Top
Image Alt

دلالة الرزق على الرازق ووجوب عبادته وحدَه

  /  دلالة الرزق على الرازق ووجوب عبادته وحدَه

دلالة الرزق على الرازق ووجوب عبادته وحدَه

أ. الرزق أبرز سمات الربوبية، لا شك أننا نعيش في هذه الحياة الدنيا، ونوقن أن الأرزاق تأتي لجميع المخلوقات من قِبَل رب العباد سبحانه وتعالى جل وعلا، والله عز وجل قد تعهَّد بالرزق لكل كائن حي، قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6].

والله -تبارك وتعالى- قد بيَّن في كتابه أن الرزق بعد الخلق من أبرز سمات الربوبية، يعني من الأدلة البليغة الواضحة البينة القاطعة بأن رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه- هو رب كل شيء ومليكه، ومن أجل ذلك نجد القرآن الكريم حافلًا بالآيات التي تنادي بأن الله تعالى هو منزّل الأرزاق، وميسِّر أسبابها سبحانه وتعالى جل في علاه؛ وذلك ليخصه الناس بالعبادة ويفردوه بالدعاء -كما سأبيِّن ذلك في النقطة التالية- إذْ لا يسوغ عقلًا أن يعبد الناسُ إلا مَن يملك رزقهم، ومن هنا قال رب العالمين سبحانه: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: 22].

ولا جرم أن إنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات من الأرض رزقًا للعباد لا يقدر على ذلك إلا الله -تبارك وتعالى- وبمقتضى ذلك يوجب العقل ألا يُعبَد إلا رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه، ولا يظن ظان أنه إذا زرع الأرض أنه هو الذي ينبت هذا الزرع، فالذي يحرث الأرض ويضع البذرة فيها، ويجري الماء عليها، لا يملك بعد ذلك إنبات هذا الحب الذي ألقاه في هذا الأرض، بل إنه سبب فقط يقوم به ويجب عليه أن يفعله، ثم بعد ذلك يرجع إلى بيته ليستريح ولينام، ثم بعد أيام إذا عاد وجد هذا البذر الذي وضعه في الأرض قد شقها، وأصبح لونه أخضر، نباتًا ينمو ويتكاثر ويكبر شيئًا فشيئًا، ثم يحمل بعد ذلك من خيرات الله ما يحمل، وهي الأرزاق المذكورة في الآية السابقة، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67]، وقال سبحانه: {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [العنكبوت: 60].

وقد دل سبحانه بذلك على أنه مسخّر الأرزاق لجميع الأحياء، وعلى أن الأحياء لو تُركت لنفسها ولم تشملها عناية الله بتسخير رزقها لهلكت جوعًا وظمأ، ولكن الرزاق سبحانه يسر لها أرزاقها وهداها سبلها سبحانه وتعالى جل في علاه، فأي دابة تدب على هذه الأرض وهي لا تملك أن تقوم برزق نفسها أو أن تُوصل شيئًا إلى جوفها يتولى رب العالمين سبحانه وتعالى لها بذلك، فانظر مثلًا كيف أرسل سبحانه وتعالى الأرزاق إلى الأجنة، وهي في ظلمات الأرحام، وذلك بما أجراه من شرايين يمشي فيها الدم من خلال الأمهات التي حملت الأبناء في بطونها، ثم بعد ذلك يتغذى الطفل الجنين بذلك، وهو في بطن أمه، فمن الذي ساق ذلك إليه؟ ومن الذي قوَّى أمه على ذلك؟ وانظر أيضًا كيف جعل الله عز وجل رزق الطفل الوليد من ثدي أمه، وهداه إلى أن يلتقم هذا الثدي، وأنزل له فيه لبنًا خالصًا سائغًا فيه غذاؤه وبه حياته ونماؤه، فإذا كبر وأصبح مستطيعًا على أن يأكل وأن يطعم خلق الله عز وجل له الأسنان، وهذه أمور بعد ذلك معروفة لجميع بني الإنسان.

والله عز وجل أيضًا يركز ويؤكد على هذه الحقيقة مبينًا أن الرزق علامة وأمارة على ربوبية رب العالمين على خلقه، فيقول: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [الروم: 40] وجه الله -تبارك وتعالى- المكلفين في هذه الآية إلى أن يستخدموا عقولهم؛ ليصِلوا إلى أنه لا خالق ولا رازق، ولا محيي، ولا مميت إلا رب العالمين سبحانه، وإذا ثبت لديهم ذلك بالدليل العقلي ودليل المشاهدة الحسي القطعي خصوه سبحانه وتعالى بالعبادة؛ لأنه لا يوجد مخلوق بحال من الأحوال يملك أن يخلق أو أن يرزق، والله عز وجل في ذلك يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون} [فاطر: 3].

فهو هنا سبحانه وتعالى يخاطب الجنس البشري كله، ويأمره أن يذكر نعمة الله عليه في خلقه ورزقه، ويدعوه إلى أن يفكر وينظر ويتساءل: هل في الوجود خالق غير الله يسر له رزقه من السماء، وذلك بإنزال الغيث، ومن الأرض بإخراج النبات؟ فإذا نظر نظرًا صحيحًا، وفكر تفكيرًا سليمًا فلا جرم أن نظره وتفكيره سيدفعانه إلى أن يقر بهذه الحقيقة الأزلية الأبدية، وهي أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يوجد أحد يملك للإنسان أو لغيره شيئًا من الخلق أو الإيجاد أو الرزق أو غير ذلك، والله عز وجل يخاطب خلقه بذلك صراحة في كتابه، فيقول سبحانه مبينًا ذلك ودافعًا العبد إلى أن يتأمل، وإلى أن ينظر لعله يصل إلى هذه الحقيقة المهمة: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُور} [الملك: 21].

فلو أمسك الله -تبارك وتعالى- رزقه الواصل إلى عباده هل يمكن لأحد أن يرزقهم من السماء أو من الأرض؟ لا يمكن بحال من الأحوال؛ ولذلك وجب على العباد جميعًا أن يقروا بأن الله هو الذي يرزقهم، وهو الذي يدبر أمرهم ويتولى شئونهم، وأن ينتقلوا من هذه النقطة إلى نقطة أخرى الرزاق هو الذي يستحق العبادة وحده دون سواه:

ج. وجوب عبادته وحدَه:

لا يستحق العبادة إلا من يملك الرزق خلقًا، وإيجادًا، وتقديرًا وتيسيرًا، وعبادة غير الله إذًا، عبادة غير الرزاق من السفه والضلال، الإنسان لا يقبل أن يخدم رجلًا مثله يعطيه ما يعطيه، ثم بعد ذلك يخدم غيره، فلو أن مثلًا عبدًا يباع ويشترى عمل عند إنسان ما، وهذا الإنسان يعطيه المال ويطعمه، ويسَّر الله عز وجل أسباب الرزق على يد هذا الإنسان، هل هذا الإنسان المالك لهذا العبد يرضى أن يأكل عبده منه، وأن يطعم من ماله، وأن ينام في بيته، ثم بعد ذلك يذهب ليخدم غيره ويشكر سواه؟ هذا لا يمكن أن يكون، فلماذا يفعل الإنسان العاقل ذلك؟ والعرب في الجاهلية كانوا يعتقدون أن رب العالمين سبحانه وتعالى هو الذي يرزقهم من السماء والأرض، ولكن سفاهة السفهاء وجهل الجاهلين كانا يطوعان لهم أن يوجهوا ألوانًا من العبادة إلى أسماء سموها هم وآباؤهم ما نزّل الله -تبارك وتعالى- بها من سلطان.

وقد أرشد الله -تبارك وتعالى- رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في هداية هؤلاء الكافرين، أن يسلك معهم طريق الإقناع بالدليل العقلي والبرهان الحسي، وكانت الآيات تتنزل أيضًا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصوغ من الأدلة التي تنزل عليه براهين حسية عقلية واقعية، تدفع من يسمعها أو يتأملها، وينظر فيها إلى أن يعبد الله وحده دون سواه، فالنبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه إليه كان يتوجه إلى هؤلاء المشركين سائلًا لهم عمن يرزقهم من السموات والأرض، والله عز وجل أخبره أنهم سيقرون بأن الذي يملك الرزق هو الله -تبارك وتعالى- ثم رتب الله عز وجل على هذا الإقرار هذه النتيجة المقنعة لأولي الأبصار، وهي أنهم ما داموا يعتقدون أن الرزاق هو رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه- فلماذا ينصرفون إلى غيره، بل إن هذا الإقرار منهم وهذا الاعتراف يوجب عليهم عقلًا أن يعبدوا الله -تبارك وتعالى- وحده دون سواه، والله عز وجل ساق في كتابه كثيرًا من الآيات التي تؤكد هذا المعنى وتدل عليه، وتدعو الداعين الذين يُرزَقون من قِبَل رب العالمين بأن يعبدوه وحده دون سواه؛ لأن الذي يرزق هو الذي يجب أن يُعبد.

تأمل معي هذه الآيات والبراهين الساطعة من كتاب ربك الكريم، ويكفي أن أتلوها عليك فحسب لتعرف من خلالها كيف أقام الله عز وجل البراهين والأدلة العقلية والحسية على وجوب عبادته وحده دون سواه؛ لأنه هو الذي أوصل الرزق إلى هؤلاء المخلوقين، قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ} [يونس: 31] هذا هو جواب المشركين على ذلك، هم أقروا بأن الله هو الذي رزقهم، ومن هنا ألزمهم القرآن بأن يتقوا ربهم، ومن تقواه أن يُعبد وحده دون سواه، فقال: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُون} [يونس: 31- 32]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُون} [النحل: 73].

وهنا ينعي ربنا سبحانه على هؤلاء المشركين، ويذم رب العالمين سبحانه هؤلاء المجرمين؛ لأنهم عبدوا رجلًا أو شخصًا أو مَلَكًا أو غير ذلك من الآلهة المزعومة، عبدوا من لا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا، ولا يمكن له ولا يستطيع أن يملك لهم شيئًا من الرزق، وهذا سفه وضلال، ويؤكد القرآن الكريم أيضًا هذه الحقيقة، فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون} [العنكبوت: 17].

وصفوة القول: أن عبادة غير الرزاق سفه وحمق، وضلال، بل كفر وشرك برب العالمين، وإذا كانت سائر المخلوقات لا تملك لنفسها شيئًا، ولم تخلق في هذا الوجود شيئًا، ولم ترزق أحدًا من المخلوقين، فكيف يسوغ في عقل عاقل أن يتوجه إلى واحد من هؤلاء بدعاء أو نداء؟!

وختامًا أقول: إن الخلق والرزق وسائر شئون الربوبية، كل ذلك يدل، ويُوجب عبادة رب العالمين سبحانه وتعالى وحده دون سواه.

error: النص محمي !!