاعر عن وحدة القافية في أبيات القصيدة من الرجز بالتصريع في كل بيت، وبوحدة القافية بين شطرين، ويسمى هذا النوع من الرجز المزدوج، وفيه يجوز للشاعر الجمع بين الضرب التام مستفعلن، والضرب المقطوع مفعولن في قصيدة واحدة، كما في أرجوزة أبي العتاهية المسماة ذات الأمثال.

ومنها:

إن الشباب والفراغ والجدة

*مفسدة للمرء أي مفسدة

حسبك مما تبتغيه القوت

*ما أكثر القوت لمن يموت

والفقر فيما جاوز الكفاف

*من اتقى الله رجى وخاف

لكل ما يؤذي وإن قل ألم

*ما أطول الليل على من لم ينم

ما انتفع المرء بمثل عقله

*وخير ذخر المرء حسن فعله

إذا أعدت النظر في جميع ما مر بك من أبيات هذا البحر بأعاريضه وأضربه المختلفة، وجدت أنه يكثر فيه الخبن كما يكثر الطي، وأن ذلك مقبول فيه حسن، ولكن اجتماع الزحافين الخبن والطي، وهو المسمى خبلًا قبيح فيه،يدخل الخبن كذلك في أعاريض الرجز وأضربه كلها تامة ومقطوعة كما رأيت.

وقد ذكرنا لك أن المقطوع من المشطور إذا خبن سمي مكبولًا، وقد أكثر الشعراء المحدثون في الأراجيز المشطورة من الازدواج، وهو أن يتحد كل بيتين في القافية، كما أشرنا إلى ذلك سلفًا في أرجوزة أبي العتاهية، وسنسرد لك جملة صالحة من أبياتها لتتبين معنى الازدواج واضحًا، قال أبو العتاهية:

حسبك فيما تبتغيه القوت

*ما أكثر القوت لمن يموت

الفقر فيما جاوز الكفاف

*من اتقى الله رجى وخاف

هي المقادير فلمني أو فذر

*إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

فكل سطر من هذه الأسطر؛ بيتان من المشطور قد اتحدا في القافية، ويظهر أن المحدثين لجئوا إلى ذلك تخفيفًا على أنفسهم من ثقل القافية، فتحلَّلوا من شرط اتحادها في الشعر العربي، وما اضطرهم إلى ذلك إلا خفة وزن الرجز حتى قيل إنه حمار الشعراء، وأنهم احتاجوا إليه في تقييد الحكمة، والمثل، والموعظة والقصة، وذلك كثير في كلامهم لا تطاوعهم فيه القافية الواحدة، خصوصًا إذا لوحظ ضعف ملكاتهم، الطارئ عليهم بكثرة الأعاجم بينهم.

ومن هنا دخل العلماء، فقيدوا علومهم غالبًا بالرجز المشطور المزدوج، كما فعل ابن مالك صاحب الألفية في ألفيته:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم

*واسم وفعل ثم حرف الكلم

واحده كلمة والقول عم

*وكلمة بها كلام قد يؤم

بالجر والتنوين والندا وأل

*ومسند للاسم تمييز حصل

بتا فعلت وأتت ويفعل

*ونون أقبلن فعل ينجلي

سواهما الحرف كهل وفي ولم

*فعل مضارع يلي لم كيشم

إلى آخر ما جاء في كلام ابن مالك.

تنبيهات:

الأول: ورد الرجز المجزوء مكبول العروض، مقطوع الضرب أو مكبولهما كقول مطيع بن إياس:

إكليلها ألوان

*ووجهها فتان

وخالها فريد

*ليس لها جيران

إذا مشت تثنت

*كأنها ثعبان

فالخبن والقطع الكبل، واقع في العروض الثانية والثالثة، والقطع واقع في التصريع، وأضرب الأبيات الثلاثة الأولى ومثله قوله:

وخيرنا كثير

*والخير مستزاد

وكلنا من طرب

*يطير أو يكاد

ولهونا لذيذ

*لم يلهه العباد

فالعروض والضرب مكبولان عدا عروض البيت الثاني، فهي مطوية.

الثاني: استخدم المولدون الرجز على تفعيلة واحدة في كل بيت كقول يحيى بن علي المنجم أو غيره:

طيف ألم

*بذي سلم

بعد العتم

*يطوي الأكم

جاد بفم

*وملتزم

فيه هضم

*إذا يضم

وقيل: إن أول من ابتدع هذا النوع من الرجز القائم على تفعيلة واحدة في كل بيت هو سلم الخاسر في قصيدة يمدح بها موسى الهادي منها:

موسى المطر

غيث بكر

كم اعتسر

ثم ايتسر

وكم قدر
ثم غفر
عدل السير

باقي الأثر

فرع مضر

الرجز يستعمل تامًّا، ويستعمل مجزوءًا، ويستعمل مشطورًا، ويستعمل منهوكًا، وعرفنا أن للتام عروضًا صحيحة، وضربًا صحيحًا أو مقطوعًا، وحُكي فيهما الكبل أي: الخبن والقطع، وعرفنا أن المجزوء تكون عروضه وضربه صحيحين، وكذا المشطور والمنهوك، وقد يُزال المنهوك أو يكبل.

يكثر في الرجز من الزحافات الخبن والطي، وكلاهما حسن، واجتماعهما قبيح، وهو ما يسمى خبلًا، تصير معه مستفعلن متعلن أي: بحذف الثاني والرابع، كقول الحطيئة:

إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

*زلت به إلى الحضيض قدمه

فالتفعيلة الأخيرة ضِ قدمه مخبولة والوزن متعلن، وكقول الفيتوري:

إن ملاحم الفداء لم تكن

*ترضى بغير شهدانا وطنا

فالتفعيلة الخامسة ر شهدا مخبولة والوزن متعلن، يدخل الرجز من العلل القطع والتذييل، والتذييل مقصور على المنهوك، قد يلتبس البيتان من مشطور الرجز بالبيت التام منه، والبيتان من المنهوك بالبيت من المجزوء، والمفرق بينهما أمران: أن البيت من المشطور أو المنهوك تجري على آخره أحكام الضرب المعروفة للرجز كأن تكون مقطوعة والعروض لا تكون كذلك في التام والمجزوء، أنه يلتزم التقفية بين جزئي المشطور أو المنهوك، والتام والمجزوء لا يلتزم فيهما ذلك.

error: النص محمي !!