Top
Image Alt

دور الحضارة العربية في مسار الحضارة الإنسانية

  /  دور الحضارة العربية في مسار الحضارة الإنسانية

دور الحضارة العربية في مسار الحضارة الإنسانية

أمّا دعواهم بأن: الحضارة الإسلامية لم تقدِّم جديدًا إلى الحضارة الإنسانية بصفة عامة، فينبغي أن يكون ردّنا على هذه الدعوى بذكْر مآثر الحضارة والعلوم الإسلامية على الحضارة الأوربية بصفة خاصة. وسوف أورد هنا نماذج معيّنة من العلوم التجريبية بالذات التي هي بحق مقياسُ النهضة الأوربية المعاصرة. ولنأخذ نموذجًا من العلوم الرياضية.

إن تاريخ العلوم الرياضية المعاصرة يدين بالفضل إلى حدّ كبير لتراث العرب، وما خلّفوه من مؤلّفات في هذا العلْم، ظلّت هذه المؤلفات حبيسة المكتبات والمتاحف وفي بطون المخطوطات إلى وقت قريب جدًّا. وللأسف الشديد، فقد اهتمّ بها المستشرقون، ووقفوا على ما فيها، واهتموا بهذا اللون من التراث، ونفضوا عنه غبار الزمن، وفتحوا له صدورهم وعقولهم، وأنشئوا لإحيائه المؤسسات والمراكز البحثية، ورصدوا لطباعته ونشره ميزانيات ضخمة. بل إن العرب والمسلمين -وهذه حقيقة- لم يعرفوا قيمة هذا التراث إلا بعد أن وقف الغرب على نشره وتحقيقه، وبذل فيه جهودًا كبيرة.

ولعل من أكبر المهتمّين بإبراز دور العرب في النهضة العلمية في أوربا، العالم الكبير “جورج سارتن” في كتابه: (تاريخ العلم)، والمفكِّر الكبير “ديورانت” في كتابه: (قصة الحضارة). كما أفرد العالم الإيطالي “أولدميلي” المعروف مجلّدًا خاصًّا لبيان فضل العرب في الرياضيات. وكذلك ينبغي ألا ننكر فضل “يوسكوفيتش” في كتابه: (تاريخ الرياضيات)؛ حيث عقد فصلًا خاصًّا لأسماء الرياضيات العربية.

ومن المعلوم تاريخيًّا: أن العرب قد اطّلعوا على علوم الأمم الأخرى؛ حيث امتزجت الحضارة الإسلامية بالحضارات المجاورة، كحضارة الهند، وحضارة الفرس. وصارت بغداد -حفظها الله- بوتقة انصهرت فيها هذه الحضارات كلها، خاصة في مدرستي الكوفة والبصرة، وفي بغداد العاصمة؛ حيث تأسست فيها مدرسة رياضية كبيرة تمّت فيها ترجمة رياضيات “أرشميدس” و”بطليموس”، وانتقلت إليها نظريات “فيثاغورث” في الهندسة وفي علوم الرياضة. ولم يقف جهد العقل العربي في الرياضيات على مجرد الاختراع فقط، بل تعدّى ذلك إلى توظيف ما اخترعوه أحسن توظيف وأحسن أداء.

وممّا يبرهن على دور العرب في العلوم الرياضية موقفهم من الأعداد: لقد وقف العرب على نظام الأعداد والترقيم الذي نعرفه الآن، وعرفوا كيف تتعامل به الأمم المجاورة، واستحسنوا الأرقام الهندية بالذات، وأخذوا بها في معاملاتهم، وطوّروها، ونظّموا أشكالها حيث لم تكن موحّدة بالشكل الذي نعرفه الآن. فوحّدها العرب، وهذّبوها، والتي هي: “1، 2، 3، 4 … إلى آخره”. وتفرّع عنها نوعان من الأرقام، عرفت إحداهما بـ “الأرقام الهندية” وهي التي يستعملها أكثر شعوب العالم العربي الآن، كما عرفت الثانية بـ “الأرقام الغبارية” أو “الأرقام الفاسية” نسبة إلى مدينة فاس بالمغرب. واشتهرت هذه الأرقام الأخيرة ببلاد المغرب وبالأندلس، ولا زالت تستعمل بها حتى الآن، التي هي الأرقام “1- 2- 3- 4 …” وهي التي تعرف في أوربا بـ “الأرقام العربية”. وكان أهم ما في هذه الأرقام رقم “الصفر” الذي ساعد على وضع الأرقام في سلسلة مضاعفات العشرة والمائة والألْف. ومن الجدير بالذكْر: أن كلمة أو لفظ “صفر” كلمة عربية، وهي ترجمة للكلمة السنسكريتية “سومجا” وتعني: الفراغ. وأوّل من مثّل “الصفر” على شكل نقطة ظهر على قرطاس مكتوب يرجع تاريخه إلى عام 873م هم العرب. ولم يُكتشف الصفر في الهند إلا في القرن الثامن الميلادي. وبدأ العرب يتعاملون به قبل أن يتقدم الهنود في استعماله.

ومن العجيب حقًّا: أنّ أوّل كتاب أُلِّف بالعربية وظهر فيه “الصفر” مرسومًا على شكل نقطة كما نرسمه نحن اليوم ظهر سنة 274هـ، الموافق سنة 874م،

هذه بعض نماذج ممّا أضافه العرب إلى علم الرياضيات، وكان من أهمّها -كما أشرنا إلى ذلك- رقم “الصفر”.

بينما وجدْنا أنّ أوّل نقش هندي ظهر فيه “الصفر” يرجع إلى ما بعد ذلك بعامين أو أكثر. ومن المعلوم تاريخيًّا: أن العالَم كلّه قد عرف الأرقام العددية ومنها “الصفر” عن طريق العرب، وليس عن طريق الهنود، ولا تزال -إلى هذه اللحظة- هذه الأرقام يحمل بعضها اسمها العربي إلى اليوم في أوربا؛ فإن “الصفر” في الإنجليزية “صيفر”، وفي الألمانية “تزيفر”، وفي الفرنسية “شيفرا” وفي الإيطالية “شيفرا”.

وبواسطة “الصفر” هذا أمكن تحديد مراتب الأعداد وقيمتها حسب موضع “الصفر” منها يمينًا أو يسارًا. فإذا كان الرقم واحدًا وعلى يساره “صفر”، يُنطق: واحدًا. إذا كان الرقم على يمينه “صفر” يُنطق: عشرة، “صفران” يُنطق: مائة، ثلاثة “أصفار” يُنطق: ألْفًا، وهكذا … فالعرب لم يفهموا “الصفر” على أنه عدم كما يَفهم الناس ذلك قطعًا، وليس كما فهِمه الأوربيّون أوّل أمْرهم حين أسموه بـ”نول” – -nullبمعنى: العدم؛ بل إنّ العرب فهموا “الصفر” على أنه قيمة عددية يطرأ بسببها تبدّل أساسي على الأعداد المأخوذة معه حسب موضعه فيها يمينًا أو يسارًا. ولعل أقرب مثال على ذلك هو: وضع “الصفر” يمين رقم واحد أو يسار رقم واحد؛ هذا أمر له جانب كبير من الأهمية في تقدّم علم الرياضيات، خاصة إذا علِموا أنّ “الصفر” لا يعني العدم، وإنما هو قيمة عددية.

من الأمور التي ينبغي أن نشير إليها هنا -هذا كلام أيها الإخوة أنا أوجز فيه أشدّ الإيجاز؛ لأن كلّ قضية أعرض لها الآن، التفصيل فيها يحتاج إلى مجلدات: استطاع غياث الدين الكاشي في أوّل القرن التاسع الهجري: أن يستخرج نسبة محيط الدائرة إلى قُطرها بصورة أدقّ ممّا نعرفه نحن اليوم. من المعروف أن محيط الدائرة له علاقة بقطر الدائرة، ونسبة القطر إلى المحيط -يمكن هذا يُدرّس لطلاب الثانوي الآن أو الإعدادي. غياث الدين الكاشي هذا اكتشف علاقة القطر بالمحيط، ونسبة أحدهما إلى الآخَر بصورة أدقّ ممّا نعرفه نحن اليوم. ومن المعلوم تاريخيًّا: أنّ أوّل من ألّف في الجبر على وجْه العموم هو المفكِّر العربي: الخوارزمي، صاحب كتاب: (الجبر والمقابلة). واستطاع هذا الرجل أن يصِل إلى حلِّ معادلات من الدرجة الأولى والثانية والثالثة. كما استطاع عمر الخيام المتوفى سنة 517 هـ أن يَحُلّ معادلات في علم الجبر من الدرجة الرابعة؛ وهذا أرقى ما وصل إليه علماء الرياضيات في عصرنا الحاضر. فهل بعد هذا يقال: إن العرب ليس لهم في تاريخ الحضارة الإنسانية شيء يُذكر؟!

أمر آخَر: لقد سبق العرب إلى اكتشاف النظرية القائلة: بأن مجموع عدديْن مكعّبيْن لا يكون عددًا مكعّبًا؛ وهذا هو أساس النظرية التي اشتهر بها الرياضي الفرنسي (بيير) المتوفى سنة 1665م.

كما أنّ فضل العرب على علْم التفاضل والتكامل لا يُنكره أحد.

هذه شذرات مما أضافه العرب إلى علوم الرياضيات.

أمّا في العلوم الطبيعية، فينبغي أيضًا أن نُبيِّن فضل العرب فيها؛ لأنَّهم يدّعون كذبًا وبهتانًا: أنّ العرب لم يضيفوا شيئًا إلى العلوم الطبيعية. من المعروف تاريخيًّا: أن العرب قد اهتمّوا بهذه العلوم في فترة مبكّرة من التاريخ؛ فلقد اشتغل خالد بن يزيد الملقّب بـحكيم آل مروان؛ اشتغل هذا الرجل بعلم الكيمياء -في القرن الأول الهجري- وترجم مؤلّفات في علم الكيمياء من اللغة اليونانية، وانتدب لذلك جماعة من علماء مدرسة الإسكندرية بمصر، وبالتحديد في سنة 683م، وأمر أحد هؤلاء العلماء -وهو العالم المعروف بـ(أسطفن الإسكندري)- أمره بنقل كلّ كتب الكيمياء التي تحت يده إلى اللغة العربية حتى يقف العرب على حقيقتها ويتعاملوا بها.

ولعلّ هذه أوّل ترجمة حدثت في تاريخ الفكر الإسلامي: ترجمة خالد بن يزيد لبعض رسائل الكيمياء في القرن السابع الميلادي. ثم جاء جابر بن حيّان فبلغ في ذلك شأنًا عظيمًا. وهذا يُدرّس لأبنائنا في المدارس والمؤسسات التربوية: نظريات جابر بن حيان، ومنهجه في العلوم الطبيعية. ثم جاء من بعده الإمام البيروني وابن الهيثم والكنديُّ، وفضل هؤلاء في هذه العلوم الطبيعية لا يجهله أحد، خاصة -وهذه قضية على جانب من الأهمية- أنّ ابن الهيثم قد أشار في كتابه: (البصريات) أو (المناظر في البصريات) إلى مجموعة من قواعد علم المناهج لا نظير لها في أيِّ مؤلَّف في عصره. قواعد المنهج العلمي الذي نَدرسه ونُدرِّسه لأبنائنا الآن، وخطوات هذا المنهج، تكلّم عنها بإفاضة لا نظير لها. ويكفي أنّ هذا الكتاب -وهو كتاب: (المناظر في البصريات) لابن الهيثم في قوانين الضوء- يُعدّ جزءًا من العلم الحديث إلى هذه الساعة. وإذا علمْنا أنّ هذا الكتاب قد تُرجم إلى اللاتينية في زمن متقدّم جدًّا على النهضة الحديثة، يمكن أن نقف على فضل هذا الكتاب على علْم المناظر وعلم البصريات في أوربا. ولقد أفاد “روجر بيكون” من هذا الكتاب، وصرّح بذلك. وأفاد منه أيضًا “جون بيكام” 1291م، وصرّح بذلك. ولكن ممّا يدعو إلى الدهشة حقًّا: أن عالِمًا متقدمًا كـابن الهيثم قد راودته فكرة بناء السد العالي في مصر للانتفاع بماء النيل قبل تنفيذ هذه الفكرة في وقتنا الحاضر. هذه أمور ينبغي أن يعلمها الشباب، لنُعرِّف غيرنا بفضلنا في العصور التي كانوا يعيشون فيها في ظلمة وفي جهالة وفي شبكة من الخرافات العقلية.

من الذي يستطيع أن يُنكر فضل العرب في الطب، بعد أن ذاعت شهرة الأطباء العرب في أوربا كلها عبر العصور الوسطى؟ لقد عرف العرب الطبّ والتشريح، وعلوم الصيدلة وعلوم البيطرة، في وقت مبكّر من التاريخ، ابتداء من الكندي والرازي وعليِّ بن العباس، كما ظهرت هذه المؤلّفات الطبية في الفكر العربي. ولعل كتاب (القانون) لابن سينا أشهر من أن يشار إليه؛ فلقد اعتبرتْه الجامعات الأوربية أهمّ مرجع في الطب في العصور الوسطى. فكان يدرّس في مدارسها وفي جامعاتها على حدّ سواء. ولا تعجبْ إذا عرفتَ أن شخصية ابن سينا نُصبت له التماثيل في مداخل الجامعات الأوربية، وما زال موجودًا إلى هذه اللحظة. ولقد ترجمت إلى اللاتينية كثيرٌ من هذه الكتب، ولم تكد تظهر طبعة كتاب (القانون) لابن سينا حتى لقِي الكتاب شهرة كبيرة، فنُقل إلى جميع اللهجات المحلية في أوربا، واعترفوا به كمرجع أساسي في الطب في جامعة (بولونيا) في القرن الثالث عشر؛ حيث إنشئت كلية العلوم في تلك الجامعة. ومنذ ذلك التاريخ بدأ “قانون” ابن سينا يغزو جامعات أوربا، وإنجلترا، واسكتلندا على وجه الخصوص. وأصبح هذا الكتاب يمثّل تقريبًا -كما صرح بذلك علماء الحضارة- نصف المقرّرات الطبية حتى أواخر القرن الخامس عشر.

ومن المعروف فضل ابن النّفيس، وفضل علي بن ربن الطبري، وفضل ابن رضوان في مصر. كل هؤلاء وأولئك كانوا أطباء، وعلماء تشريح، وعلماء صيدلة وبيطرة، ونُقلت نظرياتهم وآراؤهم إلى أوربا. ولا تعجب إذا كان ملوك أوربا يستدعون الأطباء العرب -خاصة أمثال: ابن رشد، والرازي، وابن سينا- لعلاجهم في بيوتهم في أوربا. هل بعد هذا يقال: إن العرب ليس لهم فضل في تاريخ الحضارة الإنسانية؟!

وكما أسهم العرب في العلوم الطبيعية وفي نهضتها في أوربا، أسهموا كذلك في فرع مهمّ جدًّا في تاريخ العلم، وهو ما يُسمَّى بـ”علم المناهج” أو “مناهج البحث في العلوم”، وهذا الفرع من أحدث الدراسات المعاصرة والحديثة. ومن المعلوم أن مناهج البحث من العلوم التي ربما تختلف وجهات النظر حولها، ويختلف هذا العلم نفسه من مجال البحث في العلوم الطبيعية إلى مجال البحث في العلوم الإنسانية؛ حيث تختلف قواعد المنهج هنا عنه هناك، وإن كان بعض المفكرين يريد أن يطبِّق قواعد المنهج العلمي في العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية، وإن كان ذلك فيه شيء من الصعوبة كما يرى ذلك كثير من المفكِّرين.

error: النص محمي !!