Top
Image Alt

دور الدولة الإسلامية، أو وظائفها المالية

  /  دور الدولة الإسلامية، أو وظائفها المالية

دور الدولة الإسلامية، أو وظائفها المالية

نعني بذلك: بيان حاجة الدولة الإسلامية إلى موارد مالية، لأداء دورها السياسي والاجتماعي وغير ذلك… ففي ضوء المذهب الاقتصادي الإسلامي المتقدّم، نجد أنّ دور الدولة الإسلامية يتميّز بالاتّساع والشمول؛ فتتعدّد وظائفها فتغطي الكثير من جوانب النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وأنّ أهدافها ووظائفها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنشاطها المالي لإشباع الحاجات العامة، وذلك رهن بدورها في الحياة الاقتصادية، ومدى تدخّلها في الحياة الاقتصادية وغيرها، ومراعاتها للظروف المتجدِّدة في المجتمع الإسلامي، وخدمة المصالح الحقيقية فيه لضمان التكامل أو التكافل الاجتماعي والتقدم والرفاهية، ولتحقيق أكبر إشباع ممكن للأفراد في ظل قِيَم هذا المجتمع المسلم.

فوظائف الدولة في الإسلام ليست واجبات سياسية فقط، أو لحماية الأمن، ولكنها واجبات اجتماعية واقتصادية وثقافية، فضلًا عمّا هناك من واجبات دينية روحية.

ومن الطبيعي أن يتطلّب قيام الدولة بدورها وإشباع هذه الحاجات حصول الدولة على جزء من الموارد المختلفة في المجتمع، يمكِّنها من القيام بدورها؛ ولذا فإنّ جوهر النشاط المالي في الدولة هو: الحصول على الموارد، وإنفاقها لإشباع الحاجات العامة، وتحقيق أهداف المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولمّا كان هدف الدولة الإسلامية ليس فقط حماية الأفراد وملكيّتهم، والقيام بالخدمات الأساسية اللازمة لازدهار اقتصادها كالأمن الداخلي، والدفاع الخارجي.

وتزويد الاقتصاد القومي بالخدمات الأساسية، كإنشاء الطُّرق، وحفر الترع، وشقّ القنوات وصيانتها، وتقف على هامش الاقتصاد القومي -أي: على الحياد-؛ بل كان هدفها: إقامة مجتمع مستقرّ متكامل، يرسم التشريع الإسلامي إطارَه العام، والدولة تعمل في حدود هذا الإطار، ويعني مفهوم المالية العامة فيه: توزيع الأعباء للقيام بالإنفاق على الخدمات.

وقد ساهم تطور الأحداث واتّساع الدولة الإسلامية في زيادة الإنفاق العام، وضرورة حصول الدولة على الإيرادات اللازمة لتمويل هذا الإنفاق، لتحقِّق الدولة أهدافها وتقوم بوظائفها.

وظائف الدولة الإسلامية:

ويمكن إجمال وظائف الدولة الإسلامية في النقاط التالية:

  1. حماية الإسلام في عقائده وأخلاقه، وتنفيذه في تشريعه وأحكامه.
  2. تأمين الأمن الداخلي، والدفاع الخارجي، والجهاد لإزالة الظلم والاستعباد بين البشر، ونشر الإسلام والدعوة إليه.
  3. إقامة العدل، ومنْع الاعتداء والظلم، ومعاقبة الجناة.
  4. تحصيل الإيرادات العامة والقيام بالإنفاق العام.
  5. التدخل في الشئون الاقتصادية لتحقيق العدل والكفاية للفرد والمجتمع في مجال الحياة الاقتصادية؛ كتحديد الأسعار والأجور؛ حيث يجب تحديد ومنع الاحتكار والاستغلال، والإجبار على البيع والتأجير والعمل حيث يكون ذلك ضروريًا.
  6. تولية من يقومون بوظائف الدولة وشئونها، من القادرين على القيام بها؛ فالدولة في الإسلام تقوم بكل عمل يؤدِّي إلى جلب المصالح ورفع المضارّ.
  7. إقامة القسط في حقوق الله وحقوق العباد، ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كلّه لله. وفي ذلك يقول ابن تيمية: “فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخَلْق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمْر دنياهم؛ وهو نوعان: قَسم المال بيْن مستحِقِّيه، وعقوبات المعتدين”.

وبعد هذا يربط الفقيه الإسلامي الكبير ابن تيمية بين قيام الدولة الإسلامية -أي: قيام الدِّين- وبين قسمة المال -أي: إنفاق العام وعدالة توزيع الأعباء المالية- فيوجب على وليّ الأمر أن يأخذ المال من حِلِّه ويضعه في حقِّه، ولا يمنعه من مستحقيه.

ويروي في ذلك قولَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إذ بلغه أنّ بعض نوابه ظَلم فيقول: “اللهم إنِّي لم آمُرْه أن يظلم خلْقك أو يترك حقّك”.

هكذا، لكي تقوم الدولة بدورها، وتحقّق أهدافها، وإشباع الحاجات العامة؛ لا بد لها من الحصول على الإيرادات اللازمة لتمويل هذه الخدمات.

والدولة الإسلامية -كما أشرنا بإيجاز من قبل- تموّل نفقاتها من مصادر متعدّدة، طبقًا لقواعد عادلة أوجبَت على وليّ الأمر أن يأخذ المال من حِلِّه، ويضعه في حقه، ولا يمنعه من مستحقه.

والباحث في مالية الدولة الإسلامية، يجد أنّ إيراداتها تحصل طبقًا لنظام فريد في قواعده العادلة، ويتّصف بالمرونة الكافية بحيث يفي بمتطلبات الدولة من أموال لتمويل الإنفاق العام.

موارد الدولة الإسلامية: دورية، وغير دورية:

ويمكن تقسيم من حيث الدورية -أي: السنوية- إلى: موارد دورية تحصل كلّ عام، وأخرى غير دورية.

فالموارد الدورية: هي دعامة النظام المالي، أو هي المورد الرئيسي لبيت مال المسلمين. وتتكوّن من الزكاة، والخَراج، والجزية، والعشور.

أمّا الموارد غير الدورية -وهي ليست سنوية-: فمن أهمّها: خُمس الغنائم، والفيء، والتركة التي لا وارث لها، وكل مال لم يُعرف له مستحِق، وما قد يحصل عليه بيت المال من قروض حسنة، أو من ضرائب تُفرض من قبل ولي الأمر أو الدولة في ظروف معيّنة. المهمّ أنها ليست دورية، أو ليست ثابتة.

ويمكن من جهة أخرى أن نقسّم النفقات العامة في الدولة الإسلامية إلى عدة تقسيمات:

1. نفقات لها موارد خاصة: ومثالها: إنفاق أموال الزكاة المفروضة في مصارفها الثمانية التي نصّت عليها الآية الكريمة في سورة “التوبة”: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]، وإنفاق الخُمس -أي: خُمس الغنائم إن وجدت-. ويلحق به بعض الفقهاء: خُمس الفيء كما ورد في كتاب الله عز وجل: {وَاعْلَمُوَا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مّن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ} [الأنفال: 41]، وقال عز وجل: {مّآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىَ فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ} [الحشر: 7].

2. نفقات ليس لها موارد مخصّصة: ومثلها: الإنفاق في المصالح العامة للمسلمين: كرواتب الخليفة أو وليّ الأمر، والقضاة، والحكّام، والقيام بالمشروعات. ولوليّ الأمر أن ينفق طبقًا لهذا التشريع. وفي ذلك ينفق على المصالح العامة التي أمر الله بها. ولا يجب عليه أن يحيد عن ذلك؛ فلا ينفق حسب هواه كما يتصرف المالك في ماله الخاص. وهناك انفصال تام بين مالية الحاكم ومالية الدولة. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في ذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم، أضع حيث أُمِرْت))، وفي رواية أخرى: ((وإنّما أنا قاسم، والله عز وجل مُعطٍ)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ويعتمد النظام المالي الإسلامي في تمويل الإنفاق العام على مصادر عديدة، تستمد من كافة أوجه النشاط الاقتصادي في المجتمع؛ فكل الأنشطة الاقتصادية التي يُقرّها التشريع المالي الإسلامي، من زراعة وخدمات وصناعة، وعاء لالتزامات مالية باعتبارها نشاطًا منتجًا ومالًا ناميًا.

وبذلك يكون الإسلام قد أرسى مفهوم إنتاجية الأنشطة الاقتصادية المتعدّدة، ممّا يحقق مرونة الحصيلة النهاية وغزارتها بسبب تنوّعها أو تعدّدها، فضلًا عن التكليفات الشرعية الواردة على الملكية الخاصة والعامة على حدّ سواء، إذا كانت من مصادر الإنتاج حتى لا يحصر الناس بعد ذلك المشكلة الاقتصادية في النّدرة النسبية للموارد والطاقات المتاحة.

وإنما تكمن المشكلة في الواقع في عدم الاستخدام الأمثل لها، أيضًا في عدم التوزيع العادل لمخرجاتها أو لمنتجاتها.

وقد كانت هناك تنظيمات مالية رائدة في الدولة الإسلامية، ساعدت على تحقيق الهدف من الإيرادات والنفقات، ووضعت القواعد التي تكفل حسن إدارة أموال المسلمين في جبايتها وتحصيلها وفي جانب إنفاقها.

من جانب آخَر، فقد وضعت الدواوين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لضبط أموال الدولة الإسلامية. وقد ظهرت أول ميزانية في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرضت الزكاة وحُدِّدت مصارفها.

وقد بيّن لنا التاريخ الإسلامي العديد من الميزانيات، وقوائم الخراج، والإيرادات المختلفة، والنفقات وتقسيماتها، في عهود متعدِّدة. وسنعرض لذلك -إن شاء الله.

تقسيمات أخرى للموارد المالية:

وعلى حين قسم الفقهاء الموارد المالية باعتبار انتظام جبايتها وعدم انتظامها إلى: دورية، وغير دورية؛ فإنهم قسّموها أيضًا باعتبار صرفها وتوزيعها إلى: زكاة وما يلحق بها، وغنائم، وفيء وما يلحق به؛ كالجزية والخراج، ومال اللقطة، وتركة من لا وارث له.

ثم قسموها باعتبار وجوبها وعدم وجوبها إلى: واجبة أو إلزامية؛ كالزكاة والخراج والجزية والعشور، وتطوّعيّة أو اختيارية؛ كالوقف والصدقات والنذور والوصايا.

كما أنهم قسموا المال باعتبارات مختلفة؛ فحيث تكون له قيمة مشروعية واحترام، فهو مال متقوَّم وإلا فهو غير متقوَّم. وباعتبار ثبوته وحركته: عقار، ومنقول. وباعتبار تماثل آحاده ووجود نظائر أو لا إلى: مثليّ، وقيميّ. وإن كان يقبل الاستثمار أو النماء فهو النامي، وإلا كان غير نامٍٍ. ثم هو إمّا: ظاهر أو خفي أو باطن، وإمّا: قابل للاستهلاك مرة واحدة أو لا، وإما يثبت في الذمة أو لا، إلى: عيْن ودَيْن.

وهكذا، نكون قد انتهينا من دور الدولة في مجال النظام المالي الإسلامي، وحاجتها إلى موارد للقيام بهذه الوظيفة، وتحقيق الهدف على أكمل ما يكون، باعتبارها مسئولة عن رعيّتها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!