Top
Image Alt

دور الشيخ حسين المرصفي في هذه الفترة

  /  دور الشيخ حسين المرصفي في هذه الفترة

دور الشيخ حسين المرصفي في هذه الفترة

مميزات الشيخ حسين المرصفي في كتابه (الوسيلة الأدبية):

تحدثنا عن كتاب (الوسيلة الأدبية) للشيخ حسين المرصفي، وفي (الوسيلة الأدبية) تعرض الشيخ حسين المرصفي للباقلاني في نقده لمعلقة امرئ القيس، وعرفنا في الدرس الماضي كيف عالج الشيخ حسين المرصفي شرح معلقة امرئ القيس، وكيف رد على كثير من المآخذ التي أخذها الباقلاني على هذه القصيدة، وكان الشيخ المرصفي يتوخى في ذلك العدل والإنصاف، وكما نبه لا بد للناقد من أن يكون موضوعيًّا، وأن يكون منصفًا، وأن يوفي كل كلام حقه، ولا يبخسه شيئًا من هذا الحق، ولم يكن الشيخ حسين المرصفي موافقًا على المبدأ الذي ألجأ الباقلاني إلى نقد امرئ القيس، وهو موازنة القرآن الكريم بكلام البشر توصلًا إلى القول بإعجازه، ولم يكن هذا كل ما ورد في (الوسيلة الأدبية)، وليس هذا الموقف من المرصفي هو كل ما جعله يستحق هذه المنزلة في النقد الأدبي أو تاريخ النقد الأدبي في العصر الحديث؛ فقد تضمن كتاب (الوسيلة الأدبية) الكثير من الآراء المهمة والمميزات التي رفضها مؤرخو الأدب في العصر الحديث ومؤرخو النقد أيضًا؛ فمن الآراء المهمة التي ذكرها الشيخ حسين المرصفي في كتابه: رأيه في “الوحدة العضوية” للقصيدة ورأيه في “تناسب الألفاظ للمعاني”؛ إذ يقول: “جَوْدَةُ الكلام تعتمد صحة المعنى وشرفه، وتخير الألفاظ في أنفسها، ومن جهة تجاورها وموافقتها للمقام، وإجادة التركيب على ما شُرح في علم المعاني وغيره، بحيث تكون الألفاظ سلسلة في المنطق خالية من التنافر وشدة الغرابة، يألف بعضها بعضًا حتى تكون الكلمات المتوالية بمنزلة كلمة واحدة، وتكون الألفاظ التي نوردها في مقام الحماسة ليست كالألفاظ التي نوردها في مقام الغزل والتشبيب، فلكل فن من تلك الفنون ألفاظ توافقه من جهة شدتها ولينها، ولذلك تسمعهم يقولون: الجزل، والرقيق، وإجادة التركيب بسلامته مما يبعد فهمه المعنى منه”.

هذا يُعد إرشادًا للشعراء والكتاب إذا أرادوا أن يكون أدبهم جيدًا تتوافر فيه ما يُسمى بالوحدة الفنية. الشيخ حسين المرصفي يدل على الطريقة التي تحقق ذلك، ولم يكن الشيخ حسين المرصفي مُجَرّد ناقل للمقاييس الأدبية والنقدية، التي وردت في كتب القدماء مع أن الرجل كان يحترم القدماء جدًّا، وقد رأينا كيف أثنى على الباقلاني قبل أن يختلف معه.

فقد كان من مميزات الشيخ حسين المرصفي أنّه يُضِيفُ إلى ما قاله القُدماء، مثال ذلك مثلًا أنه استعرض رأي ابن خلدون في تفسير الذوق، وقال معقبًا عليه: “وأما قوله في تفسير الذوق، فأبين منه ما سألقيه عليك، وذلك أن بين الأشياء تناسبًا؛ بحيثُ مَتى استوفت عند اجتماعها حظّها منه، قامتْ مِنها صورة يتفاوت الناس في إدراك حسنها طبعًا وتعلمًا، فمنهم من لا يُدرك ذلك ولا يلتفت إليه، وليس مدركوه سواءً فيه، فمنهم من يقنع بإدراك ظواهر الأشياء، ومنهم من ينتهي إدراكه إلى اعتبار دقائقها وخوافيها.

وتعتبر ذلك بما تشاهده من شدة سرور بعض الناس عند رؤيتهم للأشياء المناسبة، التي يلائم بعضها بعضًا، وشدة نفرته وانقباضه عند رؤية خلافها، لا يختص ذلك بشيء دون شيء، فتراه يتأمل الأبنية وأوضاعها، وما اشتملت عليه من مكملات للانتفاع بها، فإذا أدرك فيها التناسب اللائق بها، رأيته قد انشرح صدره، وتجدد سروره، وأخذ في نعتها والثناء على صناعها، وذلك مثل تعتبر به غيره، وتتأمل تفاوت الناس في ذلك الإدراك.

فالإدراك الذي يتعلق بتناسب الأشياء ويوجب الاستحسان والاستقباح هو المُسمى بالذوق، وهو طبيعي ينمو ويتربى بالنظر في الأشياء والأعمال من جهة موافقتها للغاية المقصودة منها”.

وفي هذا الكلام يشرح الشيخ المرصفي معنى الذوق، ويُشير إلى أسرار الجمال المتمثلة في التناسب بين الأشياء، وأنّ هذه الأسرار تستهوي أولئك الموهوبين لهذه الحاسة، أو لهذه النعمة -نعمة الذوق- وأشار إلى أن هذا الذوق يتربى -أي: ينمو ويتدرب- بالنظر في الأشياء والأعمال، من جهة موافقتها للغاية المقصودة منها.

فالتناسب والتلاؤم الذي بين الأشياء هو علة الجمال، وإدراك ذلك هو الذوق وليس غريبًا أن يكون الشيخ المرصفي وهو بهذه المقدرة على فهم الجمال وفهم الذوق ليس غريبًا عليه أن يذهب إلى أن المُعول عليه في مسائل الأدب ليس مجرد الإحاطة بقوانين الأدب ومعرفة العلوم، وإنما المعول عليه هو تعريض صفحة النفس للأعمال الفنية، وتذوقها وفهمها، وإدراك أسرار الجمال فيها.

فهو يُقَرّر أنّه لا طَريق لتعلم صناعة الإنشاء: إلّا حِفْظُ كَلام الغير، وفهمه وتمييز مقاصده، ولذلك أورد في كتابه (الوسيلة الأدبية) الكثير من النصوص النثرية والشعرية ووازن بين شعراء العرب القدماء والشعراء المحدثين، واهتم اهتمامًا خاصًّا بشعر البارودي في هذه الموازنات، وهو يَهدفُ من خلال ذلك كله إلى إرشاد الذوق الأدبي، وتربيته وتنميته عند من يطلع على كتابه.

وهو في هذا السياق يذهبُ إلى أنّ المَوهبة الأدبية الكبيرة والأصيلة، يمكن أن تغني صاحبها عن النظر في قوانين اللغة وعلوم الأدب. فعندما يتحدث عن محمود سامي البارودي يقول: “إنه لم يقرأ كتابًا في فن من فنون العربية، غير أنه لما بلغ سن التعقل، وجد من طبعه ميلًا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع بعض من له دراية، وهو يقرأ بعض الدواوين أو يقرأ بحضرته؛ حتى تصور في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية، ومواقع المرفوعات منها والمنصوبات والمخفوضات حسب ما تقتضيه المعاني والتعلقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن.

وسمعته مرة -لأن الشيخ حسين المرصفي كان يدرس للبارودي-يسكن ياء المنقوص، والفعل المعتل بها المنصوبين؛ فقلتُ له في ذلك، فقال: هو كذا في قول فلان، وأنشد شعرًا لبعض العرب، فقلت: تلك ضرورة، وقال علماء العربية إنها غير شاذة، ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها ناقدًا شريفها من خسيسها، واقفًا على صوابها وخطئها، مدركًا ما كان ينبغي وفق مقام الكلام وما لا ينبغي”.

فالبارودي في رأي الشيخ حُسين المَرصفي لما كان له من موهبة أصيلة وذوق عالٍ فطري، تمكن من أن يتصور هيئات التراكيب العربية ومواقع المرفوعات والمنصوبات والمخفوضات منها، عن طريق تمثله لما حفظه وعرضه على نفسه من نصوص الشعر العربي، فلم يكن محتاجًا -في رأي الشيخ المرصفي- أن يقرأ كتابًا في فن من فنون العربية.

error: النص محمي !!