Top
Image Alt

دلالة الخلق على الخالق، ووجوب عبادته وحدَه دون سواه

  /  دلالة الخلق على الخالق، ووجوب عبادته وحدَه دون سواه

دلالة الخلق على الخالق، ووجوب عبادته وحدَه دون سواه

أود أن أبيِّن أن الله -تبارك وتعالى- هو الخالق الرازق، وهو أيضًا المدبِّر، وهو مالك الملك، وهو المتصرف سبحانه وتعالى في أمور جميع خلقه، وأود أن أنتقل من خلال ذلك إلى وجوب عبادته وحده دون سواه؛ لأن هذا هو المقصود من إثباتنا لوجود الله عز وجل، ومن إثباتنا لربوبيته على جميع خلقه أن يُعبَد وحده دون سواه.

أ. الخلق عَلَم على ربوبية الله تبارك وتعالى، إن خلق الله سبحانه لهذه العوالم يدل دلالة قاطعة على أنه سبحانه وتعالى ربهم؛ لأن الخلق أمارة على ذلك، ومن أسماء الله -تبارك وتعالى- الحسنى الخالق، وهو سبحانه يتصف بالخالق، والخالق هو المبدع للشيء على غير مثال سابق، وبخلق الله للكائنات كان الله سبحانه وتعالى رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه، وبه استحق من الخلق أن يسبحوا بحمده سبحانه، ومن العالمين أن يعبدوه وحده دون سواه، وألا يشركوا بعبادته أحدًا، بل إنه سبحانه وتعالى ما خلق الثقلين إلا لعبادته، وهذا صريح في كتاب الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56] فخليق بمن خُلِق إذًا للعبادة ألا يضيع هذه الكرامة التي أكرمه بها ربه ومولاه، وخالقه ومليكه.

وللقرآن الكريم منطق رائع، واستدلال عجيب في إثبات وجوب عبادة رب العالمين سبحانه وتعالى؛ لأنه هو الخالق وحده جل في علاه، تأمل قول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:21- 22].

في هذه الآيات يرشد الرب الكريم سبحانه إلى أنه وحده هو المستحق للعبادة، وسبب ذلك أنه هو الخالق الذي أفاض على الناس نعمة الوجود والحياة، بعد أن أتى عليهم حين من الدهر لم يكونوا شيئًا مذكورًا، والآية الأولى بيَّنت أن الرب الكريم سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وخلق مَن قبلنا من آبائنا وأجدادنا؛ ولذلك وجب على الجميع أن يعبدوه وحده، وألا يشركوا به شيئًا، ولو أشرك أحد من الآباء، أو من السابقين في عبوديته لغير رب العالمين سبحانه، وجب على الجميع أن ينكر ذلك؛ لأن الله عز وجل أمرنا بعبادته وحده مبينًا أنه هو الخالق جل في علاه، وهو خالق الكون، وخالقنا وخالق مَن تقدَّمنا، وخالق سبحانه وتعالى جميع ما في هذه الكائنات التي نراها، وما لا نراه من الكائنات أيضًا؛ ولذلك برهن الله عز وجل في الآية التالية، أو ذكر العلة التي تدفع العباد إلى أن يعبدوه، فذكر من ذلك أنه هو {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22].

وبعد أن ذكر هذه الآيات، والدلائل البينات التي بها صار وكان رب كل شيء، وخالقه ومليكه سبحانه وتعالى جل في علاه، أمر الناس جميعًا الذين ناداهم في النداء الأول أن يعبدوه وحده دون سواه، ثم نهاهم بعد ذلك أن يشركوا معه أحدًا، فقال: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: 22] وقال سبحانه وتعالى أيضًا مؤكدًا هذه الحقيقة في أول سورة “النساء”: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] بيَّن الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أن الناس جديرون أن يتقوا ربهم؛ لأنه هو الذي خلقهم، والخالق سبحانه جدير بأن يُتقى، ثم بيَّن سبحانه وتعالى في هذه الآية سرًّا من أسرار الخلق؛ ليقف الناس على ناحية من نواحي قدرته وعلمه وحكمته، فكشف لهم أنه خلق أول الأمر نفسًا واحدة، ومن هذه النفس خلق زوجها بطريقة لا نفقه كنهها، ولا ندري حقيقتها، ولكننا نؤمن بما أخبر الله به، وهو أنه سبحانه خلق حواء من آدم، ومن هذين الزوجين خلق بعد ذلك الناس بطريق التوالد رجالًا كثيرًا ونساءً.

وهذا يدل على أنه وحده هو الرب، وعلى أنه وحده هو الذي يُعبد دون سواه؛ ولذلك نجد في آيات كثيرة في القرآن الكريم أن الله عز وجل يخاطب عباده في كتابه، ويبين لهم أنه ربهم، ثم ينتقل من إثبات هذه الحقيقة التي يسلم بها معظم البشر، يسلم الناس جميعًا إلا ما نذر، وما نذر أيضًا إن لم يسلم بخلق الله لهذه العوامل، فهو يتظاهر بالإنكار فحسب من باب الكبر والغرور، أما ففي الحقيقة كل إنسان في قرارة نفسه يميل ويعرف أن ربه هو الذي خلقه، وهو الذي سوَّاه، وهو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود.

الشاهد من ذلك: أن القرآن الكريم يذكر الله عز وجل فيه خلقه لعباده ثم يعقب على ذلك مباشرة بالأمر بعبادته وحده دون سواه، يقول سبحانه: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102] هكذا بعد أن أخبر أنه خالق كل شيء أمر بالعبادة، فقال: {فَاعْبُدُوهُ} وهو على كل شيء وكيل، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون} [فاطر: 3]، وقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون} [غافر: 62] فكل هذه الآيات تثبت خلق الله عز وجل لهذه العوامل، وتعدِّد نعم الله -تبارك وتعالى- على عباده.

وبالتالي بيَّنت هذه الآيات أن هذا الخلق أمارة ودلالة على أن رب العالمين سبحانه، هو الرب الخالق القادر، وقد بيَّن سبحانه وتعالى مادة الخلق في آيات كثيرة من القرآن الكريم؛ ليكشف للناس سرًّا من أسرار قدرته وعلمه؛ ليزدادوا به إيمانًا وله تسليمًا، ويعتقدوا تمامًا أنه ربهم ولا رب لهم سواه، ومن ذلك مثلًا أن الله -تبارك وتعالى- بيَّن لنا مادة خلقه للناس، فقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُون} [الأنعام: 2] فبيَّن سبحانه وتعالى بهذه الآية أن المادة التي خُلق منها الإنسان هي الطين، وكلنا يعلم أن الطين هو أَديم الأرض، أفليس الإنسان المخلوق من أديم الأرض خليقًا بأن يعرف نعمة الله عليه؛ إذْ جعله بشرًا سويًّا، ومنحه من المواهب والمدارك، والملكات والحواس، والمشاعر والذكاء ما استطاع به أن يسخر العناصر، ويذلل قوى الماء والهواء، ويكشف عن سر الكهرباء.

الله عز وجل هو الذي خلق هذا الإنسان من الطين، وهو الذي زوده بوسائل المعرفة والإدراك؛ كل ذلك؛ ليعرف العبد وليقف على شيء من نعمة ربه سبحانه وتعالى عليه، فيثبت ربوبيته له، ثم ينتقل بعد ذلك إلى عبوديته وحده دون سواه، كما قال الله -تبارك وتعالى- أيضًا في بيان هذه الحقيقة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُون} [الحجر: 26] والصلصال هو الطين الحر، الذي خلق من الرمل أو الطين ما لم يُجعل خزفًا، أما الحمأ فهو الطين الأسود، والله عز وجل بيَّن أنه خلق عباده من الأرض، وأنه سيعيدهم بعد وفاتهم فيدفنون فيها، ثم إنه سبحانه بقدرته سيخرجهم من هذه الأرض عندما يشاء سبحانه وتعالى بعثهم، وحشرهم، ووقوفهم بين يديه، يقول سبحانه: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55].

وقد بيَّن الله عز وجل بيانًا تفصيليًّا أكثر في كتابه، وذكر أطوار خلق الإنسان، أو المراحل التي يمر بها كل إنسان إلى أن يخرج من بطن أمه، فيقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج} [الحج: 5]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين} [المؤمنون: 12- 14].

ولو تأمل المسلم هذه الآيات البينات، وتدبرها ظهر له شيء من أنوار المعرفة يكشف له جانبًا من أسرار الخليقة؛ لأن الله -تبارك وتعالى- في هذه الآية بيَّن كيف تدرج في الخلق بعلمه وحكمته وقدرته، فكان أصل الخلق من الطين، ثم لمَّا أوجد الإنسان الأول خلق منه زوجًا له، ومن هذين الزوجين جعل الخلق يتخذ سبلًا أخرى؛ إذ جعله من ماء دافق يخرج من أصلاب ذُكران هذا الجنس، ويستقر في أرحام إناثه، فيلقح مبيضاتها فتحيا، ثم تتطور فتصير علقة، ثم تنتقل من العلقة إلى المضغة، بعد ذلك تصير هذه المضغة عظامًا، ثم تكسى العظام لحمًا، ثم تصير خلقًا آخر، وما كان ذاك إلا بقدرة رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه؛ ولذلك أثنى الله -تبارك وتعالى- على نفسه، فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين} [المؤمنون: 14].

ورب العالمين سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11] فقد ذكر أصل الخلق في هذه الآية مبينًا أنه هو التراب، ولا تنافي بين هذا وبين ما تقدَّم من أن الإنسان خُلق من صلصال من حمأ مسنون، أو أنه خلق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، إلى غير ذلك؛ لأن التراب هو أحد عنصرَيِ الطّين، فما الطين إلا تراب بلله الماء، الطين ما هو إلا تراب وقع أو جاء عليه شيء من الماء، فإذا قال الله عز وجل بأنه خلق الإنسان من الطين، فهو كلام صحيح، وإن قال خلقه من تراب فهو كلام صحيح؛ لأن التراب آلَ إلى طين بعد أن وقع أو أضيف إليه ماء، وإذا ذكر رب العالمين سبحانه أنه خلق الإنسان من نطفة، ثم تدرج بعد ذلك إلى علقة ومضغة، فهذا لا يتنافى أيضًا مع أصل الخلقة، وما ذاك إلا لأن الله عز وجل خلق الخلق الأول -أعني به آدم عليه السلام- من تراب، ثم خلق منه زوجه، كما ذكرت آنفًا، ثم شاءت قدرة رب العالمين أن يتناسل الخلق بالطريقة المعهودة.

وقد بيَّن لنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أنواعَ خلقه؛ لنعرف فضله ونعمته على عباده، ثم نزداد إقبالًا عليه، وننصرف عن غيره، ونعلم أن الله -تبارك وتعالى- هو الإله الحق المبين، فلا نعبد سواه ولا ندعو غيره، وأكد الله عز وجل هذه الحقيقة مرارًا في كتابه فقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [البقرة: 29]، وقال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُون} [الأنعام: 1] يعني: أن هؤلاء الكافرين يعدلون بالخالق المخلوق، ويعبدون المخلوق من دون رب العالمين، ويتوجهون إليه بالدعاء ألا ساء ما يحكمون.

وقد بيَّن سبحانه وتعالى لهؤلاء الذين غلبت عليهم الجهالة، وغلب عليهم الحرص على محاكاة الآباء والأجداد دون أن يستجيبوا لداعي الحق، ويستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل ساروا وسلكوا طرقًا جائرة، بيَّن الله لهم أن ربهم الحق هو الجدير بالعبادة وحده دون سواه، وما ذاك لأنه هو الذي خلق الأزواح كلها، وأوجد كل موجود في الأرض والسماء، قال تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [الأعراف: 54].

وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [الأعراف: 185]، وقال سبحانه: {إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُون} [يونس: 6]، وقال سبحانه: {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار} [إبراهيم: 32- 34].

ب. الاستدلال بالخلق على نفي الربوبية عن غير الخالق:

قلت قبل قليل: إن الخالق هو الذي يستحق أن يُعبد وحده دون سواه، ولكن القرآن الكريم مع كل ذلك، ومع هذا البيان الواضح بيَّن لنا أيضًا في كتابه أن الذي خلق هو الرب، وأن هذا الرب هو الذي يستحق وحده العبادة، وأن غيره لا يمكن أن يكون له حظ أو نصيب من العبادة بحال من الأحوال، والله تبارك وتعالى عندما أقام الأدلة الكثيرة الواضحة على أنه وحده رب العالمين، وأن ما سواه ليسوا أربابًا لأنهم لا يخلِقون، ونحن إذا نظرنا في القرآن الكريم سنجد آيات بينات بسطت هذا المعنى في وضوح وجلاء، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون} [يونس: 34]، وقال تبارك وتعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [الرعد: 16]، وقال سبحانه: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون} [النحل: 17].

يعني: كيف يسوي الإنسان بين من خلق، وبين ما لا يملك من الأمر شيئًا، بل لا يستطيع أن يخلق أحقر مخلوق على وجه الأرض، والدليل على ذلك ما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز} [الحج: 73- 74].

وهذه الآيات البينات التي ذكرتها آنفًا، وهي تسمع الصم، وتهدي العمي، وترد الناس إلى الحق، إن تأملوا، وتذكروا، وتفقهوا، ومن كان في ضلال مبين لو نظر إليها وأصغى إليها لعرف ذلك غاية المعرفة، ووصل إلى الحق، وانطلق من الهوى الذي سيطر على المشركين وغيرهم ممن عبدوا غير رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه، والآيات مرة أخرى تبين أن من يتصف بصفات الخلق والإيجاد، والعطاء، والذي يأتي بالليل والنهار، والذي يخرج للعباد سبحانه وتعالى ما يحتاجون إليه، هل يمكن أن يسوي الناس بينه وبين من لم يملك من الأمر شيء؟!!!

ولذلك، إنني دائمًا أحب أن أردد قول الحق تبارك وتعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] وجاءت هذه الآية بعد أن ساق رب العالمين سبحانه وتعالى في أوائل سورة “النحل” كثيرًا من البراهين والآيات الدالة على قدرته سبحانه، وعلى عظمته جل في علاه.

وبناء على هذا أقول: بأن الذي خلق وأوجب هذه الكائنات، هو الذي يجب أن يُعبد وحده دون سواه؛ لأنه هو الرب، وإذا انطلق الإنسان من تفكير صحيح سليم حتى ولو لم يصل إليه شرع أو دين، وفكر في نعم الله -تبارك وتعالى- عليه، وخاصة نعمة الوجود؛ لأيقن بربوبية ربه عليه وانصرف إلى ربه وحده دون سواه.

وأود أن أذكر هنا في نقطة أخرى شأن بعض الناس الذين وصلوا إلى درجات علمية عالية في الحياة الدنيا، وهم على الكفر والعياذ بالله -تبارك وتعالى، أود أن أشير وأنا أتحدث عن ربوبية الله على خلقه، وعلى أنه يستحق العبادة بناء على ذلك إلى رجل عالم أيقن هذه الحقيقة وأذهلته وتبين له أن هذا الدين الذي بُعث به النبي الأمين صلى الله عليه وسلم هو الحق، وذلك في هذه النقطة التالية، وهي بعنوان: “عالم فلكي تذهله حقائق الكون”.

عالم له اتصال بالعلوم الدنيوية البحتة، وبما خلق الله وأوجد في هذا الكون، من عوالِمَ مختلفة، وكان له اتصال قوي بالعلوم المعاصرة، ووصل فيها إلى درجة عالية، وقد ذكر لنا العلامة الباكستاني وحيد الدين خان -رحمه الله تبارك وتعالى- هذه القصة في كتابه عندما ذكر أن العلامة الكبير عناية الله المشرقي، هذا الرجل الْتَقَى في يوم من الأيام عالم الفلك المشهور وهو السير جيمس جنز، وكان في ذلك الوقت -أعني هذا الرجل- السير جيمس أستاذًا في جامعة كمبردج، رآه عناية الله المشرقي، وهو منطلق إلى الكنيسة والإنجيل والشمسية تحت إبطه، فاستوقف عناية الله ذلك العالم الفلكي وحياه بالتحية التي حياه بها فلم يرد عليه، ثم حياه مرة أخرى فوقف وقال له: ماذا تريد؟ فقال له: أمران، الأمر الأول هو أن شمسيتك تحت إبطك على الرغم من شدة المطر، فابتسم السير جيمس لذلك وفتح شمسيته على الفور، وقد حدد بعد هذا الشيخ عناية الله المشرقي هذا العالم -رحمه الله تبارك وتعالى- السؤال الثاني بقوله: ما الذي يدفع رجلًا ذائع الصيت في العالم مثلك بأن يتوجه إلى الكنيسة؟ وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة ثم دعاه إلى أن يتناول الشاي معه في المساء في منزله، وفي الوقت المحدد وصل عناية الله إلى منزل هذا العالِم الفلكي، ودار بينهما حديث، وكان على رأس الحديث محاولة السير جيمس أن يجيب عن السؤال الذي سأله عنه عناية الله، ولكن السير جيمس بدأ ينطلق في كلامه أولًا من خلال العلوم والمعارف الكونية التي عرفها وحصَّلها، فتحدث عن تكوين الأجرام السماوية، ونظامها المدهش، وأبعادها وفواصلها اللامتناهية، وطرقها ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان ألوانها المذهلة.

فقال عناية الله عندئذٍ وهو يسمع منه: لقد شعرت أن قلبي يهتز هيبة لله وإجلالًا له، ثم نظرت إلى السير جيمس فوجدت كأن شعر رأسه قائم، والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خوف الله، ثم توقف فجأة ووجّه كلامه إليَّ قائلًا: يا عناية الله، عندما تلقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي، وعندما أركع أمام الله، وأقول له: إنك لعظيم، أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة؛ أفهمتَ يا عناية الله لماذا أذهب إلى الكنيسة؟

فقد أدرك هذا العالم أن لهذا الكون خالقًا، ولكنه لم يجد سبيلًا إلى عبادته والتوجه إليه إلا بالدين النصراني المحرَّف المغيَّر في عقائده وتشريعاته؛ ولذلك ذكر له الشيخ العلامة عناية الله المشرقي -رحمه الله تبارك وتعالى- آية من كتاب الله عز وجل لعلها تدفعه إلى أن يقف على حقائق هذا الكون المذكورة في كتاب رب العالمين، فقرأ عليه قول الله -تبارك وتعالى-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور} [فاطر: 27- 28].

وما قرأه عليه هو في الحقيقة دعوة للنظر إلى الماء النازل من السماء، وآثار هذه الرحمة التي أنزلها الله -تبارك وتعالى- على عباده، حيث يُخرج الحق سبحانه بتلك الرحمة ثمرات مختلفًا ألوانها، وألوان الثمار معرض بديع للألوان، يعجز عن إبداع جانبٍ منه جميع الرسّامين في جميع الأجيال، فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر، بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد، وفي الحقيقة عند التدقيق سنجد أي ثمرتين أختين قد يبدو بينهما لون من الغرابة أو الاختلاف.

ثم يُلفت القرآن الكريم أنظار العباد إلى ألوان الجبال، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحيانًا ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك، والجُدد: هي الطرائق والشعاب، وهذه الطرائق والشعاب منها البيض ومنها الحُمر، والبيض مختلف ألوانها فيما بينها، والجُدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها، مختلف في درجة اللون والتظليل، والألوان الأخرى متداخلة، وهناك جدد غرابيب سود حالكة شديدة السواد.

ثم يُلفت القرآن الكريم أنظار العباد إلى ألوان الناس، وهي لا تقف عند هذه الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر، فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه، بل متميز من توأمه الذي يشاركه حملًا واحدًا في بطن واحدة.

ويوجه القرآن الكريم أنظارنا إلى ألوان الدواب والأنعام أيضًا، ونجد أن ألوانها مختلفة كذلك، ثم يربط الله عز وجل بين الذين ينظرون ويتأملون في هذا الخلق، ويعتبرون وهم الذين يخشونه سبحانه، فيقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] العلماء الذين يعلمون أن هذا الصنع الغريب العجيب، هو صنع إله حكيم، فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالخلق على الخالق، وبما يجدونه في الصنعة والصنع على الحكمة والعلم والقدرة، فعند ذلك تُلقى المهابة في قلوبهم، ويعظم قدر الله في نفوسهم، فيتوجهون إليه وحده راغبين راهبين، ولكن الذين يحققون هذا على الوجه الصحيح إنما هم العلماء الموحدون المؤمنون بالله.

قرأ عناية الله هذه الآية وترجمها باللغة الإنجليزية موضحًا معانيها للسير جيمس، فصرخ عندئذ قائلًا: ماذا قلت؟ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] مدهش غريب عجيب جدًّا!!! مَن الذي أخبر محمدًا بالأمر الذي لم يُكشَف عنه إلا بعد دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة، لو كان الأمر كذلك فأكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحًى به من عند الله -تبارك وتعالى، لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أميًّا ولا يمكنه أن يكشف هذا السر بنفسه، ولكن الله هو الذي أخبره بهذا السر، مدهش غريب عجيب جدًّا!.

كانت هذه هي نهاية هذا اللقاء، وكانت هذه هي كلمات هذا الرجل الذي يدين بالنصرانية، ولكنه شهد لله -تبارك بالحق، وبأن القرآن كتاب رب العالمين، وها نحن قد ذكرنا بعض هذه الآيات التي استدل بها على ربوبية الله عز وجل على خلقه، وعلى أن هذا الرب وهذا الخالق هو الذي يستحق أن يُعبد وحده دون سواه.

error: النص محمي !!