Top
Image Alt

دعوة لوط عليه السلام

  /  دعوة لوط عليه السلام

دعوة لوط عليه السلام

تقدم أن لوطًا عليه السلام كان قريبًا لنبي الله إبراهيم؛ فهو ابن أخيه نشأ معه في بابل، واستمع له وصدقه، وآمن به، يقول الإمام النووي -رحمه الله- عن وهب بن منبه: “إن لوطًا عليه السلام خرج من أرض بابل في العراق، مع عمه إبراهيم تابعًا له على دينه، مهاجرًا معه إلى الشام، ثم مضوا إلى مصر، ثم عادوا إلى الشام؛ فنزل إبراهيم فلسطين، ونزل لوط الأردن، واستقر لوط عليه السلام بمدينة سَدوم؛ فعاش بين أهلها، وتكلم بلسانهم، واتخذ من بلدهم سكنًا له وموطنًا. عبد قوم لوط عددًا من الآلهة إلا أنهم استغرقوا -والعياذ بالله- في إشباع شهوة محرمة، وملذة اخترعوها في الإشباع الجنسي، لم يعرفها أحد قبلهم.

كان أهل هذه القرية ذوي أخلاق فاسدة، ونوايا سيئة، لا يتعففون عن معصية، ولا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، وكانوا من أفجر الناس وأقبحهم سيرة، وأخبثهم سريرة. ابتدعوا فاحشة لم يسبقوا إلى اجترامها، وتعاطوا محرمًا ما كان يدور بخلد أحد اقترافه، فكانوا يأتون الذكران من العالمين، ويذرون ما خلق الله من النساء؛ فلا يقربونهن، أعطى الله -تعالى- هؤلاء القوم نعمًا وآلاءً كثيرةً؛ فوضعوها في غير موضعها؛ حتى وصفهم الله عز وجل ووصف حال نبيهم؛ فقال: {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الّتِي كَانَت تّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء: 74] أرسل الله عز وجل نبيه لوطًا إلى هؤلاء القوم من بلاد الأردن؛ فبدأ لوط دعوته يستنكر استهتارهم، ويستجيش في قلوبهم وجدان التقوى، يدعوهم إلى التوحيد، والإيمان، والطاعة ويطمئنهم إلى أنه لِمَا يفجعهم في شيء من أموالهم مقابل الهدى.

ثم واجههم بعد ذلك باستنكار شذوذهم، الذي عرفوا به في التاريخ؛ فقال الله -تعالى- على لسانه: {أَتَأْتُونَ الذّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبّكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 165، 166] وفي موضع آخرَ قال لهم: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَإِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 54].

إلا أن هؤلاء القوم لم يؤمنوا بلوط، واستمروا على عِصيانهم وطُغيانهم، وكان للوط ابنتان من زوجته، آمنتا بدعوته، واتبعتاه في الطاعة لله، والانقياد لرب العالمين، أما زوجه فلم تؤمن بدعوته؛ كانت مع قومها تنقل لهم أخباره عليه السلام وتعرفهم بمن ينزل عليه من الضيوف؛ ليتمكنوا منهم ويشبعوا غريزتهم المنحرفة، وشهوتهم المحرمة، ولذا كانت مع الهالكين.

ثم حَكَى القرآن الكريم قصةَ ضيف لوط عليه السلام أراد الله -تعالى- ابتلاء قوم لوط قبل إهلاكهم، فأرسل إلى لوط عليه السلام عددًا من الملائكة في صورة رجال حِسان، أتوه سائرين على أقدامهم، بعد أن مرَّوا على إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبشروه وزوجه سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، لما رأى لوط ضيوفه خاف عليهم، وتألم لعجزه عن صد قومه عنهم، أسرعت زوجته إلى الناس تخبرهم بمجيء ضيوف لوط، تصف لهم محاسنهم وجمالهم؛ فجاءه الرجال مسرعين وعرض عليهم عليه السلام أن يتزوجوا بناته بطريقة شرعية قال تعالى: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَـَؤُلآءِ بَنَاتِي هُنّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رّشِيدٌ} [هود: 78].

ردوا عليه بكل استهتار وتكبر، كما قال الله -تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] عندها قال لوط عليه السلام: {قَالَ لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةً أَوْ آوِيَ إِلَىَ رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] وكان لوط عليه السلام يأوي إلى الله -تبارك وتعالى- يستسلم له، ويعتمد عليه، وعندئذٍ أعلنت الملائكة عن هويتها، وكشف له عن حقيقتها؛ فقالت كما قال ربنا: {قَالُواْ يَلُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُوَاْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ الْلّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاّ امْرَأَتَكَ إِنّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81].

استعجل قوم لوط العذاب، وما علموا أن العذاب صار منهم قريبًا، ولهذا سار لوط عليه السلام ومَن آمَنَ معه في جزء من الليل، وعند الصبح جاء قوم لوط الصيحة، ورفع الله القرية فجعل عاليها سافلها، ورماهم بحجارة من سجيل؛ فأهلكهم جميعًا كما قال تعالى: {فَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مّنْضُودٍ} [هود: 82] أنزل الله حجارة معلمة على كل حجر اسم، هذا الاسم هو اسم من سيقتله ذلك الحجر، وكانت العقوبة مساوية لجرمهم في صيغتها وشدتها، ذلك أنهم غيروا الفطرة، وقلبوا الحقائق، وعبدوا غير الله، وأتوا الذكران، وتجاهروا وتفاخروا بالفسق؛ فكانت العقوبة أن تنقلب القرية عليهم، وأن يهلكوا وهم جلوس بواسطة أحجار صغيرة، تلقى على رءوسهم، وهي السجيل المنضود؛ ليبقوا عبرة لغيرهم. وما تزال قريتهم “سدوم” باقية حيث كانت عند البحر الميت؛ لتكون عبرة وآية، ومعتبر للمعتبرين، قال تعالى: {وَلَقَد تّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيّنَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 35].

من دروس الدعوة في هذه القصة المباركة:

الدرس الأول: أن العَلاقة بين الدعاة يجب أن تكون وثيقة، متينة، فَلُوط عاش في تلك القرى التي كانت شرقي النهر، وإبراهيم عليه السلام نزل في تلك البقعة غربي النهر؛ فكانت المسافة بينهم قريبة؛ حتى إن الملائكة قطعتها مشيًا فلوط وإبراهيم -عليهما السلام- بُعِثَا في وقتٍ واحد، وكان إبراهيم يتتبع أخبار لوط، ويتمنى له النجاح والنصر، ولذا حين جاءته الملائكة؛ لتخبره بإهلاك قوم لوط، خاف على لوط فنبه الملائكة إلى وجود لوط في القرية فطمأنوه، وقالوا له ما حكاه ربنا في قوله: {قَالَ إِنّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنّهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 23]. هذا يعطينا ما يجب أن يكون عليه الدعاة من تواصل، وتناصر، وموالاة بحيث يستفيد كل داعية بما عند أخيه من تجربة وعلم وخبره، ولا يصح بحالٍ أن يكون التنافس سببًا للتعارض أو التضارب، أو التهارج بين جميع الدعاة.

الدرس الثاني: منطق أعداء الحق: إن منطق أعداء الحق في كل زمان، ومكان منطق منكوس معكوس منطق لا يقوم ولا يستند إلى حجة ولا إلى برهان، يأتيهم لوط متطهرًا يأمرهم بالتطهر والطهارة، فما يكون من جوابهم إلى أن قالوا: {أَخْرِجُوهُمْ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهّرُونَ} [الأعراف: 82] أعداء الدعوة يتهمون لوطًا بأنه ملازم للطهر والعفة، وأنه يدعو إلى التمسك بهما، وتلك جريمة منكرة، دعوة لوط إلى التوحيد، وعبادة الله يعدونها دعوة إلى الفساد والفرقة.

اتصال لوط بالناس، وتحريضه إياهم على نبذ الأصنام، وترك المنكرات يعد إساءة للنظام، هذا منطق أعداء الدعوة في كل زمان ومكان؛ يلبسون الباطل ثوب الحق، ويعتمدون على السلطان والقوة والبطش، هذا يُعلم الدعاة أن يتمسكوا بقضيتهم، وأن يدعو إليها، وأن يثبتوا على أمرها، وأن يواجهوا كل سفاهة بصبر وعزيمة، وألا تتضعضع لهم قناة، ولا تلين لهم قناة في الحق الذي جاءوا به؛ ليؤدوه إلى الناس.

ومن الركائز المهمة في قصة لوط: أن الداعية إلى الله عز وجل عليه أن يركز على أصول الأمراض الموجودة في مجتمعه، وأن يعنى بعلاجها، وبيان كيفية السبيل الصحيح للتخلص منها، ونحن نرى أن هنا ارتباطًا وثيقًا بين الشذوذ الخلقي، وبين الانحراف الديني؛ فحيث وجد الشذوذ، وجد الانحراف الديني، والعكس بالعكس تمامًا في كل زمان ومكان، ولا بد من التنبه إلى خطورة تلك الفاحشة التي ابتلي بها هؤلاء القوم.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعَن الله من عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوط، لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط)). ومع خطورة جريمة الزنا إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع ثلاث لعنات على فاعله ومرتكبه إلا نظرًا لفساد هذه الجريمة الشنيعة جريمة اللواط.ومن الركائز أيضًا: ضرورة استعلاء المؤمن بما هداه الله إليه، مع التيقن بأن الحق كله معه، يستمسك به؛ ليدوم مع الصواب والخير، قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنّ اللّهَ لَهَادِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [الحج: 54] إن إبراز الأخطار، والأمراض الاجتماعية وإظهار ذلك أمام الناس؛ ليبتعدوا عنها مسلك من مسالك أنبياء الله عز وجل فإن قوم لوط لم يتمكنوا من جريمتهم، إلا بعد أن زينها الشيطان لهم، ولذلك ورّثوها لأبنائهم، وكانوا يتسابقون إليها؛ حبًّا واعتزازًا، وكذا حين ترتكس الفطرة وتنتكس، ترى الحق باطلًا والمعروفَ منكرًا.

error: النص محمي !!