Top
Image Alt

دراسة نشأة اللغة وحياتها

  /  دراسة نشأة اللغة وحياتها

دراسة نشأة اللغة وحياتها

من مجالات البحث اللغوي: البحث أيضًا في نشأة اللغة، أصل اللغة الإنسانية الأولى هل هي نشأت عن طريق التوقيف، أم نشأت عن طريق الاصطلاح، أم نشأت طريق المحاكاة، أم نشأت عن طريق الغريزة الكلامية.

ومن مجالات البحث اللغوي البحث في أصل اللغة الإنسانية الأولى، وهذه نظريات تدرس في أصل اللغة، مثل النظرية التوقيفية، وقال بها أبو الحسين أحمد بن فارس إمام أهل السنة لأدلة طبعًا توقيفية، أدلة نقلية، وأدلة عقلية؛ فمن الأدلّة النقليّة قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].

وهناك من يقول: بأن اللغة نشأت عن طريق المحاكاة، أي محاكاة أصوات الطبيعة في الأصل، ثم بعد ذلك نشأت ألفاظ وأساليب عن غير طريق المحاكاة.

والنظرية الاصطلاحية تقول: بأن اللغة نشأت عن طريق المواضعة والاصطلاح، ويعارضون المذهب التوقيفي، النظرية الطبيعية تقول أيضًا: بأن اللغة نشأت عن طريق الأساس بين الكلمة وما تدل عليه؛ بحيث عندما تنطق بكلمة تدلّ بذاتها على المعنى، وبعض هذه الآراء آراء مردود عليها، وعندما نتكلّم عنها بالتفصيل سنوضح كل ذلك.

حياة اللغة:

ندرس في هذا المجال اللغة الحية، واللغة الميتة.

اللغة الحية: هي التي يتكلّم بها عدد كثير جدًّا من الناس، وتستعمل في الاستعمال اليومي، يعني نتعلّم بها، نتحدث بها، ونتبادل المعلومات بها، نتبادل التجارة بها، أي مستعملة في الحياة اليومية.

إذًا نقول: بأن هذه اللغة لغة حية، لغة يستعملها عدد كبير جدًّا من الألفاظ، لغة تعليم، لغة ثقافة، لغة تبادل تجارة، تبادل منافع… إلخ. كاللغة العربية لغة حية، لغة المثقفين، ولغة الشارع، واللغة الرسمية، ولغة القرآن الكريم، ولغة الحديث النبوي الشريف، نصلي بها، نتعلم بها، نقرأ القرآن بها، نقرأ الحديث بها، نكتب الرسائل بها، تستعمل في الأمم المتحدة، وفي جميع المنظّمات العالمية تسمّى لغة حية.

أما اللغة الميتة فهي تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: ماتت وانتهت حتى في الاستعمال اليومي، أو بقي منها قليل أو نادر في الاستعمال اليومي، فاللغة القبطية لا يستعملها عدد كبير من الأشخاص، لا تستعمل في التعليم، لا تستعمل في الثقافة، أو في المجلّات، أو في الجرائد، أو في الكتب.

يعني: لا تستعمل لغة ثقافة، لا تستعمل لغة تعليم، لا تستعمل كلغة مراسلات.

عندما نأتي إلى اللغة الفينيقية، أو اللغة الآكدية لم يبق منها شيء، إذًا فهي لغة ميتة، فالآكدية التي كانت موجودة في العراق، اللغة الفينيقية كانت موجودة في ساحل البحر الأبيض المتوسط، عند الفينيقيين أيضًا لغة بابلية، والأشورية ماتت وانتهت، لم يَبْقَ منها شيء.

أيضًا عندنا اللغة النقية واللغة الهجين، اللغة النقية: هي التي لم يدخلها شيءٌ من ألفاظ اللغات أخرى، واللغة الهجين يعني: طُعِّمَت ببعض الألفاظ من اللغات الأخرى.

إذن ندرس في حياة اللغة: اللغة الحية، واللغة الميتة، واللغة النقية، واللغة الهجين، وأيضًا اللغة الأمّ.

اللغة الأم: هي التي يتعلمها الطفل من أبوية من المخالطين له، كالطفل المصري -مثلًا- ينشأ يتعلم اللغة العربية.

لأن المخالطين له أباه وأمّه، طبعًا يعرفون اللغة العربية، ويتقنونها، تسمّى اللغة الأم، بعد ذلك يتعلم في المدرسة اللغة الإنجليزية، أو اللغة الفرنسية، أو اللغة الألمانية تسمي اللغة الثانية.

اللغة الموحدة أيضًا من ضمن مجالات البحث اللغوي، وهي غير اللغة المفرقة، يعني: عندما كانت هناك لهجات في شبه الجزيرة العربية؛ لهجة تميمية، ولهجة حجازية، ولهجة قيس، ولهجة أسد، ولهجة أزد شنوءة، ولهجة طيئ… إلخ، لهجات مختلفة، توحّدت هذه اللهجات في لهجة واحدة، وهي اللهجة القرشية، وأصبحت اللغة القومية للعرب جميعًا، نزل القرآن بهذه اللهجة القرشية التي ضمّت إلى كيانها كثيرًا من لهجات القبائل الأخرى ما رأته أيسر على ألسنتها وما يحتاجون إليه من الألفاظ والأساليب؛ فأصبحت لهجة موحدة بنزول القرآن الكريم بها.

اللغة المُزَاحة يعني: اللغة كانت موجودة، ولكنها حلت لغة أخرى مكانها فَأُزيحت هذه اللغة من بلدٍ من البلدان، فنسميها لغة مزاحة يعني: حلّت محلها لغة أخرى.

اللغة المنشودة: هي ما ينبغي أن تكون عليه اللغة.

يعني أن اللغة العربية الفصحى تستعمل في الاستعمال اليومي، فتستعمل في المجلات، وفي الجرائد ننشد اللغة الفصحى بقواعدها وبضوابطها، تُسَمّى هذه اللغة المنشودة، اللغة الراقية؛ لأن عندنا فصيح وأفصح؛ يعني: عندنا في اللغة العربية لغة فصحى.

وهي لغة القرآن الكريم، ولغة فصيحة، ولكنها ليست بمستوى لغة القرآن الكريم، وهناك لغة بعيدة عن الفصحى نقول: لغة نادرة، أو قليلة، أو غريبة، أو كذا.

أيضًا لغة تقنية الكمبيوتر تسمى لغة تقنية، ولغة خاصة، ولغة ثانوية، تقول: لغة خاصة بفئة معينة من الناس، مثلًا لغة القانونيين والمستشارين، وما إلى ذلك نسميها لغة القانون، ولغة المحاكم، ونسميها لغة خاصة بفئة معينة، لغة ثانوية يعني: ليست لغة أساسية.

أيضًا ندرس في هذا المجال انقسام اللغة إلى لهجات؛ لأن عندنا في أي لغة تتّسع رقعة وبيئة هذه اللغة.

ويتعدّد الناطقون بها، فيستحيل على هذه اللغة أن تحتفظ بوحدتها وبكيانها؛ فلا بد أن تتفرّق أو تتفرّع إلى لهجات.

وذلك ما حدث للغة العربية. عندما تعدّد الناطقون بها تميم، وأسد، وقيس، وأزد شنوءة، وطيئ… إلخ، وفصلت بينهم الفواصل -فواصل الطبيعية- انقسمت هذه اللغة إلى لهجات.

تفرّع اللغة إلى لهجات، وأسبابه:

كثرة الناطقين بهذه اللغة، أو اختلاف المتكلمين من حيث الطبقات، ومن حيث أيضًا الأماكن اتسعت رقعة هذه اللغة، وتعدد الناطقون بها، وفصلت بينهم الفواصل؛ سواء أكانت فواصل سياسية أم فواصل جبال، أو محيطات، أو فواصل اجتماعية التي هي فواصل الطبقات، طبقة فقيرة، وطبقة غنية، طبقة التجار، وطبقة المثقفين، وطبقة أرستقراطية، إذا فصلت هذه الطبقات استحال على اللغة أن تحتفظ بوحدتها وكيانها، ولا بد أن تتفرّع إلى لهجات.

أيضًا الوقوف على مفهوم البحث في الاصطلاح العلمي الحديث، من دراسة مجالات البحث اللغوية، أيضًا نتعرف على مفهوم البحث اللغوي.

وهو في الاصطلاح العلمي الحديث: بذل الجهد في دراسة موضوع ما دراسة متأنية ودقيقة وناقدة؛ للوصول إلى الحقيقة.

دراسة البحث العلمي: هو بذل الجهد في دراسة موضوع ما، أي: موضوع نشأة اللغة، موضوع علم الدلالة، موضوع انقسام اللغة إلى لهجات، ولا بد أن ندرس أي موضوع دراسة بعمق ودقة لنصل إلى الحقيقة، وهذه الدراسة المتأنية والدقيقة لا بد أن تكون دراسة ناقدة، يعني: نتصفح الآراء، نتصفح المسائل؛ لندلي بدلونا في البحث؛ ليكون البحث مثمرًا.

أيضًا علماء اللغة المحدثون عندما يدرسون الأصوات دراسة تحليلية معيارية يعللون، ليس كالمنهج الوصفي. المنهج الوصفي يدرس دون نظر إلى البنية التحتية، إنما المنهج المعياري هو الذي يعلل ويفسر، فمثلًا عندنا صوت المرأة صوت حاد، وصوت الطفل أيضًا صوت حاد.

عندما نقول هذا وفقط؛ إذن هذه دراسة صوتية، إنما عندما نعلل لماذا كان صوت الطفل والمرأة صوتًا حادًّا؟ فنقول: لقصر الوترين الصوتيين وكثرة الذبذبات الصوتية التي تنتج عن قصر الوترين الصوتيين، وكثرة الذبذبات في الثانية هي التي تؤدي إلى أن يكون الصوت حادًّا، أيضًا صوت الطفل قصر الوترين الصوتيين وكثرة الذبذبات هي التي تجعل الصوت حادًّا.

أما صوت الرجل فصوت عميق، يعني قليل الذبذبات؛ لأن الوترين الصوتين مرتخيان؛ فعدد الذبذبات قليل، أقل من صوت المرأة؛ ولذلك نسمي صوت الرجل عميقًا يعني قليل الذبذبات؛ فهذا هو التعليل والتفسير، وهذه هي الدراسة المعيارية التي تفسر وتعلل. فمن شروط البحث اللغوي ربط الظواهر اللغوية بأسبابها والابتعاد ما أمكن عن القول بالصدفة في تفسير ظاهرة لغوية معينة.

error: النص محمي !!