Top
Image Alt

دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم

  /  دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم

دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم

أولًا: دلالة المقاصد الأصلية على التبعية: نظر ابن تيمية – رحمه الله- إلى المقاصد الأصلية المرادة من خطاب الشارع، كما نظر إلى المقاصد التابعة الفرعية لهذه الأصلية، والمعروف أن المقاصد التابعة الفرعية لا تناقض الأصلية، بل ترسخها وتثبتها، وإلا بطلت التابعة وحرمت، وأصبحت غير مقصودة للشارع، فالمقاصد الأصلية تمد المقاصد التابعة الفرعية وتثبتها، والمقاصد التابعة الفرعية تكمل الأصلية وتحفظها، ومثال ذلك: النكاح فإنه مشروع للتناسل، على القصد الأول، ويليه الطلب للسكن، والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بالمرأة، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج، ونظر العين، والازدياد من الشكر لمزيد من النعم من الله على عبده، وما أشبه ذلك، وذلك أن ما نصَّ عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد الأصلي ومقوٍّ لحكمته، ومستدعٍ لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم التواصل والتعاطف التي يحصل بها قصد الشارع الأصلي من التناسل، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما من شأنه ذلك مقصود للشارع أيضًا. وقد ركز ابن تيمية -رحمه الله- فقال: النظر إلى المقاصد الأصلية والتبعية، وأن المقاصد التبعية مرادة ومقصودة للشارع إذا كانت مؤكدة ومثبتة للأصلية، وأن التبعية غير مقصودة للشارع إذا قصد بها إبطال المقاصد الأصلية، ومن هنا أبطل ابن تيمية -رحمه الله- الحيل، وحرَّم نكاحَ المتعة والتحليل، وذكر من أقسام الحيل أن يقصد حل ما حرَّم الشارعُ، وقد حرمه من وجهين: الوجه الأول: أنه ناقض الشارع. الوجه الثاني: أنه قصد به مقصودًا ينافي حقيقته، ومقصوده الأصلي، كنكاح المحلل، فمن قال بجوازه على اعتبار أن الرجل إذا قصد التحليل لم يقصد محرمًا، فإن عود المرأة إلى زوجها بعد زواج حلال، والنكاح الذي يتوصل به إلى ذلك حلال، والحقيقة: أن عود المرأة إلى زوجها، إنما هو حلال إذا قصد به ما يقصد بالنكاح، وليس المقصود بالنكاح في الشرع الطلاق. ثانيًا: سكوت الشارع عن الحكم: يعتبر هذا أيضًا طريقًا من طرق إثبات المقاصد الشرعية، وسكوت الشارع عن الحكم على ضربين: الضرب الأول: أن يسكت عن الحكم؛ لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقدر لأجله: كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لم تكن موجودة، وإنما حدثت بعد ذلك؛ فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها، وإجرائها على ما تقرر في كلياتها، كجمع المصحف وتدوين العلم. الضرب الثاني: أن يسكت عنه، وموجبه المقتضي له قائم: فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب المسكوت فيه، كالنصِّ على أن قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هناك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع؛ إذ فهم من قصده الوقوف عند حد لا الزيادة عليه ولا النقصان منه، كما أن الإمام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: الترك الراتب سُنَّة، كما أن الفعل الراتب سُنَّة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعضه من المقتضيات والشروط، وجواز المانع ما دلت عليه الشريعة حينئذٍ، كجمع القرآن في مصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرط أو لوجود مانع، فأما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله، أو أذن فيه، ولو فعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع القياس في مثله. مما تقدم نفهم أن هذا المسلك -من مسالك إثبات مقاصد الشريعة- والذي يتعلق بالعبادات، وفي مسألة الابتداع في الدين، والتلاعب بالعبادات، وقد قصد بذلك ضرب البدع، وإغلاق الباب أمام المبتدعين، والالتزام بالعبادات، فروضها، وواجباتها، وسننها، ومستحباتها، دون أي زيادة وابتداع.

error: النص محمي !!