Top
Image Alt

دراسة نص ابن فارس في باب: القول في أفصح العرب وأسباب تلك الفصاحة، وهيمنة القرشية على بقية اللهجات الأخرى وأسباب ذلك

  /  دراسة نص ابن فارس في باب: القول في أفصح العرب وأسباب تلك الفصاحة، وهيمنة القرشية على بقية اللهجات الأخرى وأسباب ذلك

دراسة نص ابن فارس في باب: القول في أفصح العرب وأسباب تلك الفصاحة، وهيمنة القرشية على بقية اللهجات الأخرى وأسباب ذلك

إن العلماء قُدامى ومحدثين نظروا في فصاحة العرب، وأسباب تلك الفصاحة، ومِن هؤلاء: العلَّامة أحمد بن فارس، حيث عَقَدَ بابًا في كتابه (الصاحبي) عنوانه “باب القول في أفصح العرب”, ورأى أن قريشًا أفصح العرب؛ معللًا لذلك بسبب ذي اعتبار ديني؛ إذ يقول في صدر هذا الباب: “أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالِّهم، أن قريشًا أفصح العرب ألسنةً، وأصفاهم لغةً؛ وذلك أن الله -جل ثناؤه- اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبي الرحمة محمدًا صلى الله عليه  وسلم فجعل قريشًا قُطَّان حَرَمِه، وجيران بيته الحرام، وولاته، فكانت وفود العرب -من حجاجها وغيرهم- يفِدون إلى مكةَ للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم، وتحكم بينهم.

ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم، وتسميها أهلَ الله؛ لأنه الصريح من ولد إسماعيل  عليه السلام لم تَشُبْهُم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة؛ فضيلةً من الله -جل ثناؤه- لهم وتشريفًا؛ إذ جعلهم رهط نبيه الأدنين، وعِترته الصالحين”.

ومعنى كلام ابن فارس: أن قريشًا أفصحُ العرب؛ لأن الرسول منهم، اختاره الله من بينهم علاوةً على خدمتهم للحجيج، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم، ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم.

ونتساءل: هل ذكر ابن فارس مصدرَ فصاحةِ قريش؟ من أين أتت الفصاحة للقرشيين، وجعلتهم في مرتبة عُليا في الفصاحة العربية؟

لقد أجاب عن هذا ابن فارس في الباب نفسه أيضًا؛ حيث رأى: أن الله رزقهم سليقة نشأ عليها صغيرهم وكبيرهم، فميزتهم بِرِقة اللسان وحسنِ اللغة. ورأى أيضا: أن قريشًا بسبب رعايتها للحجيج وقدومهم إلى بيت الله الحرام، واختلاط هؤلاء بهم، هذا الظرف قد مكَّنهم من أن يتخيروا من كلام الوفود أحسنَ لغاتِهم؛ لهذين السببين كانت قريش في المرتبة العليا من الفصاحة.

يقول ابن فارس -عارضًا هذين السببين: “وكانت قريش مع فصاحتها، وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لغاتهم، وأصفَى كلامِهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نَحائزهم وسلائقهم التي طُبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصحَ العرب”.

ما دليل ابن فارس على أن قريشًا أفصح العرب؟

لقد ذكر ابن فارس وغيرُه: أن خلوّ كلام القرشيين من اللغات المذمومة، ومن الحروف المرغوب عنها، دليلٌ على قوتهم في الفصاحة.

نستمع إلى ابن فارس حين يقول -خاتمًا هذا الباب بهذا الدليل, الذي يُشير إلى فصاحة القرشيين، ووصولهم إلى منزلة عليا في الفصاحة: “ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس، مثل: تِعلمون، ونِعلم، ومثل: شِعير، وبِعير؟!” انتهى كلامه.

فخلو كلام القرشيين -مما سمَّاه ابن فارس وغيرُه أيضًا: بالعنعنة المنسوبة إلى تميم، وبالعجرفية المنسوبة إلى قيس، وبالكشكشة المنسوبة إلى أسد، وبالكسكسة المنسوبة إلى ربيع، وبالكسر الذي نسمعه من أسد وقيس- من أمثال هذه اللغات المذمومة، لدليلٌ على تلك المرتبة العليا في الفصاحة اللغوية المنسوبة إلى قريش.

ما معنى هذه الألقاب المذمومة التي يخلو منها كلام القرشيين؟

وما العنعنة؟ وما العجرفة؟ وما الكشكشة؟ وما الكسكسة؟ وما الكسر؟

لقد عقد ابن فارس بابًا لهذه اللهجات، سماه: باب اللغات المذمومة، وجاء به في ذيل الباب السالف الذكر، ألا وهو: باب القول في أفصح العرب. وقد عرَّف في باب اللغات المذمومة، بكل ما ذكره في ذيل باب القول في أفصح العرب، من العنعنة، والعجرفية، والكشكشة، والكسكسة… وغيرها من اللغات التي ذكرناها.

العنعنة:

وقد بدأ هذا الباب بتعريف العنعنة، حيث قال:

“أما العنعنة التي تُذكر عن تميم، فَقَلْبُهُم الهمزةَ في بعض كلامهم عَيْنًا، يقولون: سمعت عَنَّ فلانًا قال كذا، يريدون: سمعت أَنَّ فلانًا قال كذا، حيث يقلبون همزة “أَنَّ” عينًا فتصير “عنَّ””.

قال ابن فارس: “ورُوي في حديث قيلة -أي: قيلة العنبرية الصحابية- “… تحسب عَنِّي نائمة””.

يقول ابن فارس: “قال أبو عبيد: أرادت “تحسب أَنِّي نائمة”, وهذه لغة تميم.

قال ذو الرمة:

أَعَن تَرَسَّمتَ مِن خَرقاءَ مَنزِلَةً

*ماءُ الصَّبابَةِ مِن عَينَيكَ مَسجومُ

أراد: “أَأَن”, فجعل مكانَ الهمزة عينًا”.

الكشكشة:

ثم انتقل إلى الكشكشة، فقال:

“وأما الكشكشة التي في أسد، فقال قوم: إنهم يبدلون الكافَ شِينًا، فيقولون: عَلَيْش، بمعنى: عليك, وينشدون:

فَعَيْناشِ عَيْناها، وجيدُش جِيدُها

*ولَونُش، إلا أنها غيرُ عاطلِ

البيت لمجنون ليلى, يقصد:

فعيناك عيناها، وجيدك جيدُها

*ولونك، إلا أنها غير عاطل

وقال آخرون: بل يصلون بالكاف شينًا، فيقولون: عليكش”.

إذن: الكشكشة لها صورتان؛ إما أن تكون بإبدال الكاف شينًا، وإما أن تكون بزيادة شين بعد الكاف.

الكسكسة:

ثم عرف الكسكسة بقوله:

“وكذلك الكسكسة في ربيعة، إنما هي أن يصلوا بالكاف سينًا، فيقولون: عليكِس”.

وللكسكسة -كما ذكرها ابن فارس- صورة واحدة فقط، هي زيادة سين بعد الكاف, أما الكشكشة فلها صورتان على النحو السالف الذكر.

وبعد أن عَرَّفَ ابن فارس بالعنعنة والكشكشة والكسكسة، ذكر حروفًا لا تتكلم بها العرب إلا ضرورةً، فإذا اضطروا إليها حوَّلوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها، وذكر من تلك الحروف الحرفَ الذي بين الباء والفاء، مثل: “بور”, فإذا اضطروا قالوا: “فور” والباء في “بور” ليست باءً خالصةً؛ لذلك إذا اضطر العرب إلى نطق هذه الباء، حولوها فاءً، فقالوا: “فور”.

وذكر من الحروف أيضًا الحرفَ الذي بين القاف والكاف والجيم، قال: “وهي لغة سائرة في اليمن، مثل: جمل، وهذه الجيم ليست جيمًا خالصةً؛ ولكنها جيم، فإذا اضطروا إلى نطق الجيم؛ قالوا: “كمل” أي: حولوا الجيمَ إلى كافٍ”.

ثم قال ابن فارس: “فأما بنو تميم؛ فإنهم يلحقون الكافَ باللهاة حتى تبلغ جدًّا، فيقولون: “ألْقَوْم” فيكون بين الكاف والقاف، أي: ليست القاف قافًا خالصةً وليست كافًا خالصةً، ولكنها بَيْنَ بَيْنَ”, أي: بين الكاف والقاف.

واستشهد على ذلك ببيت من الشعر كُتبت القافُ في كلماته بالكاف، ولكن هذه القاف من ناحية النطق تكون بين الكاف والقاف. قال الشاعر:

ولا أكول لكدر الكَوم: قد نضجت

*ولا أكول لباب الدار: مكفول

يقصد:

ولا أقول لقدر القوم: قد نضجت

*ولا أقول لباب الدار: مقفول

فنطق القافَ بصوت بين الكاف والقاف.

وإذا كان ابن فارس يرى أن قريشًا أفصح العرب، فإنه يرى أن القرآن لم ينزل بلغة قريش فقط، ولكنه نَزَلَ بأكثر من لغة فصيحة، وقد عقد لذلك بابًا في (الصاحبي) بعنوان: باب القول في اللغة التي بها نزل القرآن، وأنه ليس في كتاب الله -جل ثناؤه- شيء بغير لغة العرب، ذكَرَ فيه: عن ابن عباس, قال: “نزل القرآن على سبعة أحرف -أو قال: بسبع لغات- منها: خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يُقال لهم: عُليا هوازنَ، وهي خمس قبائل أو أربع، منها: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف”.

ثم قال: “قال أبو عبيد: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر؛ وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم: «أنا أفصحُ العرب؛ بَيْدَ أني من قريش، وأني نشأتُ في بني سعد بن بكر» وكان مُسترضَعًا فيهم، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازنَ, وسُفْلَى تميم”.

error: النص محمي !!