Top
Image Alt

دعائم العلاقات الإنسانية برؤية إسلامية، ووحدة الأصل الإنساني، والتعاون الإنساني

  /  دعائم العلاقات الإنسانية برؤية إسلامية، ووحدة الأصل الإنساني، والتعاون الإنساني

دعائم العلاقات الإنسانية برؤية إسلامية، ووحدة الأصل الإنساني، والتعاون الإنساني

دعائم العلاقات الإنسانية كمدخل مهم وأساس في الكلام عن العلاقات الدولية في الإسلام. وهي كما قرّر معالمَها أو رءوسها الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله- مع شيء من الاختلاف في طريقة عرْض هذه الدعائم، والتي أرجو أن يكون اختيارها مناسبًا لموضوع العلاقات الدولية في الإسلام.

الدعامة الأولى: الكرامة الإنسانية:

فقد وردت النصوص القرآنية موضحةً أو مصرحةً بأنّ الإنسان خليفة في هذه الأرض، وأنّ الله تعالى سخّر له ما في الكون، وجعَله تحت سلطانه، وفي قُدرته، وأنّ الله تعالى أعطاه الاستعداد للعلْم بكل شيء في الكون؛ فأودع في أصل تكوينه العقل الذي يستطيع به الاستقلال في إدراك حقائق هذه الكون وما فيه. وأعطاه أيضًا الاستعداد للعلْم بما في السموات وما في الأرض، وبيّن للملائكة -تلك الأرواح الطاهرة- أنهم لم يؤتَوْا علْم هذا الإنسان الذي اختاره خليفة في الأرض؛ ولهذا أمرهم بالسجود لآدم أبي الخليقة الإنسانية؛ قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاّ مَا عَلّمْتَنَآ إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ إِنِيَ أَعْلَمُ غَيْبَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 30- 34].

كما جاءت آياتٌ كثيرةٌ مبثوثةٌ في القرآن، في تسخير الكون للإنسان؛ يفكِّر فيه ويكشف، منها: قول الحق سبحانه وتعالى: {اللّهُ الّذِي سَخّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ} [الجاثية: 12، 13].

ونحو هاتيْن الآيتيْن في القرآن الكريم كثير جدًّا، ممّا يدلّ على كرامة الإنسان منذ خلق في هذا الكون. فقد خُلق ليسودَه ويسيطر عليه. وقد صرّح القرآن الكريم بهذا التكريم الإنساني في آيات كثيرة، منها قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

وإنّ هذا التكريم -كما تدل الآيات والأحاديث- ليس خاصًّا بعنصر دون عنصر، ولا بجنسٍ دون جنس، بل الجميع سواء في حق التكريم، قد قال النبيصلى الله عليه وسلم: ((كلّكم لآدم، وآدم من تراب. ألا لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى!)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

فالكرامة الإنسانية يقرّرها القرآن والسُّنّة لكلّ من يتحقّق فيه معنى الإنسانية. وأوّل تكريمٍ كان بهبة العقل الذي سخّر الله تعالى له به الكون بما فيه، سواء أكان على الأرض أم كان في جوف السماء. ولا تفاضل بين الناس بالألوان؛ فالأبيض والأسود أو الأحمر، كل ذلك على سواء، إلاّ بالتقوى كما أشرنا من خلال حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ويروَى في ذلك ((أنّ رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عيّر آخَر بسواد أمِّه، فقال له: “يا ابْن السوداء!”، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد طفّ الكيْل! لقد طفّ الكيل! لقد طفّ الكيْل! ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل)). ولا فرق بين دِينٍ ودِين في تكريم الإنسان حيًّا أو ميتًا، وفي رواية أخرى أنه قال له: ((أعيّرته بأمّه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية)), ويروى: ((أنه مرّت جنازة ليهودي، فوقف لها النبي صلى الله عليه وسلم تكريمًا. فقال له بعض أصحابه: إنها جنازة يهودي! فقال صلى الله عليه وسلم: أليست نفْسًا؟)).

هكذا كانت بواكير الدعوة الإسلامية المهتمّة بالكرامة الإنسانية كأحد معالم العلاقات الإنسانية التي تأسّست عليها فيما بَعد العلاقات الدولية في الإسلام.

الدعامة الثانية: وحدة الأصل الإنساني:

الناس جميعًا أمّة واحدة. وهذه دعامة ثانية من دعائم العلاقات الإنسانية، حيث اعتبر الإسلام الناس جميعًا أمّة واحدة، الإنسانية تجمعها، وإذا فرقتهم الأهواء فالأصل واحد. ولقد صرّح القرآن الكريم بهذه الوحدة أو بهذا الأصل الواحد في آيات عديدة، وما دام الأصل واحدًا؛ فالوحدة شاملة.

وقد جاء ذلك في عدّة سوَر وعدّة آيات؛ فالآية الأولى من سورة (النساء) مثلًا تصرّح بأنّ الأصل واحد؛ حيث خلق الله الناس جميعًا من نفس واحدة، وخلَق من هذه النفس زوجها، وتوالد الناس من هذيْن الأبويْن الكريميْن. هذا معنى قوله تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1].

كما جاء هذا المعنى في قول الحق سبحانه: {يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحُجُرات: 13]، ومثل ذلك في قول الحق سبحانه: {هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماّ تَغَشّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرّتْ بِهِ فَلَمّآ أَثْقَلَتْ دّعَوَا اللّهَ رَبّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لّنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ} [الأعراف: 189].

وجاء التصريح بأنّ الإنسانية أمّةٌ واحدة؛ فقد قرّر أنّ الناس جميعًا أمّة واحدة، وأنّ الاختلاف عارض، ومنشؤه: اختلاف الأهواء، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بالهداية ليحكموا بأمر الله تعالى في هذا الاختلاف؛ يقول الله سبحانه: {كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].

إذًا الحق سبحانه وتعالى بيّن لنا طريق الهداية، فيسلكه من تغلّب على هواه، ويضل الآخَر ويشقى. وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أنه لم يكن اختلاف اللغات والألوان بمانع من الوحدة الإنسانية الجامعة؛ بل إن هذا الاختلاف من سُنن الله تعالى في خلْق الإنسان؛ إذ جعل فيه قوةً يتكيّف بمقتضاها مع بيئته ويتجاوب؛ بل لقد صرّح القرآن الكريم بأنّ اختلاف الألسنة والألوان من مظاهر قدرة الله تعالى الغالبة في خلْق الإنسان، كما رأينا قبل قليل في قول الله تعالى: {كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً…}.

وإذًا فإنّ اختلاف الناس شعوبًا وقبائل لم يكن ليتقاتلوا ويختلفوا، ولكن ليتعارفوا ويتعاونوا، وقد صرّحت بذلك الآية الكريمة: {يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحُجُرات: 13]، وإنّ هذا التعارف يجعل كلّ فريق ينتفع بخير ما عند الفريق الآخَر، وتكون خيرات الأرض كلّها لابن هذه الأرض وهو: الإنسان. فإذا كانت الأرض مختلفة فيما تنتجه، فالإنتاج كله للإنسانية كلّها، ولا سبيل لذلك إلاّ بالتعاون والتعارف الإنساني. فالتفرقة الإقليمية لِتُستغل الأرضُ في كلّ أجزائها، وكلّها للجميع، وليكمِّل بعضها بعضًا. وسبق أن أشرت إلى أن الله عز وجل خلَق الأرض وبارك فيها، وقدّر فيها أقواتها، وضمن الرزق لكلّ ما ومن عليها. فأيّ تفاوت أو خلل في هذا النظام الكوني الإلهي إنما هو بسبب ظلم الإنسان، وعدم الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

وهذا يكفينا الآن في الرد على ما يقال أحيانًا من ندرة نسبية للموارد، ومن ثَمّ وجود مشكلات اقتصادية في العالَم؛ فهي بيد الإنسان -الأسباب والحلول- ولا يظلم ربك أحدًا.

في سبيل الوحدة الإنسانية الكبرى، وفي سبيل التعارف والتعاون بين بني البشر -كما بيّنا- حثّ القرآن الكريم على السعي والضرب في الأرض طلبًا للرزق، وطلبًا أيضًا لهذا التعارف الإنساني، وليحصل أهل كل إقليم على ما عند الآخَر. وإن النبي صلى الله عليه وسلم حارب التفرقة في المعاملة بسبب الألوان، وصرّح بذلك؛ بل شدّد النكير على من يعمل على هذه التفرقة. وقد نقلنا من قبل بعض النصوص الدالة على ذلك. ونذكر الآن قوله صلى الله عليه وسلم: “الجنة لِمن أطاعني، ولو كان عبدًا حبشيًّا. والنار لمن عصاني، ولو كان شريفًا قرشيًّا”.

فليس في الإسلام بمقتضى المبادئ المقررة الثابتة، اختلاف في المعاملة بسبب اختلاف الألوان. وإنّ التفاوت بين الناس بالعمل لا باللون. وإذا كان بعض الناس جاهلًا والآخَر متحضرًا أو عالِمًا، فعلى العالِم أن يعلِّم الجاهل، وليس له أنه يتحكّم فيه أو يستبدّ به. ولقد قال في ذلك الخليفة الرابع من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا يُسأَلُ الجهلاء لِمَ لَمْ يتعلّموا حتى يُسأل العلماء لِمَ لَمْ يُعلِّموا”. فليس لقبيل أن يتحكّم في الآخَرين لجهْلهم، أو لبداوتهم، أو لغير ذلك… ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سبيل تقرير هذه الحقيقة وتثبيتها في النفوس، يقدِّم المؤمن ذا السبق في الإسلام على غيره، ولو كان هذا غير ملّون. يروى في ذلك: أنه قد استأذن عليه بلال الحبشي وأبو سفيان الزعيم القرشي، فدخل الآذن يقول: بالباب أبو سفيان وبلال. فغضب الفاروق لتقديم اسم أبي سفيان على بلال، وقال لآذنه: قل: بالباب بلال وأبو سفيان. وأذن لبلال ولَمْ يأذن لأبي سفيان. وطأطأ لها القرشي؛ لأنه مبدأ من مبادئ الإيمان، ربما لأسْبقيّة بلال إلى الإسلام، ولأن المفاضلة بين الناس في الإسلام بالتقوى والعمل الصالح لا بالحسب والنسب، يقول تعالى: {إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ} وفي الحديث الصحيح: ((إن الله لا ينظر إلى صُوَركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا فاطمة بنت محمد، اعملي! فإنّي لا أغني عنك من الله شيئًا)). ويقول: ((يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بنسبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم!)). وما في هذا المعنى كثير…

كما أنّ الإسلام حارب فكرة التمييز بالألوان، فقد حارب أيضًا التمييز بالعنصر والجنس؛ فالناس جميعًا لآدم، لا فرْق بين آري وحامي وسامي؛ بل الجميع ينتمون إلى أب واحد وأمّ واحدة، وليس هناك عنصر اختص بصفات لا يختص بها الآخَر. وإذا كان ثمة لغات لبعض هذه العناصر، فذلك بحكم البيئة وما تُوجِّه إليه، وهي في مجموعها لإيجاد التكافل الإنساني في الانتفاع بهذه الأرض التي جعله الله تعالى خليفة فيها بمقتضى التكوين، وبمقتضى ما آتاه الله تعالى من مواهب واستعدادات تجعل الكون كلّه مسخّرًا له.

وإن الذريعة التي يملكها ابن الأرض ليتحكّم في أخيه ويتّخذه وأرضه ويتحكّم فيه وفي مصايره، تتكون من عنصريْن جوهريّيْن:

أحدهما: ما سبق إلى الأوهام من أنّ الناس أجناس، بعضها يعلو على الآخَر بمقتضى فطرته، وتجعل له الكلمة العليا المسيطرة وللآخَر الكلمة السفلى المحكومة: وبهذا كان الظلم وكانت الفتن الإنسانية. وقد ذكرنا أن القرآن الكريم قرر الوحدة الإنسانية في نصوص كثيرة، وكانت الآيات واضحة في تأكيد أنّ الإنسانية كلّها تنتمي إلى نفس واحدة؛ حتى وإن اختلفت الألوان والألسنة، أو اللغات… إلى غير ذلك؛ قال الله تعالى: {كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [البقرة: 213]، أيضًا قاله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّلْعَالَمِينَ} [الروم: 22].

الثاني: العصبية الوطنية أو القومية: إذ إنّ كل إقليم يريد أن يسيطر على غيره، أو أن يكون له الغلبة على الآخَر، وكلّ قوم يفخرون بأن لهم المكانة الأولى وأنهم فوق الجميع؛ وهذا نتيجةٌ للحروب السابقة التي ملأت الأرض بالدماء والخراب، وما كانت هذه الحروب في الماضي إلا ليتغلّب رئيس دولة على أخرى؛ وبذلك تأصلت نيران العداوة ووُجدت العصبيات القومية أو الوطنية.

لقد جاء الإسلام فحارب العصبية القومية والإقليمية ليكون العدلُ هو السائد؛ ولكي تكون المودّة بين الناس وفي كل بقاع المعمورة. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية)). فالنبي صلى الله عليه وسلم بريء من كلّ تعصب إقليمي أو قومي. وليس من الإيمان أن يتعصّب المؤمن لقومه أو وطنه تعصبًا يؤدي إلى الظلم والعدوان.

سؤال: ولكن هل معنى ذلك محْو الوطنية؟ وألا يصلح كلّ قوم حالهم في مواردهم وفي متاجرهم ومصانعهم؟.

الجواب عن ذلك: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينْهَ عن ذلك، والعصبية التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام هي: أن ينصر الرجلُ قومَه وهم ظالمون، أو يتضافر أهل وطن على ظلم الآخَرين والتمكن من حريتهم وتضييقها. ولقد سأل أبيّ بن كعب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أمِن العصبية أن يحبّ الرجل قومه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب: ((ولكن من العصبية أن يَنصر الرجل قومَه على الظلم)).

فالعصبية أو الوطنية الظالمة منهي عنها بحُكم الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم إذ ينهى عن العصبية يمنع الظلم في الدول؛ لتكون العلاقات على أسس من العدالة والمودة. ولقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم مَن ينصر قومه على الظلم بجَمَل يتردّى في ركيّة من النار، فقال: ((مثَل الذي يُعين قومه على الظلم مثل البعير المتردِّي في الركية، فهو ينزع بذَنَبه)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

إنّ ذلك التشبيه صادق كلّ الصدق في زمننا، فإنّ مبالغة القادة والزعماء في نصرة أقوامهم بالباطل، ليلتهموا الأرض ويستغلّوا ما فيها، قد جعل العالَم يتلظّى في أتون من نيران الحروب، حتى إذا أطفأ الله نارًا أجّج ابن الأرض -وهو الإنسان- نارًا أخرى في مكان آخَر، وذلك بسبب النصرة الظالمة للأقوام، والتّعصّب المُردي للأوطان.

الدعامة الثالثة: التعاون الإنساني:

وهذه هي الدعامة الثالثة من دعائم العلاقات الإنسانية -وهي تعني: التعاون في الإسلام- مبدأ عامٌ في كل الجماعات الإنسانية كما قرّره القرآن. فقد ورد الحث على التعاون المطلق على البر، ومنع التعاون على الإثم والعدوان؛ حيث قال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]. وإن التعاون قوام الأسرة وقوام الأمّة. وقد جاءت النصوص الدينية الإسلامية في القرآن والسُّنّة بتعميم التعاون في داخل الإقليم الواحد، وفي نطاق الإنسانية كلها؛ حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل والفعل أو القول إلى التعاون في علاقات الدول بعضها بالبعض. وأذكر أنّني أشرت من قبل إلى النص القرآني الذي يُفيد: أنّ اختلاف القبائل والأجناس للتعارف، ومن لوازم التعارف: التعاون على الخير بينهم.

ولقد نفّذ صلى الله عليه وسلم مبدأ التعاون الدولي عندما جاء إلى المدينة، فعقد مع اليهود حلفًا أساسُه التعاون على البِرّ، وحماية الفضيلة، ومنع الأذى، وأكّد ذلك بالمواثيق؛ ولكن اليهود نقضوا حِلْف التعاون، ودبّروا الأمر مع المشركين ضدّ النبي صلى الله عليه وسلم. وكان أساس هذا التعاون أن يتضافروا على دفع الاعتداء، وإقامة الحق، أو بعبارة عامة ما يُسمّى في هذا العصر بـ”التعايش السلمي”، ولكنهم لمّا نقضوا العهد وتآمروا على قتْل الرسول صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع أعدائه، أجلاهم عن المدينة على مراحل. وما حدث مع بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. ثم كانت الغزوات، وقتال المشركين في بدر. المهمّ أو الشاهد في الأمر: أنه كان صلى الله عليه وسلم يعقد المعاهدات مع القبائل العربية لإيجاد تعاون إنساني لإعلاء المعاني الإنسانية. وكان يحث على كلّ تعاون على الخير ويؤيّده، ويردُّ كل تعاون على الشر ويحاربه. ولقد ذهب إلى مكة حاجًا فعلِم أن قريشًا تريد منْعه، فمدّ يده المسالمة إليهم في صلح الحديبية، وهو يقول: ((لو دعتْني قريش إلى أمْر فيه رفعة البيت الحرام، لأجبْتُهم)). ولعلّكم تعرفون موقف الصحابة أوّل الأمر من شروط صلح الحديبية، وقولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما دمنا على حق وهم على باطل، فلِم نرضى بالدّنية في ديننا؟”، أو كلامًا قريبًا من هذا. فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنِّي رسول الله، ولن يُضيعني”.

ومن جهة أخرى، كان صلى الله عليه وسلم من مبادئه التعاون على نصرة الضعيف، وقد حضر وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره حِلْفًا لبعض أشراف قريش عُقد في دار عبد الله بن جدعان، تعاقدوا فيه لينصرنّ الضعيف على القويّ؛ فسُرّ صلى الله عليه وسلم سرورًا ظهرت آثاره من بَعْد، حتى قال وهو الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم: ((لقد حضرْتُ بدار عبد الله بن جدعان حِلْفًا ما يَسُرّني به حُمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبْت)). وإنّ النبي صلى الله عليه وسلم يعلن أن الله يمدّ بالقوة كلّ مَن يُعاون أخاه الإنسان في أي إقليم، وفي أي موطن، ما دام بحاجة إلى عونه ومساعدته، يقول في ذلك: ((الله في عون العبد ما دام العبد في عوْن أخيه)). ولم يُعيِّن ذلك الأخ؛ بل عمّمه، فيعمّ الأخوّة الإنسانية، ولا يقتصر على الأخوّة النسبية أو الدينية أو الإقليمية؛ وذلك لأنّ الشعور بالأخوّة الإنسانية وما يصاحبها من تعاون، يتلاشى معها أسباب النزاع وتختفي مظاهره.

وذلك لأنه في الوقت الذي يشعر الإنسان فيه بالإخوّة الإنسانية، وأنّ التعاون مطلوب في كلِّ صوَره وأحواله، تختفي روح النزاع، ويختفي ما يذكره بعض العلماء من مبدأ التناحر على البقاء الذي جرّ على العالَم كلِّه الويلات والخراب والدمار، وينمحي ما يحسبه كل قوم خطأً أنّ بقاءهم لا يكون إلاّ في الاعتداء على غيرهم؛ فحيث ساد ذلك الزعم أو هذا الظن الخاطئ والوهم الكاذب، كان قانون الغابة هو الذي يحكم أو يتحكّم, ويسير في كثير من الأحايين على المستوى المحلّي والدولي على حد سواء.

error: النص محمي !!